الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

الباب الثالث : في أحكامه .

وهو من أحسن أبواب القرب لما تقدم من الأحاديث ، وينبغي أن يخفف شروطه ، وأن يضيق على متناوله بكثرتها ، فإنه وسيلة إلى أكل الحرام بمخالفتها وتسليمها من باب الإحسان ، فيكون أبلغ في الأجر ، ولا يضيق في ذلك ما يخيل من التهمة ، وقد تقدم الحديث في توسعة عمر - رضي الله عنه - في وقفه .

فرع

وحكمه لزوم من غير حكم الحاكم ، وقاله ( ش ) وأحمد ، وقال ( ح ) : غير صحيح ولا يلزم في حال الحياة وهو ملكه يورث عنه ، إلا أن يحكم حاكم بصحته ، أو يعلقه على موته فيقول إذا مات : فداري وقف على كذا لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : " نحن معاشر الأنبياء لا نورث ، ما تركناه صدقة " ، يروى " صدقة " بالنصب ، وتقديره : لا نورث ، كل شيء تركناه صدقة ، فيدل على أن ما تركه غيرهم صدقة يورث ، ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : " لا حبس بعد سورة النساء " ، يشير إلى آية المواريث ; ولأن عبد الله بن زيد وقف بستانا على الفقراء فشكاه أبواه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقالا : ما لنا غيره فرد غلته عليهما ، فلما ماتا ذكر ذلك عبد الله له فجعله له ولم يرده وقفا ، وقال شريح : جاء رسول الله بإطلاق الحبس ، [ ص: 323 ] ويروى : ببيع الحبس ، ومثل هذا لا يقال إلا عن توقيف ; ولأنه لو قال حوانيت البيع في ملكي لم يورث ، وكذلك الوقف إلى التصرف أعظم ، وبالقياس على الوقف على نفسه .

والجواب عن الأول : أنه روي بالرفع وتقديره : الذي تركناه صدقة ، وقد احتج الصديق به ، فلو صح ما ذكرتم لجاوبته فاطمة - رضي الله عنها - والصحابة ، فإن الذي ترك غير صدقة ينبغي أن يورث ، فلا يدل على عدم الميراث ، بل عليه بالمفهوم ، ولما حسن منه الاحتجاج وأنه عن أفصح الناس ، وعن الثاني أن المراد الحبس المسقط للمواريث ؛ وهو ما زاد على الثلث ، فإن الفرائض قدرت بعد الوصية بالثلث وبعد الديون ، وعن الثالث أنه كان لهما يتصرف فيه بالحبس من غير أمرهما ، وذلك باطل إجماعا ، ولولا أنه لهما لما ورثه عنهما ، وعن الرابع : أن مراده ما كانت الجاهلية تحبسه بغير إذن الله تعالى كالبحيرة والسائبة ، وعن الخامس : أنه إن أراد الوقف كان وقفا ومنعنا الحكم ، وإلا فهو إثبات حكم المنع بدون سبب ، وفي صور لا النزاع لسببه فظهر الفرق ، وعن السادس : أن الثلث ثابت له قبل الوقف ، وتحصيل الحاصل محال ، ومن يملك العين والمنفعة لا يتمكن من تمكين نفسه بسبب آخر ، كما يتعذر عليه أن يهب نفسه ، بخلاف الغير ; لأن تحديد الاختصاص لم يكن ، ولا ما يقوم مقامه ، لنا قوله - صلى الله عليه وسلم - لعمر - رضي الله عنه - في الحديث المتقدم : " حبس الأصل وسبل الثمرة " ، فدل على أن الأصل يكون محبوسا ممنوعا بالعقد من غير حكم حاكم وأنه يتعذر الرجوع فيه ; ولأنه كتب فيه : صدقة محرمة لا تباع ولا توهب ولا تورث ، وذلك لا يكون إلا بأمره ; لأنه المشير في القضية والمدبر والمدبر لها ، وثانيها إجماع الصحابة - رضوان الله عليهم - ، قال جابر بن عبد الله : لم يكن أحد من الصحابة - رضوان الله عليهم - له مقدرة إلا وقف وقفا ، وكتبوا في ذلك كتبا ومنعوا فيها من البيع والهبة وأوقافهم مشهورة بالحرمين بشروطها وأحوالها ، [ ص: 324 ] ينقلها ينقلها خلفهم عن سلفهم ، فهم بين واقف وموافق فكان إجماعا ، ولذلك رجع أصحاب ( ح ) عن مذهبه في هذه المسألة ، لما لم يمكنهم الطعن الطعن في هذا النقل ، وبه احتج مالك على أبي يوسف عند الرشيد ، فرجع أبو يوسف لمالك ، وبالقياس على المسجد والمقبرة ، فإنه وافق فيهما ، وقياسا لما يقع في الحياة على ما يوصى به بعد الموت لتسوية بين الحالين ، كالعتق .

فرع

قال اللخمي : الحبس على المعين خمسة أقسام : يرجع ملكا في وجهين ، واختلف في ثلاثة ، فقوله على هؤلاء النفر أو العشرة العشرة وضرب أجلا أو حياته لم ترجع ملكا اتفاقا في هذين ; لأنه إسكان بلفظ التحبيس ، واختلف إذا لم يسم أجلا ولا حياة ، بل قال حبسا صدقة لا تباع ولا تورث ، فعنه يكون على مراجع الأحباس نظرا للفظ الحبس ، وعنه يرجع ملكا لقرينة التعيين الدالة على العمرى ، وقال عبد الملك : إذا حبس على مخصوصين فهو عمرى ، وإن سماه صدقة نظرا لقرينة التعيين قال ابن وهب : إذا حبس على رجل وقال لا يباع ولا يوهب ، ثم بدا له فقال هو صدقة عليه يصنع ما شاء من بيع وغيره ويلغى قوله لا يباع ولا يوهب ; لأنه لا يجوز حمله على أنه لا يباع ولا يوهب حتى يستوفي هو المنفعة ، فلا يثبت الحبس بالشرك ، وقال محمد : إذا أوصى بثلث ماله لفلان وعقبه تجر فيه وله ربحه وعليه خسارته ويضمنه ، فإن ولد له دخل معه ، فإن انقرضوا والآخر امرأة أخذته بالميراث لحمله على الملك ، ولو ذكر العقب ; لأن الأصل الهبة والإذن دون الوقف ، فللأول هبة المنفعة وللآخر الرقبة ، وقال مالك فيمن حبس على ولده ولا ولد له : له أن يبيع لعدم الموقوف عليه ، وقال ابن القاسم : لا يبيع إلا أن ييئس من الولد ، ولو حبس على ولده ثم في سبيل الله تعالى فلم يولد له ؛ له أن يبيع ; لأن القصد به الولد ، وإنما ذكر السبيل مرجعه ، وقال عبد الملك حبس ، فإن قال على زيد وعقبه ، ثم على عمرو بتلا فمات الذي بتل ، أي : قبل ، ثم انقرض زيد وعقبه ، رجعت ميراثا بين ورثة عمرو [ ص: 325 ] يوم مات ، قال ابن يونس : إذا حبس على ولده ثم على السبيل ، قال محمد : لا يبيع حتى ييئس من الولد ، وقال عبد الملك : هو حبس يخرج من يده إلى يد ثقة ، فإن مات قبل أن يولد له رجع إلى أولى الناس به يوم حبس ، وإن أوصى بثلث ماله لعقبي فلان فلم يولد له ولد ، قال ابن القاسم : إن علم بعدم الولد انتظر وإلا بطلت الوصية ، وقال أشهب : إن مات الموصي قبل وجود ولد ، أو حمل بطلت .

فرع

قال ابن يونس : قال مالك إذا حبس على ولده وقال إن أحبوا ، أو أجمع ملاؤهم على البيع باعوا ، واقتسموا الثمن بالسوية هم وأبناؤهم ، فلو هلكوا إلا واحدا له البيع ، قال ابن القاسم : ولا حق لغيرهم من الورثة ; لأنه بتلها لبنيه خاصة ، وإذا قال في حبس إن أحبوا باعوا فللغرماء أن يبيعوا في ديونهم ; لأنه إنما نقلها لهم بهذه الصيغة .

فرع

قال : قال محمد : داري على عقبي فلان وهي للآخر ، أو على الآخر منهم فهي للآخر منهم مسلمة ، وقيل ذلك حبس ، فإن كان آخرهم امرأة لها البيع ، أو رجل يرجى له عقب أوقفت عليه ، فإن مات ولم يعقب يعقب ؛ ورثها ورثته ، وإن تصرفوا وجعلها للآخر فاجتمع الأبعد والأقرب على بيعها ، ليس لهم ذلك لاحتمال كون غيرهم الآخر إلا أن ينقرضوا كلهم ، فلو قال عبدي حبس عليكما هو للآخر ملك إلا أن يقول عليكما حياتكما ، وهو للآخر منكما فهو حبس على الآخر حياته ، ولو قال : أمتي صدقة حبس على أمه وأخته لا تباع ولا تورث ، وأيهما مات فهي للآخر منهما ، فإن عينها للآخرة منهما تصنع ما شاءت من البيع وغيره ، ويبطل حبسها ولم يرها مثل الدور ، ولاحظ معنى الثمن كالعلف في الحيوان دون الرباع ; لأنه ينقل الرقيق إلى ما هو أفضل له وينقله [ ص: 326 ] إلى ما يمكن معه العتق ، وأما الرباع فلا يجوز أن يبتل بعد التحبيس ; لأنه مخالفة للوقف من غير مصلحة إلا أن يشترط أن مرجعها إليه ، قال أصبغ : إذا حبس داره على رجل ، وقال : لا تباع ولا توهب ثم بدا له أن يبتلها له ، وقال : هي عليك صدقة ، فله أن يصنع ما شاء ، قال أو لا ، حبس عليك حياتك أم لا ، وقيل بل يتخرج على قول مالك في الحبس على معين ، هل يرجع ملكا أم لا ؟ فعلى أنه يرجع حبسا يمتنع أن يملكها له لتعلق حق غيره بها .

فرع

في الجواهر : لو شرط في الوقف الخيار في الرجوع بطل شرطه ولزم الوقف ; لأن الأصل في العقود اللزوم .

فرع

قال : لا يشترط التنجيز ، بل يجوز إن جاء رأس الشهر وقفت ، يصح إن بقيت العين لذلك الوقت ، ومنع ( ش ) وأحمد التعليق على الشرط قياسا على البيع بجامع نقل الملك ، لنا القياس على العتق ، وهو أولى من قياسهما ; لأنه معروف بغير عوض ، فهو أشبه بالعتق وأخص وأخص به من البيع .

فرع

قال : لا يشترط إعلام المصرف ، بل لو قال وقفت ولم يعين مصرفا صح وصرف للفقراء ؛ قاله مالك وأحمد قياسا على الأضحية والوصية ، وقال القاضي أبو محمد : يصرف في وجوه الخير والبر .

فرع

قال : ويجب اتباع شروط الوقف ، وقاله ( ش ) وأحمد ، فلو شرط مدرسة ، أو أصحاب مذهب معين ، أو قوما مخصوصين لزم ; لأنه ماله ولم يأذن في صرفه إلا [ ص: 327 ] على وجه مخصوص . والأصل في الأموال العصمة ، ولو شرط أن لا يؤاجر مطلقا ، أو إلا سنة بسنة ، أو يوما بيوم صح واتبع الشرط .

فرع

قال : لو قال على زيد وعمرو ثم على المساكين بعدهما بعدهما فمات أحدهما ، فإن كان ينقسم كغلة دار ، أو غلة عبد ، أو ثمرة ، فحصته بعد موته للمساكين ، أو لا ينقسم كعبد يخدم ودابة تركب فهل هو كالذي ينقسم لتناهي الاستحقاق في حق الميت ؟ ، أو ترجع حصته للحي منهما ; لأن قرينة تعذر القسمة تقتضي أن قوله بعدهما - أي : بعد الجميع لا بعد كل واحد منهما - روايتان ؛ فإذا انقرضا صار للمساكين الجميع .

فرع

قال ابن يونس : إذا حبس البقر ليقسم لبنها فما ولدت من من الإناث حبس معها ، أو من الذكور حبست لنزوها ; لأنها نشأت عن عين موقوفة فتتبع أصلها كتبع ولد المكاتب والمدبر لأصوله ، ويباع الفضل من الذكور لتعذر النفع به كالفرس الوقف إذا هرم فيشترى به إناث ، وكذلك ما كبر وانقطع لبنه .

فرع

في الجواهر : تأثير الوقف بطلان اختصاص الملك بالمنفعة ونقلها للموقوف عليه وثبات أهلية التصرف في الرقبة وبالإتلاف والنقل للغير والرقبة على ملك الواقف ، وقال ( ش ) وأحمد يبطل ملك الواقف ، ثم اختلفا فقال ( ش ) في مشهوره : ينقله ينقله لله تعالى ; لأنه قربة كالعتق ، وقال أحمد ينقله ينقله للموقوف كالهبة .

قاعدة : التصرفات تنقسم إلى النقل والإسقاط ؛ فالأول كالبيع والهبة والوصية ، فإن الملك انتقل للثاني ، والإسقاط كالطلاق والعتق ، فإن العصمة [ ص: 328 ] وهي التمكين من الوطء والملك في الرقيق لم ينتقل للمطلق والمعتق ، قال بعض العلماء : ومنه أوراق الرسائل ، قال : ظاهر حال المرسل أنه أعرض عن ملكه في الورقة كما يعرض عن العهدة من البر أو الزبيب إذا وقعت منه ولم يخطر له أن يملكها المرسل إليه ، بل مقصده من المرسل إليه أن يقف على ما تساقط إذا تقررت القاعدة ، فحكى الاجتماع في المساجد أن وقفها إسقاط كالعتق ، فإن الجماعات لا تقام في المملوكات ، واختلف العلماء في غيرها كما تقدم .

قاعدة : إذا ثبت الملك في عين فالأصل استصحابه بحسب الإمكان ، وإذا اقتضى سبب نقل ملك أو إسقاطه وأمكن قصر قصر ذلك على أدنى الرتب لا نرقيه إلى أعلاها ، ولهذه القاعدة قلنا أن الاضطرار يوجب نقل الملك من المتيسر إلى المضطر إليه ، ولكن يمكن قصر ذلك على المرتبة الدنيا بأن يكون بالثمن ، ولا حاجة إلى المرتبة العليا ؛ وهي النقل بغير ثمن ، كذلك ها هنا الوقف يقتضي الإسقاط ، فاقتصر بأنه على المرتبة الدنيا وهي المنافع دون الرقبة توفية بالسبب والقاعدة معا ، ويتخرج على هذه القاعدة وجوب الزكاة في النخل الموقوفة ، وقد تقدم في الزكاة .

فرع

قال : إذا حبس الفرس أو التيس للضراب فانقطع ذلك منه وكبر ، قال ابن القاسم : في الكتاب يباع صونا لماليته عن الضياع ، وقال عبد الملك : لا يباع إلا أن يشترط ذلك في الحبس ; لأن بيع الحبس حرام .

[ ص: 329 ] فرع

قال : الولاية فيه لمن شرطه الحاكم ، فإن لم يول ولاه الحاكم ضبطا لمصلحة الوقف ولا يتولاه هو بنفسه ; لأنه مناف للحوز ، قال ( ش ) و ( ح ) : يجوز أن يشترطه لنفسه ; لأنه ماله يخرجه من يده كيف يشاء ، فإن لم يشترط فالحاكم ، وقال أحمد : له أن يشترطه لنفسه ; لأن الحوز عندهما ليس شرطا ، فإن لم يشترطه قال أحمد للموقوف عليه ؛ كان عدلا أم لا ; لأنه ملكه إذا كان معينا وإلا فالحاكم ، والعدالة شرط في المباشر حينئذ . لنا أن الحوز شرط كما تقدم والنظر لنفسه ، وإن شرط ذلك لنفسه في الحبس فكذلك ؛ قاله ابن القاسم وأشهب ، فإن جعله بيد غيره يجوز له ويجمع غلته ويدفعها للواقف يفرقها ؛ أجازه ابن عبد الحكم ومنعه ابن القاسم لبقاء تصرفه ، ثم يشترط في المتولي الأمانة والكفاية ، وتتولى العمارة والإجارة ، وتحصيل الربع الريع وصرفه بعد إصلاح ما يحتاج إلى الإصلاح ، والبداية بالإصلاح من الريع حفظا لأصل الوقف ، بل لو شرط خلاف ذلك بطل ; لأنه خلاف سنة الوقف ، ولو شرط أن إصلاح الدار على الموقوف عليه امتنع ابتداء ; لأنها إجارة بأجرة مجهولة ، فإن وقع مضى الوقف وبطل الشرط ، وأصلح من الغلة جمعا بين المصالح ، وقال محمد : يرد الوقف ما لم يقبض لفساده .

فرع

قال : إن علم بشرط الواقف في الصرف اتبع في المساواة والتفضيل ، وإلا صرف بالسوية ; لأنها الأصل ، وإن جهل أربابه فهو كوقف لم يعين مصرفه ، وقال ( ش ) وأحمد : يستوي الذكر والأنثى والغني والفقير .

[ ص: 330 ] فرع

قال : إذا آجره الولي لغبطة ، ثم ظهر طالب بزيادة لم يفسخ ; لأن عقد الإجارة وقع صحيحا لازما .

فرع

قال : يمنع نقض بنيان الحبس لتبنى فيها الحوانيت للغلة ; لأنه ذريعة لتغيره ، ومن هدم حبسا من أهله أو من غيرهم رد البنيان ، كما كان ولا تؤخذ منه القيمة ، وقال ( ش ) : عليه القيمة ; لأن البنيان ليس من ذوات الأمثال ، قال بعض الشيوخ : ثلاث صور مستثناة من ذوات القيم : البنيان والثوب يخرق خرقا يسيرا يجب رفده ، والرجل يشتري الشاة وآخر جلدها فيؤثر صاحب الشاة الإحياء فعليه مثل الجلد ؛ حكى هذا صاحب البيان ، ثم قال : وليس كذلك ، بل لأن عود البنيان على مثل ما كان في عتقه وهيئته متعذر ، والقيمة قد لا تحصل مثل ذلك البناء ، والقيمة إنما جعلت بدل الشيء إذا كانت تحصيل مثله ، وها هنا لا تحصل ، قال في الجواهر : وأما الحيوان يقتل فقيمته يشترى بها مثله ويجعل مكانه ، فإن تعذر يشقص من مثله ، وقيل إذا تعذر قسم كالغلة ، وإذا انكسر من الجذع امتنع بيعه واستعمل في الوقف ، وكذلك البعض ، وقيل يباع ولا يناقل بالوقف ، وإن خرب ما حواليه وبعدت وبعدت العمارة عنه ، وقال ( ش ) وأحمد : تباع الدار ويصرف ثمنها إلى وقف آخر ، وكذلك المسجد ، وقال محمد : إذا خرب ما حوله عاد إلى ملك الواقف ; لأن الوقف لغير مصلحة عبث ، لنا القياس على العتق ، وعارضوه بالقياس على الكفن إذا أكل الميت السبع ، والفرق أن ها هنا يرجى عود المنفعة لمن يشرع بعمارته ويعود الناس حوله ، والميت إذا أكل لا يعود إلا في الآخرة ، وهو الفرق بينه وبين الحيوان يباع عند الهرم .

[ ص: 331 ] فرع

قال : يجوز بيع الدور المحبسة حول المسجد يحتاج لتوسيعه بها ، وكذلك الطريق ; لأن السلف عملوا ذلك في مسجده ; ولأن منفعتهما أهم من نفع الدور ؛ قاله مالك ، وقال عبد الملك : ذلك في مثل الجوامع والأمصار ومساجد القبائل .

نظائر : قال العبدي : يجبر الإنسان على بيع ماله في سبع مسائل : مجاور المسجد إذا ضاق يجبر من جاوره على البيع ، والماء للخائف من العطش ، فإن تعذر الثمن أجبر بغير ثمن ، ومن انهارت بئر جاره وعليها زرع بغير ثمن ، وقيل بالثمن ، والمحتكر يجبر على بيع طعامه ، وجار الطريق إذا أفسدها السيل يؤخذ مكانها بالقيمة من جار الساقية ، وصاحب القران في قرن الجبل إذا احتاج الناس إليه ليخلصهم ، وصاحب الفرس ، أو الجارية الجارية يطلبها السلطان ، فإن لم يدفعها له ، جبر الناس الناس ، فإنه يجبر هو دفعا لأعظم الضررين .

فرع

في الجواهر : قال عبد الملك : يجوز للناظر الكراء للسنة والشهر وما يرى من النظر مما يجوز مثله للوكيل ، وأما ما يطول فلا ; لأنه إنما يلي مدة حياته ، ويمتنع الكراء بالنقد ; لأنه قد يضيع لذلك ; ولأنه لا يقسم الكراء حتى يكمل يكمل السكنى ، وقد يموت من أخذ قبل الاستحقاق ، ويحرم من جاء قبل الوجوب ممن يولد قبل القسم وله كراء مثل الخمس سنين ، وقد اكترى مالك منزله عشر سنين وهو صدقة ، وأنكر المغيرة وغيره عشر سنين .

فرع

قال : من أراد الزيادة في وقف غيره ، أو ينقص منه منعه الواقف أو ورثته ، أو الإمام إن لم يمنع الواقف ولا الوارث ; لأنه حق لله وللواقف ، فإذا ترك حقه قام [ ص: 332 ] الإمام بحق الله تعالى ، ولو خرب فأراد غير الواقف إعادته للواقف منعه ولوارثه ; لأنه تصرف تصرف في ملكهم .

فرع

قال ابن يونس : إذا وقف الحيوان وأمضيناه على شرطه ، له تغيير الوقف إلى ما هو أفضل للعبد ، ولو نقل الحيوان إلى ما ليس أفضل امتنع ; لأنا جوزنا النقل مع كونه على خلاف وضع الوقف لأجل ضعف الوقف فيه والمصلحة للأرجح .

فرع

قال : قال مالك : لو حبس عبدين على أمه حياتها ، فلما حضرته الوفاة أعتق أحدهما امتنع ، إلا أن تجيزه أمه ; لأن النقل إلى الأفضل جائز ، ولم يبق إلا حقها فيسقط بالرضى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث