الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

الشرط السابع : ترك الكلام قال صاحب المقدمات : اختلف المذهب في كونه فرضا أو سنة وهو مذهب الأبهري قال : وقال : إن القول بالإعادة إذا تكلم عامدا إنما هو على القول بالإعادة ممن ترك السنن عامدا قال : والأظهر أنه فرض ، قال اللخمي : الكلام سبعة أقسام فإن تكلم ساهيا أو عامدا للكلام ساهيا عن الصلاة لم يفسدها ، أو عامدا ذاكرا أنه في الصلاة ، أو عالما بتحريمه فيفسدها ، أو جاهلا بجوازه فقيل تبطل ; لأنه عامد وقيل تصح ; لأنه متأول أو عامدا مأموما تكلم لإصلاح الصلاة لسهو دخل على الإمام فقال مالك ، وابن القاسم : لا يفسدها ، وقال المغيرة : يفسدها أو عامدا تكلم لإنقاذ مسلم من مهلكة أو نحوه ، فذلك واجب عليه ويستأنف الصلاة إلا أن يضيق ، فيكون كالمسايفة فإن خاف على مال له أو لغيره وكان كثيرا ، تكلم [ ص: 139 ] واستأنف وإن كان يسيرا لم يتكلم ، فإن فعل بطلت . وفي الجواهر : كل ما ينطلق عليه اسم كلام من غير تحديد بحروفه ولا تعيين لها مبطل للصلاة تعمده أو أكره عليه أو وجب لإنقاذ من مهلكة أو شبهه ، وقال بعض الشفعوية : لا يبطلها ; لوجوبه عليه - لقوله عليه السلام - لأبي سعيد ما منعك أن تجيب إذ دعوتك ؟ فقال : كنت أصلي فقال : ألم تجد فيما أوحي إلي : ( استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) قال : بلى يا رسول الله ، لا أعود . قال صاحب الطراز : وهذا يحتمل أنه يجيبه بعد قطع النافلة أو يجيبه بالصلاة عليه ، أو بلفظ القرآن ، قال في الجواهر : ولا يبطلها سبق اللسان ، ولا كلام الناسي ، ولا لإصلاح الصلاة ، وقال المغيرة : تبطل وتبطل بكلام الجاهل إلحاقا له بالعامد ، وقيل لا تبطل إلحاقا بالناسي .

قاعدة : يجب على كل مكلف أن يعلم أحكام الله تعالى في كل فعل يقدم عليه فإن لم يتعلم ذلك كان عاصيا ، وعلم الإنسان بحالته التي هو فيها فرض العين من العلم ، فإذا أقدم على الصلاة ولم يعلم تحريم الكلام فيها فهو عاص مفرط ، فلذلك كان المشهور إلحاقه بالعامد المقصر دون الناسي المعذور فتخرج فروع الجاهل في الصلاة على هذه القاعدة .

فروع تسعة :

الأول التنحنح ، قال في الجواهر : إن كان لضرورة فغير مبطل ، وإن كان [ ص: 140 ] لغير ضرورة فهو مبطل في أحد القولين فإن قصد به الإفهام لغيره لم يبطل عند ابن القاسم ، ويبطل عند ابن الحكم .

الثاني : قال في الكتاب : النفخ مثل الكلام يبطل الصلاة عمده وجهله ، ويسجد بعد السلام للسهو ، وكرهه في المجموعة ولم يره كالكلام ، وللشافعي قولان ، واشترط أبو حنيفة في إبطاله للصلاة أن يسمع . ومنشأ الخلاف هل شبه بالنفس فلا يبطل أو يقال هو مركب من الألف والفاء فهو كلام ، قال الله تعالى : ( فلا تقل لهما أف ) . فجعله قولا وهو اسم لوسخ الأظافر ، والكاف : اسم لوسخ البراجم ، ثم الحروف ليست شرطا فلو ضحك أو نهق كالحمير ، أو نعق كالغربان ونحوه ، قال صاحب الطراز : تبطل صلاته .

الثالث : قال : والأنين كالكلام إلا أن تضطره إليه عند مالك ، والبكاء إن كان من باب الخشوع فلا شيء عليه ، وإلا فهو كالكلام ، وفي حديث الموطأ لما أمر - عليه السلام - أبا بكر أن يصلي بالناس قالت له عائشة رضي الله عنها : إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء . وهو دليل عدم إفساده للصلاة .

الرابع : في الكتاب إذا قرأ كتابا ملقى بين يديه عامدا ابتدأ الصلاة فرضا [ ص: 141 ] كانت أو نفلا ، وسجد لسهوه إن كان ناسيا . قال صاحب الطراز : إن كان قرآنا فلا شيء عليه وهو قول الشافعي خلافا لـ ( ح ) ، وإن كان ليس بقرآن وحرك به لسانه فكما قال في الكتاب : وإن لم يتحرك لسانه فإن قل فلا شيء عليه ، وإن تعمد وإن طال مع الذكر أفسد ; لأنه تلبس بفعل من الصلاة ليس من جنسها كما لو طالت فكرته في شيء بين يديه .

الخامس : قال في الكتاب : إذا سلم ساهيا من ركعتين فتكلم يسيرا رجع ، وبنى ، وسجد لسهوه بعد السلام ; لحديث ذي اليدين وإن تباعد أعاد ، وقيل لابن القاسم : إن انصرف ، وأكل وشرب ، ولم يطل ذلك قال : يبتدئ ولم أحفظه عن مالك ، وفي مسلم أنه - عليه السلام - صلى العصر فسلم من ثلاث ركعات ، ثم دخل منزله فقام إليه رجل يقال له الخرباق ، وكان في يديه طول فقال : يا رسول الله فذكر له صنيعه فخرج غضبان يجر رداءه حتى انتهى إلى الناس ، فقال : أصدق هذا ؟ فقالوا : نعم فصلى ركعة ، ثم سلم ، ثم سجد سجدتين . ونص الشافعي على مثل قول مالك ، واختلف هو وأصحابه في القرب فقال : مقدار ركعة ، وقال بعضهم : مقدار الصلاة التي هو فيها ، وقيل ما كان في العرف طولا ، قال صاحب الطراز : قال بعض أصحابنا : يبني وإن طال وهو قول من يرى أنه ما خرج من الصلاة ولا يحتاج إلى إحرام عنده ، قال : وقد نقل البراذعي هذه المسألة نقلا فاسدا لقوله : فإن تباعد [ ص: 142 ] وخرج من المسجد ، فأوهم أن الجمع بينهما شرط ، قال مالك : إذا خرج إلى باب المسجد أو قرب مصلاه ابتدأ ، وقال أشهب : الخروج من المسجد حد في القطع فإن لم يكن في المسجد فمقدار مجاوزة الصفوف بحيث لا يصلي بصلاتهم .

فرع : مرتب :

قال صاحب الطراز : فلو ذكر بالقرب فتكلم بعد ذلك لم يبن ; لأنه كلام بغير سهو ، وقاله مالك قال : وأما قول ابن القاسم إذا أكل أو شرب يروى بالواو وبأو ، وقد قال ابن حبيب : يبني إذا أكل أو شرب ما لم يطل ، ووجه قول ابن القاسم أن الأكل والشرب أغلظ من الكلام ، ولم يشرع جنسه في الصلاة .

السادس : في الجواهر لو قال : ادخلوها بسلام إن قصد التلاوة لم يضره ، وإن لم يقصد إلا الإفهام فقال ابن حبيب : لا يضره أيضا ، وقال المازري : يتخرج فيها قول بالإبطال من الخلافة في بطلان صلاة من فتح بالقرآن على من ليس معه في الصلاة .

السابع : القهقهة في الجواهر يبطل عمدها وسهوها وغلبتها ، وقيل هي كالكلام لا يبطل سهوها قاله أصبغ ، وقال في الكتاب : إن كان وحده قطع ، وإن كان مع إمام مضى وأعاد ، قال صاحب الطراز : وهو محمول على [ ص: 143 ] الخروج بسلام رفعا للخلاف ، ويستأنف الإحرام بيقين وهو سبب التمادي مع الإمام ، ولذلك قال ابن القاسم : إذا قهقه الإمام مغلوبا استخلف وأتم معهم ، قال أبو الطاهر : لأن غلبة القهقهة كسبق الكلام ، وقيل يبطل ما مضى ; لمنافاة القهقهة الصلاة أكثر من الكلام بسبب الخشوع معها ، أو لأنها لم يشرع جنسها في الصلاة بخلافه وهذا هو الفرق على رأي مالك وابن القاسم ، ولا تبطل بالتبسم ; لخفته في رواية ابن القاسم ولا سجود عليه ، قال ابن رشد : وهو الصواب قياسا على المرتقب ، وعلى العابث بيده ، وعلى مسوي الحصباء بنعله وشبه ذلك مما في فعله ترك الخشوع ناسيا كان أو عامدا ولا سجود عليه باتفاق ، وفي رواية ابن عبد الحكم يسجد بعد السلام ; لكونه زيادة في الصلاة ، وفي الجلاب : قبل السلام ; لنقصان الخشوع ، وهو ضعيف .

الثامن : في الكتاب : كره للمأموم أن يتعوذ إذا قرأ الإمام آية وعيد قال : إن فعل سرا قال صاحب الطراز : لأنه مأمور بالإنصات ، قال : وهذا متفق عليه وإنما الخلاف في المنفرد فعند الشافعي يتعوذ عند الوعيد ويسأل عند الوعد ، وكرهه مالك وأبو حنيفة في الفرض والنفل ، ومراده في الكتاب الفريضة .

التاسع في الكتاب : لا يقل الحمد لله إن عطس إلا في نفسه ، وتركه أحسن ; لأنه ليس من أركان الصلاة المعتادة فيها فأشبه الكلام ، قال صاحب الطراز : قال ابن حبيب : تكره العطسة العالية في الصلاة ، وليحفظها ما قدر ويجعل [ ص: 144 ] يده على وجهه ، وجوز في الكتاب الدعاء على الظالم لما في أبي داود قال أبو هريرة : كان - عليه السلام - في قنوته يدعو المؤمنين ، ويلعن الكافرين قال صاحب النوادر ، قال ابن شعبان إن قال : يا فلان فعل الله بك فسدت صلاته بخلاف فعل الله بفلان أو اللهم افعل بفلان قال : ولم أره لغيره من أصحابنا ، قال صاحب البيان : إذا مر به إنسان فأخبره بما يسره فقال : الحمد لله عامدا أو بما يضره فتوجع قال ابن القاسم : لا يعجبني ، ولا تبطل الصلاة قال : وهو كما قال ; لأنه أشغل نفسه بغير أمر صلاته من أمر دنياه بخلاف فعل أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - حين رفع يديه في الصلاة ، وحمد الله لما أمره - عليه السلام - بالمكث في موضعه وفي الصحيحين قال ابن مسعود : كنا نسلم على النبي - عليه السلام - وهو في الصلاة ويرد علينا ، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا ، وقال : إن في الصلاة لشغلا . زاد أبو داود فأخذني ما قدم وما حدث فلما قضى الصلاة قال : إن الله يحدث من أمره ما يشاء وإنه قد أحدث أن لا تتكلموا في الصلاة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث