الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قول النبي لعائشة وحفصة وقد صامتا متطوعتين ثم أفطرتا

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

682 [ ص: 195 ] ( 18 ) باب قضاء التطوع

642 - عن مالك ، عن ابن شهاب ; أن عائشة وحفصة زوجي النبي - صلى الله عليه وسلم - أصبحتا صائمتين متطوعتين ، فأهدي لهما طعام ، فأفطرتا عليه . فدخل عليهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت عائشة ، فقالت حفصة - وبدرتني بالكلام وكانت بنت أبيها - : يا رسول الله ، إني أصبحت أنا وعائشة صائمتين متطوعتين ، فأهدي إلينا طعام فأفطرنا عليه . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " اقضيا مكانه يوما آخر " .

[ ص: 196 ]

التالي السابق


[ ص: 196 ] 14529 - هكذا هذا الحديث عند جماعة رواة " الموطأ " فيما علمت .

14530 - وقد روي عن عبد العزيز بن يحيى ، ومطرف ، وروح بن عبادة ، والقدامي ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة مسندا ; إلا أنه لم يروه عنه إلا من ليس بذاك من أصحابه .

14531 - وممن رواه كذلك عن ابن شهاب : جعفر بن برقان ، وسفيان بن حسين ، وصالح بن أبي الأخضر ، وإسماعيل بن إبراهيم بن أبي حبيبة ، وصالح بن كيسان ، ويحيى بن سعيد الأنصاري .

14532 - إلا أن مدار حديث صالح بن كيسان ، ويحيى بن سعيد الأنصاري على يحيى بن أيوب ، وليس بذاك القوي .

[ ص: 197 ] 14533 - وإسماعيل بن إبراهيم متروك الحديث .

14534 - وجعفر بن برقان في الزهري ليس بشيء .

[ ص: 198 ] [ ص: 199 ] 14535 - وسفيان بن حسين ، وصالح بن أبي الأخضر في حديثهما عن الزهري خطأ كبير .

[ ص: 200 ] 14536 - وحفاظ ابن شهاب يروونه مرسلا عن ابن شهاب ، أن عائشة ، وحفصة ، منهم : مالك ، ومعمر ، وعبيد الله بن عمر ، وابن عيينة .

14537 - هكذا روى حديث عبيد الله بن عمر عنه يحيى القطان ، وهو [ ص: 201 ] الصحيح عن عبيد الله .

14538 - أخبرنا محمد بن إبراهيم ، قال : حدثنا محمد بن معاوية ، قال : حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا محمد بن منصور ، قال : حدثنا سفيان ، قال : سمعناه من صالح بن أبي الأخضر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : أصبحت أنا وحفصة صائمتين ، فأهدي لنا طعام مخروص عليه . . الحديث .

14539 - قال : سفيان : فسألوا الزهري وأنا شاهد : أهو عن عروة ؟ قال : لا .

14540 - قال أبو عمر : أظن السائل الذي أشار إليه ابن عيينة بالذكر هو ابن جريج .

14541 - ذكر عن سفيان ، قال : حدثنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا ابن جريج ، قال : قلت لابن شهاب : أحدثك عروة عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " من أفطر في التطوع فليصمه " ؟ . قال : لم أسمع من عروة في ذلك شيئا ، ولكن حدثني في خلافة سليمان إنسان ، عن بعض من كان يسأل عائشة أنها قالت : أصبحت أنا وحفصة صائمتين . . وذكر الحديث .

14542 - قال الشافعي : أخبرنا مسلم بن خالد ، عن ابن جريج ، قال : قلت لابن شهاب : أسمعته من عروة بن الزبير ؟ قال : لا ، إنما أخبرنيه رجل بباب عبد الملك بن مروان ، أو رجل من جلساء عبد الملك بن مروان .

14543 - أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن ، قال : حدثنا محمد بن [ ص: 202 ] عثمان بن ثابت ، قال : حدثنا أحمد بن إسماعيل بن إسحاق ، قال : حدثنا علي بن المديني ، قال : حدثنا سفيان ، قال : جاءنا صالح بن الأخضر قبل أن يجيء الزهري لنا ، فقام فروى لنا عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة : " أنها أصبحت هي وحفصة صائمتين متطوعتين ، فأهدي لهما طعام - وكان الطعام مخروصا عليه " فلما جاء الزهري حدثنا بهذا الحديث فلم يذكر فيه عروة ولا قال فيه : " وكان الطعام مخروصا عليه " فوقفوا الزهري وأنا حاضر : هل سمعته من عروة ؟ فقال : لم أسمعه من عروة .

14544 - وقد ذكرنا في " التمهيد " ما روي مسندا في معنى هذا الحديث . وعلل تلك الأحاديث كلها .

14545 - قال أبو عمر : أجمع العلماء على أنه لا شيء على من دخل في صيام أو صدقة تطوع فقطعه عليه عذر من حدث أو غيره لم يكن له فيه سبب .

14546 - واختلفوا فيمن قطع صلاته أو صيامه عامدا .

14547 - فقال مالك وأصحابه : من أصبح صائما متطوعا ، ثم أفطر عامدا فعليه القضاء .

14548 - وكذلك ، قال أبو حنيفة ، وأبو ثور .

14549 - وحجتهم ما ذكرنا من حديث أبي شهاب المذكور ، وما كان معناه [ ص: 203 ] فيما ذكرنا في " التمهيد " .

14550 - وقال الشافعي وأصحابه ، وأحمد ، وإسحاق : أستحب له أن لا يفطر ، فإن أفطر فلا قضاء عليه .

14551 - وقال الثوري : أحب إلي أن يقضي .

14552 - واختلف أصحاب أبي حنيفة : فمنهم من قال بقول صاحبهم ، ومنهم من قال بقول الشافعي .

14553 - والفقهاء كلهم من أهل الرأي والأثر يقولون : إن المتطوع إذا أفطر ناسيا أو عليه شيء فلا قضاء عليه .

14554 - وقال ابن علية : المتطوع عليه القضاء ، أفطر متعمدا أو ناسيا قياسا على الحج .

14555 - وقال الأثرم : سألت أبا عبد الله بن حنبل عن رجل أصبح صائما متطوعا ثم بدا له فأفطر : أيقضيه ؟ . قال : إن قضاه فحسن ، وأرجو أن لا يجب عليه شيء .

14556 - قيل له : فالرجل يدخل في صلاة متطوعا أله أن يقطعها ؟ فقال : الصلاة أشد ، لا يقطعها . قيل له : فإن قطعها أيقضيها ؟ قال : فإن قضاها خرج من الاختلاف .

[ ص: 204 ] 14557 - قال أبو عمر : من حجة من قال : إن المتطوع إذا أفطر لا شيء عليه من قضاء ولا غيره ما أخبرناه عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا محمد بن بكر ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، قال : حدثنا جرير بن عبد الحميد ، عن زيد بن أبي زياد ، عن عبد الله بن الحارث ، عن أم هانئ قالت : لما كان يوم فتح مكة جاءت فاطمة ، فجلست عن يسار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأم هانئ عن يمينه ، قالت : فجاءت الوليدة بإناء فيه شراب فناولته ; فشرب منه ، ثم ناوله أم هانئ ، فشربت منه . قالت : يا رسول الله : لقد أفطرت وكنت صائمة ؟ فقال لها : " أكنت تقضين شيئا ؟ " قالت : لا . قال : " فلا يضرك إن كان تطوعا " .

14558 - وأخبرنا محمد بن إبراهيم ، قال : حدثنا محمد بن معاوية ، قال : حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا الربيع بن سليمان ، قال : حدثنا محمد بن حسان ، قال : حدثنا حماد ، عن سماك بن حرب ، عن هارون ابن أم هانئ ، عن أم هانئ ، قالت : دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا صائمة ، فأتي بإناء من لبن ، فشرب ثم ناولني ; فشربت ; فقلت يا رسول الله : إني كنت صائمة ، ولكني كرهت أن أرد سؤرك ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن كان من قضاء رمضان فاقضي يوما مكانه ، وإن [ ص: 205 ] كان من غير قضاء رمضان فإن شئت فاقضي ، وإن شئت لا تقضي " .

14559 - قال أبو عمر : اختلف في هذا الحديث عن سماك وغيره ، وهذا الإسناد أصح إسناد لهذا الحديث من طرق سماك ، ولا يقوم على غيره ، رواه شعبة عن سماك . قال : شعبة : وكان سماك يقول : حدثني ابنا أم هانئ فرويته عن أفضلهما .

14560 - واحتج الشافعي أيضا بجواز الفطر في التطوع ، بأن قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن طلحة بن يحيى ، عن عمته عائشة بنت طلحة ، عن عائشة ، قالت : دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت : إنا خبأنا لك حيسا ، فقال : " أما إني كنت أريد الصوم ، ولكن قدميه " .

14561 - قال : وأخبرنا سفيان ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر ، قال : خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - من المدينة حتى إذا كان بكراع الغميم وهو صائم رفع إناء ، فوضعه على يده وهو على الرحل ، فشرب والناس ينظرون .

14562 - فقال : هذا لما كان له أن يدخل في الصوم في السفر وألا يدخل ، [ ص: 206 ] وكان مخيرا في ذلك إذا دخل فيه أن يخرج منه ، والتطوع بهذا أولى .

14563 - قال : وأخبرنا مسلم بن خالد ، وعبد الحميد ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، أن ابن عباس كان لا يرى بالإفطار في صيام التطوع بأسا .

14564 - قال : ويضرب لذلك أمثالا : رجل طاف سبعا ولم يوفه فقد ما احتسب ، أو صلى ركعة فلم يصل أخرى فقد ما احتسب .

14565 - قال : وأخبرنا مسلم ، وعبد المجيد ، عن ابن جريج ، عن الزبير ، عن جابر ، أنه كان لا يرى بالإفطار في صيام التطوع بأسا .

14566 - قال : وأخبرنا عبد المجيد ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن أبي الورد مثله .

14567 - قال أبو عمر : ذكر هذه الآثار كلها : عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن عمرو بن دينار ، عن أبي الزبير سواء .

14568 - وذكر معمر ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، أن ابن عباس قال : الصوم كالصدقة : أردت أن تصوم فبدا لك ، وأردت أن تصدق فبدا لك .

[ ص: 207 ] 14569 - قال عبد الرزاق : وأخبرني إسرائيل ، عن سماك بن حرب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : " من أصبح صائما متطوعا إن شاء صام ، وإن شاء أفطر ، وليس عليه قضاء .

14570 - وهو قول سلمان ، وأبي الدرداء ، ومجاهد ، وطاوس ، وعطاء .

14571 - واختلف فيه عن سعيد بن جبير .

14572 - واحتج الشافعي على من أدخل عليه الحجة بالإجماع في حج العمرة والتطوع أنه ليس لأحد الخروج منهما بعد الدخول فيهما ، وأن من خرج منهما قضاهما ، وأن الصيام قياس عليه ، بأن قال : الفرق بين ذلك ، أن من أفسد صلاته ، أو صيامه ، أو طوافه كان عاصيا لو تمادى في ذلك فاسدا ، وهو في الحج مأمور بالتمادي فيه فاسدا ، ولا يجوز له الخروج منه حتى يتمه على فساده ثم يقضيه ، وليس كذلك الصوم والصلاة .

14573 - قال أبو عمر : من حجة مالك ومن قال : بقوله في إيجاب القضاء على المتطوع إذا أفسد صومه عامدا مع حديث ابن شهاب المذكور في هذا الباب [ ص: 208 ] حديث عائشة وحفصة ، وقول الله - عز وجل - : ومن يعظم حرمات الله فهو خير له [ الحج : 30 ] وليس من أفطر متعمدا بعد دخوله في الصوم بمعظم لحرم الصوم ، وقد أبطل عمله فيه ، وقد قال الله - عز وجل - : ثم أتموا الصيام إلى الليل [ البقرة : 187 ] ، وهو يقتضي عموم الفرض والنافلة كما قال الله - عز وجل - وأتموا الحج والعمرة [ البقرة : 197 ] ، وقد أجمعوا أن المفسد لحجة التطوع أو عمرته أن عليه القضاء ، فالقياس على هذا الإجماع إيجاب القضاء على مفسد صومه عامدا .

14574 - وأما من احتج في هذه المسألة بقوله : ولا تبطلوا أعمالكم [ محمد : 30 ] فجاهل بأقوال أهل العلم فيها ، وذلك أن العلماء فيها على قولين :

14575 - فقول أكثر أهل السنة لا تبطلوها بالرياء ، أخلصوها لله .

14576 - وقال آخرون : ولا تبطلوا أعمالكم [ محمد : 30 ] بارتكاب الكبائر . وممن روى عنه ذلك أبو العالية .

14577 - وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : " إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب ، فإن كان مفطرا فليأكل " .

[ ص: 209 ] 14578 - وروي : " فإن شاء أكل ، وإن كان صائما فلا يأكل " .

14579 - فلو كان الفطر في التطوع حسنا لكان أفضل ذلك وأحسنه في إجابة الدعوة التي هي سنة مسنونة ، فلما لم يكن ذلك كذلك علم أن الفطر في التطوع لا يجوز .

14580 - وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " لا تصوم امرأة وزوجها شاهد - من غير شهر رمضان - إلا بإذنه " .

14581 - وفي هذا أن المتطوع لا يفطر ولا يفطره غيره ؛ لأنه لو كان للرجل أن يفسد عليها ما احتاجت إلى إذنه ولو كان مباحا كان إذنه لا معنى له .

14582 - وقد روي عن النبي - عليه السلام - ، أنه قدم إليه سمن وتمر وهو [ ص: 210 ] صائم فقال : " ردوا تمركم في وعائه ، وسمنكم في سقائه ; فإني صائم " ، ولم يفطر ، بل أتم صيامه إلى الليل على ظاهر قول الله : ثم أتموا الصيام إلى الليل [ البقرة : 187 ] ولم يخص فرضا من نافلة .

14583 - وقد روي عن ابن عمر أنه قال في المفطر متعمدا في صوم التطوع : " ذاك اللاعب بدينه " أو قال : " بصومه " .

14584 - وقال سعيد بن جبير : لأن تختلف الأسنة في جوفي أحب إلي أن أفطر .

14585 - أخبرنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا محمد بن الجهم ، قال : حدثنا روح بن عبادة ، قال : حدثنا قزعة بن سويد ، قال : حدثنا معروف بن أبي معروف أن عطاء صنع لهم طعاما بذي طوى ، فقربه إليهم وعطاء صائم ، ومجاهد صائم ، وسعيد بن جبير صائم ، فأفطر عطاء ومجاهد ، وقال سعيد : لأن تختلف الشفار في جوفي أحب إلي من أن أفطر .

14586 - وهو قول ابن عمر ، وإبراهيم النخعي ، والحسن البصري ، ومكحول .

[ ص: 211 ] 14587 - إليه ذهب أبو ثور .

14588 - وهو قول مالك وأصحابه .

14589 - وقد احتج مالك في موطئه لهذه المسألة ، وما كان مثلها من صلاة التطوع بما قد أوردنا معناه فيما مضى لهذا الباب .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث