الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الشرط الخامس استقبال الكعبة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

فروع أربعة :

الأول : قال اللخمي : إذا كان المريض لا يجد من يحوله إلى القبلة ، ولا يرجوه صلى أول الوقت ، وإن كان راجيا صلى آخر الوقت ، وإن شك فوسط الوقت .

الثاني : قال في الكتاب : من خاف السباع أو غيرها صلى على دابته إيماء [ ص: 119 ] حيثما توجهت به ، فإن أمن ، أعاد في الوقت ; لقوله تعالى : ( فإن خفتم فرجالا أو ركبانا ) . وفي الترمذي أنهم كانوا معه - عليهم السلام - في مسيرة فانتهوا إلى مضيق فمطروا والسماء من فوقهم والبلة من تحتهم فأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - على راحلته وأقام أو أقيم ، فتقدم النبي - عليه السلام - على راحلته فصلى بهم يومئون إيماء السجود أخفض من الركوع . قال صاحب الطراز : قوله حيثما توجهت به راحلته معناه إذا لم يقدر أن يتوجه بها إلى القبلة ، والفرق بين هذا والمسايفة من وجهين أحدهما : أن العذر هاهنا قد يكون موهوما والمسايفة محققة ، ولذلك قال ابن الجلاب : إذا كان عذره مشكلا غير محقق أعاد . الثاني فضيلة الجهاد ، وسوى الغير بينهما في الإعادة في الوقت فلو خاف من السباع أو اللصوص - وهو ماش - قال ابن حبيب والشافعي : يصلي إيماء كالمسايفة ولو كان جالسا وخاف من عدوه ، قال أشهب وغيره : يصلي جالسا ويسجد إلا أن يخاف فيومئ .

الثالث : قال صاحب الطراز : لو غشيه السيل في واد لا مفر له إلا بطول ، وخاف فوات الوقت ولم يمكنه الوقوف صلى في غدوه ، وقال الشافعي ، وكذلك خوف الحيات ، وقال المزني : الحيات عذر نادر والنادر لا يسقط القضاء ، وهذه الفروع كلها مبنية على قاعدة تقدم التنبيه عليها وهي تعارض المقاصد والوسائل فإنه يجب تقديم المقاصد ; لكونها أهم في نظر الشرع ، والأركان مقاصد ، والاستقبال شرط ووسيلة فلا تترك المقاصد لأجل تعذره .

الرابع : قال في الكتاب : لا يصلي على دابته التطوع إلا في سفر تقصر فيه [ ص: 120 ] الصلاة ، قال صاحب الطراز : إن كان مستقبل القبلة في السفر القصير فيختلف فيه المذهب على رأي من جوز الإيماء للمتنفل من غير ضرورة ، وإن لم يكن مستقبلا فقد جوزه الشافعي في كل سفر ، وأصحاب الرأي في الفرسخين ، والأوزاعي لكل من خرج من بلد في حاجة راكبا أو ماشيا ، لنا الأدلة الدالة على الركوع والسجود والاستقبال ، وجوز في الكتاب ركعتي الفجر والوتر على الراحلة خلافا لـ ( ح ) في الوتر ، لنا ما في الموطأ أنه - عليه السلام - كان يسبح على الراحلة ويرسلها غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة ، والتنفل على الدابة من حيث الجملة متفق عليه ، وإنما الخلاف في الماشي فمنعه مالك وأبو حنيفة ، وجوزه الشافعي .

حجتنا : عمل السلف ، وليس للمخالف مدرك إلا القياس على الراكب ، والفرق أن الراكب بمنزلة الجالس المتنفل ، وحركة الماشي تنافي هيئة الصلاة ، وظاهر قوله في الكتاب يصلي على دابته في السفر حيثما توجهت به عدم اعتبار القبلة وقت الإحرام ، وقال الشافعي : إن كانت دابته غير مقطورة واقفة ، افتتحها إلى القبلة ، وقال بعض أصحابه : إذا كانت واقفة لا يصلي إلا إلى القبلة ، واتفقوا في المقطورة أنه يصلي حيث توجهت به وإن كانت واقفة ، واختلفوا في المفردة التي لا تصعب إدارتها ، فقال بعض الشافعية : يلزمه إدارتها ويحرم إلى القبلة كالماشي عندهم ، ومنع بعضهم لزوم ذلك ، حجتهم ما في أبي داود أنه - عليه السلام - كان إذا سافر ، فإن أراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة وكبر ، ثم صلى حيث وجه ركابه ، وإذا أحرم إلى جهة مسيره فلا [ ص: 121 ] ينحرف بوجهه إلى غيرها . قال مالك : إذا مال محمله فحول وجهه إلى دبر البعير لم أحبه ، وليصل إلى سير البعير ، ولو صلى في المحمل مشرقا أو مغربا ، لا ينحرف إلى القبلة وإن كان يسيرا ، وليصل قبل وجهه قال صاحب الطراز : فعلى هذا إذا انحرف بعد الإحرام من غير عذر ولا سهو ، فإن كانت القبلة فلا شيء عليه فإنها الأصل ، وإن كانت غيرها بطلت صلاته ، وقاله الشافعي وأما إذا ظن أن تلك طريقه أو غلبته دابته فلا شيء عليه ، وقال الشافعية : يسجد للسهو فلو وصل منزلا وهو في الصلاة نزل ، وأتم بالأرض راكعا وساجدا إلا قول من يجوز الإيماء في النافلة للصحيح ، فإنه يتم صلاته على دابته إلى القبلة ، وإن لم يكن منزل إقامة خفف قراءته ، وأتم صلاته على الدابة ; لأنه يسير وله أن يعمل في صلاته ما لا يستغنى عنه من مسك العنان والضرب بالسوط وتحريك الرجل إلا أنه لا يتكلم ، ولا يلتفت ، ولا يسجد على قربوس سرجه ، ولكن يومئ ، قال في الكتاب : قيام المصلي في المحمل متربعا وإذا ركع ركع متربعا ، ووضع يديه على ركبتيه فإذا رفع رأسه من ركوعه رفع يديه عن ركبتيه ، فإذا أهوى إلى السجدة بين رجليه وسجد إلا أن يقدر أن يثني رجليه فيومئ متربعا ، وهو قول الشافعي ، وقال في العتبية : إذا أعيا في تربعه فمد رجليه أرجو أن يكون خفيفا ، قال صاحب الطراز : لو صلى على دابته في قبلته قائما راكعا وساجدا من غير نقص أجزأه على المذهب ، وعلى قول سحنون لا يجزيه لدخوله على [ ص: 122 ] الغرر ، وللشافعي قولان .

تمهيد :

أقام الشرع جهة السفر بدلا من جهة الكعبة في حق المتنفل ; لأن تحصيل مقاصد الصلاة أولى من رعاية شرط من شروطها ، ولو منع الشرع التنفل في الأسفار لغير القبلة لامتنع أكثر الناس من التنفل في السفر ، ولامتنع الأبرار من الأسفار حرصا على النوافل ، وكذلك لا تترك مقاصد الصلاة من الأركان ; لتعذر ستر العورة فإن القاعدة تقديم المقاصد على الوسائل .

الطرف الثالث : المستقبل ففي الجواهر : أحواله ست ; لأنه إن كان في أحد الحرمين وجب عليه اليقين وحرم الاجتهاد ، وإن كان غائبا عالما بأدلة الكعبة وجب عليه الاجتهاد وحرم التقليد ، وإن لم يكن عالما وأمكنه التعليم وجب التعليم وحرم التقليد ، وإن لم يمكنه وقد سمع أقوال العلماء بالأدلة وجب عليه أن يجتهد في تلك الأقوال وحرم التقليد ، فإن لم يسمع جاز له التقليد لقوله تعالى : ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) ويلحق به الأعمى وحيث قلنا بالتقليد فيجب أن يكون المقلد مكلفا مسلما ، عارفا بأدلة القبلة ، فإن عدم من يقلده - ويلحق به المجتهد إذا خفيت عليه الأدلة ، فقال ابن عبد الحكم : يصلي إلى أي جهة شاء ، ولو صلى أربع صلوات لأربع جهات لكان مذهبا ، وفي المجتهد المتحير قول ثالث أنه يقلد قال صاحب الطراز : فلو رجع للأعمى بصره في الصلاة فشك ، تحرى [ ص: 123 ] وبنى ولم يقطع ، كما لو شك في عدد الركعات ، قال : فلو ترك الأعمى التقليد مع إمكانه وصلى برأي نفسه أو الجاهل ، قال بعض الشفعوية : صلاته باطلة ، قال : وليس كذلك ; لأنه وجد منه القصد إلى الجهة وهذا مشكل من صاحب الطراز ، فإن الجاهل ترك ما يجب عليه فأشبه ما لو ترك المجتهد الاجتهاد فإن صلاته باطلة ، ولو أخبر الأعمى رجل أن الذي قلده يخطئ ، ففي الجواهر : فإن صدقه انحرف إلى الجهة التي أشار إليها وبنى ; لأنه اجتهد له مجتهد ، قال سحنون : هذا هو الحق إن كان المخبر أخبر باجتهاد فإن كان عن معاينة بطل ما مضى ، ولم يبن ، قال ابن القصار في تعليقه : البلد الخراب الذي لا أحد فيه ، لا يقلد المجتهد محاريبه ، فإن خفيت عليه الأدلة ، أو لم يكن من أهل الاجتهاد قلدها ، والبلد العامر الذي تتكرر الصلوات فيه ، ويعلم أن إمام المسلمين نصب محرابه أو اجتمع أهل البلد على نصبه ، فإن العالم والعامي يقلدونه قال : لأنه قد علم أنه لم يبن إلا بعد اجتهاد العلماء في ذلك قال : وأما المساجد التي لا تجري هذا المجرى فإن العالم بالأدلة يجتهد ولا يقلد ، فإن خفيت عليه الأدلة قلد محاريبها ، وأما العامي فيصلي في سائر المساجد ، وقال صاحب المقدمات : من غاب عن الكعبة ففرضه الاجتهاد فإن صلى بغير اجتهاد فصلاته باطلة ، وإن وقعت إلى الكعبة ولم يفصل ، وهاهنا قواعد خمس تتعين الإحاطة بها :

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث