الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الشرط الثامن ترك الأفعال الكثيرة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

الشرط الثامن : ترك الأفعال الكثيرة ، ففي الجواهر يبطلها كل ما يعد به عند الناظر معرضا عن الصلاة لفساد نظامها ومنع اتصالها ، ولا يبطلها ما ليس كذلك من تحريك الأصابع للتسبيح أو حكة ، وهو مكروه إذا لم يكن لمصلحة الصلاة كسد الفرج ، أو الضرورة كقتل ما يحاذره وإنقاذ نفس إذا كان على القرب فإن تباعد ، تغير النظام فيبطلها وإن كان واجبا .

[ ص: 145 ] فروع تسعة :

الأول : قال في الكتاب : يرد السلام برأسه أو بيده في الفرض والنفل ، ووافقه الشافعي ، وقال أبو حنيفة : لا يرد مطلقا ولا الإشارة ، وقال أبو هريرة وجابر وجماعة من السلف : يرد مطلقا بالإشارة وباللفظ المعتاد في رد السلام ، ويروى عن أبي هريرة أنه كان يرفع صوته برد السلام ، لما في الترمذي عن صهيب مررت بالنبي - عليه السلام - فسلمت عليه وهو يصلي فرد علي إشارة بإصبعه ، وللفقهاء على أبي هريرة وأصحابه حديث ابن مسعود في باب الكلام قد تقدم .

الثاني : في الكتاب قال ابن القاسم : إذا عطس فشمته رجل فلا يرد عليه إشارة في فرض ولا نفل ، لما في مسلم عن معاوية بن الحكم قال : صليت مع النبي - عليه السلام - فعطس رجل من القوم فقلت : يرحمك الله فرماني القوم بأبصارهم ، فقلت : واثكل أماه ما شأنكم تنظرون إلي ؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم ! فعرفت أنهم يصمتوني فسكت ، فلما سلم النبي - عليه السلام - بأبي وأمي ما ضربني ولا نهرني ولا سبني ، ثم قال : إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس هذا إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن . فما رأيت معلما قط أرفق منه - عليه السلام - ووجه الدليل : أنه [ ص: 146 ] - عليه السلام - لم يقره على الكلام ، ولم يأمره بالإشارة ، والفرق بين رد السلام وجواب التشميت : أن جواب التشميت دعاء وهو ما لا يتأتى بالإشارة ، ورد السلام تحية وهو يحسن في العادة بالإشارة بالرأس وغيره .

الثالث : قال ابن القاسم في الكتاب : مقتضى قول مالك أنه يرد بالإشارة أن للناس أن يسلموا عليه ، قال صاحب الطراز : وفي هذا الاستقراء نظر فقد روى ابن وهب عن مالك ذلك وكذلك أبو حنيفة ، وللشافعية قولان قال : والأول المشهور وبه قال ابن حنبل .

وحجته : عموم التسليم وحديث ابن عمر أنه - عليه السلام - كان يرد بالإشارة ولم ينكر على من يسلم عليه ، واستحب الشافعي التصفيق لما في الصحيحين قال عليه السلام : يسبح الرجال ، وليصفق النساء ، والعمل على خلافه والمعنى أيضا فإن التسبيح يناسب الصلاة بخلاف التصفيق .

فرع : مرتب :

قال صاحب الطراز : لفظ التسبيح سبحان الله ، قال ابن حبيب : فإن قال : سبحانه فقد أخطأ ، ولا يصل إلى الإعادة ، وإن قال : لا حول ولا قوة إلا بالله ، أو كبر ، أو هلل فلا حرج .

[ ص: 147 ] الرابع : قال ابن القاسم في الكتاب : رأيت مالكا إذا أصابه التثاؤب يضع يده على فيه وينفث في غير الصلاة ، ولا أدري ما يفعله في الصلاة ؟ لما في أبي داود أنه - عليه السلام - قال : إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب ، فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع ، ولا يقل ها ها فإنما ذلك من الشيطان يضحك منه . وفي رواية فليمسك على فيه ; فإن الشيطان يدخل . قال صاحب الطراز : وأما النفث فليس من أحكام التثاؤب بل ربما اجتمع الريق في فم الإنسان فينفثه ولو ابتلعه جاز ، وينبغي أن ينفثه إذا كان صائما ، وقال مالك في الواضحة : يسد فاه بيده في الصلاة حتى ينقطع تثاؤبه قال : فإن قرأ حال تثاؤبه فإن كان يفهم ما يقول فمكروه ويجزيه ، وإن لم يفهم فليعد ما قرأ ، فإن لم يعد فإن كان في الفاتحة لم يجزه ، وإلا أجزأه .

الخامس : قال في الكتاب : فإذا انفلتت دابته وطلبها على القرب بنى ، وإلا طلبها وابتدأ ، قال عبد الحق : إن كان الوقت ضيقا ، قال ابن القاسم : يتمادى في طلب دابته وهو في الصلاة كالمسايفة ، وقال صاحب الطراز : هذا متجه إلا أن يكون لا يؤيس أمر الدابة فيشتغل بصلاته ، وفي البخاري عن الأزرق بن قيس قال : كنا بالأهواز نقاتل الحرورية فبينما أنا على حرف نهر إذ جاء رجل فصلى فإذا لجام دابته في يده فجعلت الدابة تنازعه وجعل يتبعها ، قال شعبة هو أبو هريرة الأسلمي فجعل الرجل من الخوارج يقول : اللهم افعل بهذا الشيخ ! فلما انصرف الشيخ قال أبي : سمعت قولكم ، وإني غزوت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ست غزوات أو سبع غزوات أو ثماني غزوات ، وشهدت مسيره ، وإني إن كنت أرجع مع دابتي أحب إلي من أن أدعها ترجع إلى مألفها ، ولم ينكر عليه [ ص: 148 ] أحد من الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - وفي أبي داود عن عائشة - رضي الله عنها : أنه عليه السلام كان يصلي والباب عليه مغلق ، فجئت فاستفتحت فمشى يفتح لي ، ثم رجع وذكر في الحديث أن الباب في قبلة البيت .

السادس : قال صاحب الطراز : لو خاف على صبي بقرب النار قال مالك : ينجيه ، فإن انحرف عن القبلة ابتدأ ، وإن لم ينحرف بنى قال : وإن خاف فوات الوقت إن قطع لم يقطع .

السابع : قال : من قرب منه صبي في الصلاة فلينه عنه في المكتوبة ولا بأس به في النافلة ; لما في الموطأ عن عبادة قال : رأيته - عليه السلام - يصلي وأمامة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على عنقه فإذا سجد وضعها ، وإذا قام حملها .

زاد مسلم يؤم الناس ، وتأوله مالك في النوافل ، وروى عنه حمله على الضرورة ، ولم يفرق بين فرض ونفل خلاف ما في الكتاب ، وقد زاد أبو داود بينا نحن عنده - عليه السلام - في الظهر أو العصر وقد دعاه بلال للصلاة فقام في مصلاه وقمنا خلفه وهي في مكانها ، فكبر حتى إذا أراد أن يركع أخذها ، ثم وضعها ، ثم ركع وسجد حتى إذا فرغ من سجوده ، أخذها وردها في [ ص: 149 ] مكانها فما زال يصنع بها كذلك في كل ركعة حتى فرغ من صلاته . وقال ابن القاسم في العتبية : في حمل المرأة ولدها في الفرض تركع به وتسجد لا ينبغي ، فإن لم يشغلها عن الصلاة لم تعد ، والذي قاله إنما يتصور إذا كان مشدودا لا يسقط إذا ركعت أو سجدت ، وإلا فتضعه في الركوع والسجود ، وتأخذه عند ابن القاسم ويكون ذلك العمل من حيز القليل الذي لا يعطل الصلاة .

الثامن : قال في الكتاب : إذا ابتلع طعاما بين أسنانه لم يقطع ذلك صلاته ، وكذلك إذا التفت في الصلاة قال صاحب الطراز : نقله البراذعي لا يلتفت ، ولم يقل مالك ذلك وإنما قال : إذا التفت والالتفات على ضربين لحاجة وهو مباح بحديث أبي بكر - رضي الله عنه - حيث التفت في الصلاة فرأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتأخر ، وفي أبي داود ثوب بصلاة الصبح فجعل - عليه السلام - يصلي وهو يلتفت إلى الشعب ، وكان أرسل فارسا إليه من الليل يحرس ، ولغير حاجة مكروه ، لما في البخاري عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : سألنا النبي - عليه السلام - عن الالتفات في الصلاة فقال : هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد ، وقال مالك في المختصر : لا بأس أن يتصفح بجسده ، وقال ابن القاسم في الكتاب : إن التفت بجميع جسده لم أسأل مالكا عنه وذلك كله سواء يعني ; لأن رجليه مع نصفه الأول يكون مستقبلا فهو مستقبل عادة وهو [ ص: 150 ] قول الشافعي . قال صاحب الطراز : إذا حول رجليه عن جهة الكعبة بطل توجهه .

التاسع : أعاب في الكتاب تفريق القدمين أو يكون في فيه درهم ، أو في كمه خبز أو شيء يحشو كمه أو يفرقع أصابعه وغيره ; لأنه من فعل الفتيان ، وكرهه ابن القاسم في المسجد ; لأنه من العبث الذي تنزه المساجد عنه ، ولم يكره أن يحرك رجليه ، ولا أن يمسح التراب عن جبهته أو كفيه ، وأجاز مالك الصلاة في الغزو والجهاد والثغور ومواضع الرباط بالسيف وبالقوس ، وقال : ليس كالسيف ، وكرهه ابن القاسم واستحب أن يجعل على عاتقه عمامته ، وأجاز ابن حبيب الصلاة بهما جميعا ، ولم ير بأسا بترك العمامة ، ورأى أن السيف والقوس عدل الرداء ، وأما في الحضر فيكره ذلك قال ابن حبيب : إلا أن يأمر به السلطان لأمر ينوب فلا بأس ، وليطرح على السيف ما يستره قال صاحب الطراز : تفريق القدمين قلة وقار وإلصاقهما زيادة تنطع فيكره ، وقد قال مالك في المختصر : ذلك واسع وكره ما في الفم ; لأنه يمنع القراءة ، وهو يختلف باختلاف الناس فمنهم من يمنعه الدرهم مخارج الحروف ومنهم من لا يمنعه ذلك ، فمن خشي ذلك تجنبه ، وحشو الكم يمنع هيئة السجود من مرفقيه ، وكره مالك في المجموعة أن يكون في كمه صحيفة فيها شعر ، فإن كان ثمينا يخشى عليه حمله ، ولو كان حيوانا نجس الروث كالغراب لم يضره ; لأن ظاهر وباطن الحيوان لا عبرة به ، وكذلك الحيوان المذكى إذا غسل ظاهره من الدم ، ولا يضر ما في باطنه من الدم ، [ ص: 151 ] خلافا للشافعية في اعتبارهم إياه كدن الخمر ، وقارورة ملئت نجاسة ، والفرق طهارته بخلافهما . وأما فرقعة الأصابع فلما ورد أن مولى ابن عباس قال : صليت خلف ابن عباس ففرقعت أصابعي فلما صلى قال لي : لا أم لك تفرقع أصابعك وأنت في الصلاة ؟ وقد ورد النهي عن التشبيك وهو أخف منه ، وكرهه مالك في الصلاة دون المسجد ، وفي أبي داود سئل نافع عن الرجل يصلي مشبكا يده قال : قال ابن عمر : تلك صلاة المغضوب عليهم ، وفيه عنه عليه السلام : إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه ، ثم خرج عامدا إلى المسجد فلا يشبك يديه ; فإنه في صلاة ، وقال به الشافعي ، وكذلك ينهى عن جعل اليد على الخاصرة ; لنهيه - عليه السلام - في مسلم أن يصلي الرجل مختصرا ، وأما مسح التراب إن كان من باب الترفه فمسحه مكروه ، وله أن يوطن موضع سجوده ، وروي عنه الكراهة ، ولم يكره تحويل الخاتم في الأصابع لضبط عدد الركعات ، وكرهه أبو حنيفة والشافعي ; لأنه عمل في الصلاة ليس منها ولاحظ مالك عونه على الصلاة ، وكره الترويح من الحر في المكتوبة وخففه في النافلة ، وكره المراويح في المسجد ، وكره قتل العقرب والحية والطير يرميه ، وروي عنه عدم كراهة قتل العقرب ، وفي أبي داود أمرنا - عليه السلام - بقتل الأسودين في الصلاة : الحية والعقرب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث