الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الشرط الخامس استقبال الكعبة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

الشرط الخامس : استقبال الكعبة ، والنظر في المستقبل إليه والمستقبل فيه والمستقبل نفسه ، فهذه ثلاثة أطراف : الطرف الأول المستقبل إليه وهو الكعبة قال الله تعالى : ( وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره ) والشطر في اللغة النصف وهو أيضا الجهة وهو المراد هاهنا فيجب على [ ص: 114 ] العالم أن يكونوا مستقبليها بوجوههم كالدائرة لمركزها ، فأما داخلها فقال في الكتاب : لا تصلى فيه ولا في الحجر فريضة ، ولا ركعتا الطواف الواجبتان ، ولا الوتر ، ولا ركعتا الفجر وغير ذلك لا بأس به فإن صلى مكتوبة أعاد في الوقت كمن صلى إلى غير القبلة ، وأجاز الشافعي وأبو حنيفة المكتوبة لقوله تعالى : ( وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود ) قال الشافعي في الأم : ولا موضع أطهر منه ، ووافقنا ابن حنبل ، ومنع ابن جرير الجميع لما في مسلم أنه - عليه السلام - لما دخل البيت كبر في نواحيه ، ولم يصل فيه حتى خرج ركع في قبل البيت ركعتين وقال : هذه القبلة لنا ، الآية المتقدمة ، والمصلي داخله لم يستقبله بل بعضه ، ولأنه لم يأت عن أحد من السلف أنه صلى في البيت ، وكيف تغفل الأمة عن الفضيلة التي ذكرها الشافعي مع اجتهاد سلفها وخلفها في تحصيل الفضائل ، ولأن الاستقبال مأمور به ، وكل مأمور به لا بد أن يكون ممكن الفعل والترك حالة التكليف ، والمصلي داخل البيت يستحيل ألا يكون مستقبلا لبعضه فيسقط التكليف وهو خلاف الإجماع .

والجواب عن هذه الآية : أن موضع الطواف خارج البيت إجماعا فيكون موضع الركوع والسجود كذلك ، وأما جواز النافلة فلما في الموطأ أنه - عليه السلام - دخل الكعبة هو وأسامة بن زيد وعثمان بن طلحة الحجبي وبلال ، فأغلقها عليه ومكث فيها قال ابن عمر : فسألت بلالا حين خرج [ ص: 115 ] ماذا صنع عليه السلام فقال : جعل عمودا عن يساره ، وعمودين عن يمينه ، وثلاثة أعمدة وراءه ، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة ، ثم صلى . زاد أبو داود صلى ركعتين ، وهذا الحرف يدفع تأويل ابن جرير أن صلاته كانت دعاء ; لأن النافلة يجوز ترك الاستقبال فيها مطلقا في السفر وترك القيام مع القدرة والإيماء بالركوع والسجود عند بعض العلماء ، قال صاحب الطراز : وفي إعادة المكتوبة ثلاثة أقوال : ففي الكتاب يعيد في الوقت كالمصلي بالاجتهاد لوقوع الخلاف في المسألة ، وعند ابن حبيب وأصبغ يعيد أبدا ترجيحا لوجوب استقبال جميع البيت ، وعند ابن عبد الحكم لا يعيد مطلقا نظرا لمدرك الشافعي - رضي الله عنهم أجمعين - قال : فلو صلى فوق ظهر البيت فثلاثة أقوال لمالك : يعيد أبدا ، وعند أشهب في الوقت ، وعند ابن عبد الحكم لا يعيد مطلقا ، وقال أبو حنيفة : إن لم يبق بين يديه من السطح شيء لم يجزه وإلا أجزأه وهو محكي عن أشهب وقال الشافعي : لا يجزيه إلا أن يكون عليه ما يستره من البناء ، وقال أصحابه : يكفيه من ذلك غرز خشبة أو عصا ، قال صاحب الجلاب : يكره أن تصلى المكتوبة في الكعبة والحجر وعلى ظهرها ، ومن فعل أعاد في الوقت ولا بأس بصلاة النافلة في جميع ذلك ، قال صاحب الطراز : ولو جوزنا الصلاة في الكعبة وعلى ظهرها لم نجزها في سرب تحتها أو مطمورة ; لأن البيوت شأنها أن ترتفع ، [ ص: 116 ] وليس شأنها أن تنزل ، وكذلك قال في المساجد إن أسطحتها لها أحكام المساجد ، بخلاف ما لو حفر تحتها بيتا يجوز أن يدخله الجنب والحائض ، إلا أن ذلك لا يفعل إلا بإذن الإمام ، ومنشأ الخلاف هل المقصود بالاستقبال بعض هوائها أو بعض بنائها أو جملة بنائها وهوائها ؟ والأول مذهب أبي حنيفة وسوى بين داخل البيت وظهره ; لوجود بعض الهواء ، والثاني مذهب الشافعي فسوى بين جزء البناء داخل البيت وعلى ظهره ، والثالث مذهبنا وهو مقتضى ظواهر النصوص ، فإن جزء البناء لا يسمى بيتا ولا كعبة ، وأبعد من ذلك جزء الهواء العاري عن البناء فإن الكعبة في اللغة : هي المرتفعة ، ومنه المرأة الكاعب إذا ارتفع ثديها ، وكعب الرجل ، والبيت هو ذو السقف والحيطان ، وهذا المعنى لا يتحقق إلا في جملة البيت ببنيانه وهوائه وهذا هو الفرق على المشهور بين داخله وظهره ، فإن داخله ارتفاع من حيث الجملة وظهره فراغ محض ، والفرق بين الصلاة على ظهرها وعلى أبي قبيس : أن المصلي على أبي قبيس مستقبل بوجهه جملة البناء والهواء بخلاف ظهرها ، ولأن السنة فرقت بينهما فنهى - عليه السلام - عن الصلاة على ظهرها .

فروع ثلاثة :

الأول في الجواهر : لو امتد صف طويل قريب البيت فالخارج عن [ ص: 117 ] سمت البيت تبطل صلاته ؛ ومثل هذا الصف في الآفاق تصح ، وكذلك الصلاة في بلدين متقاربين لسمت واحد تصح إجماعا . وهو مبني على قاعدتين إحداهما : أن الله تعالى إنما أوجب الاستقبال العادي دون الحقيقي ، فلو استقبل صف طويل حيوانا بعيدا في برية صدق في العادة أن كل واحد منهم قبالته في رأي العين ، ولو قرب منهم بطل ذلك فكذلك الكعبة طولها أربعة وعشرون ذراعا ، وعرضها عشرون ذراعا فالصف البعيد منها يعد في العادة مستقبلا لها بخلاف القريب . القاعدة الثانية : أن الخلائق يستقبلون الكعبة شرفها الله كاستقبال أجزاء محيط الدائرة لمركزها ، فإذا تخيلنا الكعبة مركزا فقد خرج منه خطوط مجتمعة الأطراف في المركز وكلما بعدت اتسعت مثل قصبتي شبكة الصيادين . فمن المعلوم حينئذ أن كلما بعد خطان من هذه الخطوط وسع طرفاهما أكثر مما إذا قربا ، فلذلك كان الصف الطويل في البعد مستقبلا وفي القرب ليس مستقبلا .

الثاني في الجواهر : الواقف بمكة خارج المسجد يستقبل بناء الكعبة فإن لم يقدر استدل فإن كان الاستدلال بمشقة ، فلبعض المتأخرين في جواز الاجتهاد تردد .

الثالث : الواقف بالمدينة يتنزل محرابه - عليه السلام - في حقه منزلة الكعبة ، فلا يجوز له الاجتهاد بالتيامن والتياسر ; لأنه منصوب بالوحي ، ومباشرة [ ص: 118 ] المعصومين : رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وجبريل - عليه السلام - وإجماع الأمة وهي معصومة أيضا فيقطع بصحته وخطأ مخالفه ، فلا معنى للاجتهاد . الطرف الثاني الذي يستقبل فيه ، وفي الجواهر يجب الاستقبال إلا في القتال لقوله تعالى : ( فرجالا أو ركبانا ) . ولا تصلى فريضة ولا صلاة جنازة على راحلة ، فإن فعلت مثل فعلها في الأرض ففي جواز ذلك ، وكراهيته قولان نظرا لصورة الأداء ، وإلى أن الأرض يتأتى فيها من التواضع والتذلل بمباشرة التراب والتمكن من الخشوع ، ما ليس في الرواحل ، وهذا هو مذهب الكتاب ، فقال في مريض لا يستطيع الجلوس لا يصلي المكتوبة في محمله بل على الأرض ، وهو قول الشافعي ، وفي أبي داود عن عائشة - رضي الله عنها - أنها سئلت هل رخص - عليه السلام - للنساء أن يصلين على الدواب ؟ قالت : لم يرخص في ذلك في شدة ولا رخاء . قال صاحب الطراز : فإن فعل قال سحنون : يعيد أبدا ، وقال ابن حبيب وابن عبد الحكم : إذا استوت حالتا الأرض والمحمل في الإيماء فلا شيء عليه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث