الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفصل السادس في سجدتي السهو

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

الفصل السادس : في سجدتي السهو .

وفيه فروع سبعة :

الأول : قال في الكتاب : إذا سها عن السجود الذي قبل السلام ، سجد إن كان قريبا ، وإلا استأنف الصلاة . قال صاحب الإشراف : مقتضى المذهب وجوب السجود للنقصان ، قال صاحب الطراز : قال عبد الملك و ( ش ) : لا تفسد الصلاة - بتركها ، وقال ( ح ) : هما واجبتان وليستا شرطا في الصلاة . لنا ما في مسلم قال ابن مسعود : صلينا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فإما زاد أو نقص ، فقلنا : يا رسول الله ، أحدث في الصلاة شيء ؟ فقال : وما ذاك ؟ فقلنا له : الذي صدر ، فقال : إذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين - والأمر للوجوب ، وكل ما يجب داخل الصلاة بطلت لأجل عدمه ; حجة ( ش ) : أنه فرع عن ترك السنة ، والفرع لا يزيد على الأصل .

جوابه : أنه ليس من شرط سبب الوجوب أن يكون مشروعا فضلا عن الوجوب ، بل يكون حراما كالجنايات مع العقوبات ، ومباحا كشراء الرقيق مع النفقات ، ومندوبا كالنكاح مع سد الخلات من الزوجات .

[ ص: 322 ] تفريع

إذا قلنا : إن الصلاة تجزئ بدونه وذكره بالقرب ، سجد - تكلم أو لم يتكلم - قاله ( ش ) ، وقال ( ح ) : إن تكلم بعد السلام لم يسجد ، وقال الحسن وابن سيرين : إن صرف وجهه عن القبلة لم يسجد ; لنا الأحاديث المتقدمة . وإن ذكره بعد الطول ، ففي الكتاب إن كان عن ثلاث أو أكثر من سمع الله لمن حمده أو التكبير ، حتى إذا طال كلامه أو قام فأكثر ، بطلت صلاته ; قال صاحب الطراز إذا طال : ستة أقوال :

الأول ما في الكتاب ; لأن الخلل إذا كثر أفسد كالغرر في البيع ، فيستحب السجود لاثنتين ويجب لثلاث ، ولا تبطل مطلقا لعبد الملك بناء على أنه سنة ، وتبطل مطلقا في الأقوال ، والأفعال ، والقليل ، والكثير - لمالك ، لمشروعيته قبل السلام ، ووجوبه فتبطل الصلاة للطول كالأركان ، ويسجد إلا أن ينتقض وضوءه فتبطل لأشهب ، لمشابهة الصلاة الطهارة في إبطال الحدث لهما ، فلا تجب الموالاة فيهما مع السهو ، ويمنع الحدث البناء فيهما ، ويسجد مطلقا كسجود الزيادة ، وتبطل إن وجب عن الأفعال إن طال أو أحدث ، بخلاف الأقوال ، وهل يسقط السجود إن طال مع الأقوال أم لا ؟ قولان ; لأن الفعل متفق على السجود له ، ولا يحمل الإمام مفروضه فيتأكد ، وقول سابع في الجواهر : تبطل الصلاة إن كان عن الجلسة الوسطى أو الفاتحة وركعة .

فرع

قال مالك في الموازية : إن ذكرهما بالقرب يحرم لهما ، ويسجدهما في موضع ذكره ، إلا في الجمعة لا يسجدهما إلا في المسجد ، وكذلك السلام وغيره ; فإن [ ص: 323 ] فعل ذلك في غير المسجد لا تجزيه الجمعة ، وقد تقدم في الرعاف خلاف ابن شعبان في ذلك .

الثاني في الكتاب : يأتي بالسجود الذي بعد السلام ولو بعد شهر ; لأن الصلاة قد تمت وهو قربة منفصلة عنها . وظاهر كلامه جواز ذلك عند طلوع الشمس وعند غروبها ، وقد قال في الموازية : فإن كان عن نافلة ، قال صاحب النكت عن بعض الشيوخ : لا يأتي به في وقت تمنع فيه النافلة ، قال صاحب الطراز : وظاهر الكتاب التسوية ; لأنه واجب مفارق للنوافل .

الثالث في الجواهر : الإمام يحمل عن المأموم سجود السهو ; لما في الدارقطني : قال - عليه السلام - : ليس على من خلف الإمام سهو ، فإن سها الإمام فعليه وعلى من خلفه ، ويلزم المسبوق أن يسجد مع الإمام إن كان قبل السلام وعقد معه ركعة ، كما يتبعه في سجود التلاوة ; فإن لم يعقد ركعة لم يتبعه عن ابن القاسم ; لأنه لم يدرك صلاته ، وقال سحنون : يتبعه كالتشهد ، وفي الكتاب : لا يسجد معه قبل ولا بعد ولا يقضيه . قال صاحب الطراز : فلو سها المأموم قبل سلام الإمام حمله ; لأنه مأموم حينئذ ، فلو سها الإمام في الجلسة الأخيرة لم يسجد معه ، ولو سهيا جميعا فيها فيحتمل عدم سجود المأموم ، لكونه في غير صلاة نفسه ، والسجود لكونه سهوا وقع في إحرامه مضافا لموافقة الإمام ، فإن أدرك ولم يسجد الإمام سجد المأموم ، وقاله ( ش ) ، كما لو سلم الإمام من ثلاث ، فإن المأموم يكمل ، وخالف ( ح ) محتجا بأنه لم يسه ، وإنما كان يسجد تبعا لا متبوعا فلا سجود .

وجوابه : منع الحصر ، وإذا قلنا يسجد فقد خيره مالك ، واستحب [ ص: 324 ] له ابن القاسم الانتظار ، وحتمه عليه ابن الماجشون ; فلو سجد معه لم يجزه ، ويعيده بعد السلام عند ابن القاسم استحبابا - جاهلا كان أو عامدا ; فلو أخر السجود فسها هو في قضاء زيادة ، أجزأه سجدتان اتفاقا ; أو نقصانا سجدتان عند ابن القاسم قبل السلام تغليبا للنقص ، وبعده عند ابن الماجشون تغليبا لحكم الإمام ; فلو استخلف الإمام هذا المسبوق فسها في القضاء نقصا فالقولان ، ولو سها فيما استخلفه نقصا فسجدتان قبل السلام عند ابن القاسم ، وقال أيضا : بعد تغليبا لحكم الإمام الأول ، وفي الجواهر : إن ترك الإمام سجودا بعد السلام ، سجده المأموم ، وإن كان قبل ، قال في الكتاب : يسجد معه ويجزيه ، وقال أشهب : لا يسجد حتى يقضي ، فإن سجد معه ثم سها في قضائه سجد عند ابن القاسم أيضا ، وقال ابن الماجشون : لا يسجد ، لو استخلف سجد بهم عند ابن القاسم قبل القضاء ، وعند أشهب بعده ; فإن أخر الإمام السجود قبل السلام بعده ، ففي الكتاب سجد المأموم معه .

سؤال : السجود واجب فيكون السلام قبله سلاما في أثناء الصلاة فيمتنع موافقة الإمام فيه ، كالمقيم إذا ائتم بمسافر وكالمسبوق ; فكان ينبغي أن يسجد معه بغير سلام .

جوابه : مخالفة الإمام ممنوعة ، والمقيم المسبوق لم يخالف الإمام ، فإنه لما سلم خرج من الإمامة معهم بفعلهم ، وتركهم حالة الانفراد ، وهاهنا لو ترك السلام مع أنه متبع له في السجود كان مخالفا له - مع بقاء حكمه .

تفريع

لو لم يسلم معه وسجد ، قال صاحب الطراز : الظاهر الإجزاء ; لأن الإمام [ ص: 325 ] هو المخطئ في تأخير السجود ، ولو شرع في السجود حالة سلام الإمام - ولم يتبعه فيه فقد أساء ويجزيه ; لأن سجود الإمام لم يقع في الصلاة فلم يخالفه .

الرابع في الكتاب : إن أحدث فيهما أعادهما ، خلافا ( ح ) ; قال صاحب الطراز : وقال أشهب : إن توضأ وكملهما أجزأه ، فلو أحدث الإمام بعد سجدة ، قال أشهب : لمن خلفه أن يكملهما ، وابتداؤهما أحسن .

الخامس في الكتاب : إذا لم يدر أسجد اثنتين أم لا ؟ سجد أخرى ، ولا يسجد لسهوه ; لأنه إذا لم يكمل سجوده تداخل السهو على القاعدة ، قال صاحب الطراز : فلو سجد قبل السلام وسها فتكلم قبل أن يسلم ، قال ابن حبيب : يسجد لسهوه بعد السلام ، وعلى قول ابن الماجشون يسجد ثم يسهو ألا يسجد فلا يسجد هاهنا ، فلو ذكر أنه نقص من صلاته فسجد واحدة ثم تذكر ; فلا يسجد الأخرى ، ويسجد بعد السلام ، وكذلك لو سجدهما ; فلو شك : هل سجدهما لفرضه أو لسهوه ; ففي الموازية عليه أربع سجدات .

السادس في الكتاب : إذا ذكر سجودا بعد السلام في نافلة أو مكتوبة لا يفسدها بخلاف ما قبل السلام ; لشدة تعلقه بالصلاة ، قال صاحب الطراز : وعلى القول بأنهما لا يبطلان الصلاة مع الطول لا يقطع ، وعلى الأول : يرجع إلى السهو من غير قطع ما هو فيه بسلام أو كلام عند ابن القاسم ، كما لو ذكر السجود خارج الصلاة يرجع لحينه من غير كلام ; فإن طالت القراءة في الحاضرة ; بطلت الأولى ، وكذلك إذا لم تطل القراءة وركع مراعاة للطول ، وهل يعتبر في [ ص: 326 ] الركوع الرفع بخلاف المعروف ; وإذا بطلت الأولى ، وهو في نافلة كملها أو في فريضة ، ففي الكتاب إن صلى ركعة شفعها عند مالك ; فإن ذكر سجود سهو نافلة في نافلة ، ففي الكتاب : إن كان سجود بعد السلام تمادى ، أو قبله والوقت قريب لم يقطع ، إلا أن يكون لم يركع فيرجع للسجود ثم لنافلته - إن شاء ، قال صاحب الطراز : لا يقضي الحاضرة لأنها فسدت بغير قصده ، ولو ذكره في مكتوبة ، قال مالك : يتمادى - ركع أو لم يركع ، خلافا لابن عبد الحكم ; لأن الفرض لا يترك للنفل ، وابن عبد الحكم يلاحظ وجوب النافلة بالشروع .

السابع : كان مالك يقول : يكبر للتين بعد السلام قياسا على سجود التلاوة ، ورجع للإحرام قياسا على الصلوات ، وتكفي تكبيرة واحدة للإحرام والدخول ، وفي الجواهر يكبر للابتداء والرفع ، ويتشهد للتين بعد السلام ، وفي اللتين قبله روايتان ، قال صاحب الطراز : من اشترط الإحرام اشترط السلام ; لأن الإحرام لا بد له منه ، ومن لا فلا ، والكل مروي في الأحاديث ، وهل يجهر به كالصلوات ، أو يسره كالجنازة ؟ روايتان . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث