الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

210 [ ص: 308 ] ( 15 ) باب ما يفعل من سلم من ركعتين ساهيا

181 - 182 - ذكر فيه مالك حديث أبي هريرة في قصة ذي [ ص: 309 ] اليدين مسندا من طريقين : عن أيوب ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة ، [ ص: 310 ] وعن داود بن الحصين ، عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد ، عن أبي هريرة ، وفيهما جميعا قوله - عليه السلام - : " أصدق ذو اليدين ؟ " .

183 - 184 - وذكر الحديث عن ابن شهاب بإسنادين مرسلين ، [ ص: 311 ] وقال فيه : فقال ذو الشمالين مرتين ، وفيه فقال : " أصدق ذو اليدين ؟ " أيضا .

التالي السابق


5216 - وليس يأتي ذكر ذي الشمالين في هذا الحديث إلا عن ابن شهاب ، ولم يتابع عليه . والله أعلم .

5217 - وسائر الآثار إنما فيها ذو اليدين ليس فيها ذو الشمالين .

5218 - قال ابن وضاح : قد قيل : إن ذا اليدين استشهد يوم بدر ، وإسلام أبي هريرة كان يوم خيبر .

5219 - قال أبو عمر : هو كما قال ابن وضاح إلا أن الذي استشهد يوم بدر ذو الشمالين ، لا ذو اليدين .

5220 - ونحن نبين ما في ذلك من معاني العلم هنا - إن شاء الله - : 5221 - أجمع المسلمون أن الكلام في الصلاة عمدا إذا كان المصلي يعلم أنه [ ص: 312 ] في صلاة ، ولم يكن ذلك في إصلاح صلاته - تفسد صلاته ، إلا الأوزاعي ; فإنه قال : من تكلم في صلاته لإحياء نفس ، أو مثل ذلك من الأمور الجسام - لم تفسد بذلك صلاته ، ومضى عليها .

5222 - وذكر الوليد بن مزيد وغيره عنه قال : لو نظر المصلي إلى غلام يريد أن يسقط في بئر أو مكان ، فصاح به - لم يكن عليه بأس أن يتم صلاته .

5223 - قال : وكذلك لو رأى ذئبا يثب على غنمه ، فصاح به - أتم ما بقي من صلاته .

5224 - قال أبو عمر : لم يتابعه أحد على قوله هذا ، وهو قول ضعيف ترده السنن والأصول ، قال الله - تعالى - : " وقوموا لله قانتين " [ سورة البقرة : 238 ] .

5225 - قال زيد بن أرقم : كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت " وقوموا لله قانتين " ، فأمرنا بالسكوت ، ونهينا عن الكلام .

[ ص: 313 ] [ ص: 314 ] 5226 - وقال ابن مسعود : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إن الله يحدث من أمره ما شاء ، وإن مما أحدث ألا تكلموا في الصلاة " .

[ ص: 315 ] 5227 - وقال معاوية بن الحكم السلمي : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام إنما هو التسبيح والتهليل والتحميد وقراءة القرآن " .

[ ص: 316 ] 5228 - وقد ذكرنا أسانيد هذه الأحاديث في التمهيد .

5229 - وأجمعوا على أن تحريم الكلام في الصلاة جملة إلا ما نذكره بعد عنهم - إن شاء الله - .

5230 - وليس قول الأوزاعي بشيء ; لأن إغاثة الملهوف وما أشبهه ليست تمنع من استئناف الصلاة ، ولا توجب البناء على ما مضى منها ; إذ ذلك الفعل مباين لها مفسد قاطع ; فإنه يطابق النهي .

5231 - وفي موافقة الأوزاعي للجماعة فيمن تكلم عامدا في صلاته بغير ما ذكر : أنها قد فسدت عليه ويلزمه استئنافها - ما يدل على فساد قوله ; لأن النهي عن كلام الناس فيها عام ، فما لم يخرج منه بالدليل الواضح فهو على أصل التحريم . وبالله التوفيق .

[ ص: 317 ] 5232 - وأما اختلاف فقهاء الأمصار في الذي يتكلم وقد سلم من صلاته قبل أن يتمها وهو يظن أنه قد أتمها - فإن مالكا وأصحابه اختلفوا في ذلك :

5233 - فروى سحنون عن ابن القاسم ، عن مالك ، قال : لو أن قوما صلى بهم رجل ركعتين ، وسلم ساهيا ; فسبحوا به ، فلم يفقه ، فقال له رجل من خلفه ممن هو معه في الصلاة : إنك لم تتم ، فأتم صلاتك ، فالتفت إلى القوم ، فقال : أحق ما يقول هذا ؟ فقالوا : نعم - قال : يصلي بهم الإمام ما بقي من صلاتهم ، ويصلون معه بقية صلاتهم : من تكلم منهم ، ومن لم يتكلم ، ولا شيء عليهم ، ويفعلون في ذلك ما فعل النبي - عليه السلام - يوم ذي اليدين .

5234 - هذا قول ابن القاسم في كتبه " الأسدية " ، وروايته عن مالك ، وهو [ ص: 318 ] المشهور من مذهب مالك عند أكثر أصحابه ، وبه قال إسماعيل بن إسحاق ، واحتج له في كتاب رده على محمد بن الحسن .

5235 - وكذلك روى عيسى عن ابن القاسم ، قال عيسى : سألت ابن القاسم عن إمام فعل اليوم كفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم ذي اليدين ، وتكلم أصحابه على نحو ما تكلم أصحاب النبي - عليه السلام - يوم ذي اليدين ، فقال ابن القاسم : يفعل كما فعل النبي - عليه السلام - يوم ذي اليدين ، ولا يخالفه في شيء من ذلك ; لأنها سنة سنها عليه السلام .

5236 - زاد العتبي في هذه عن عيسى ، عن ابن القاسم ، قال : وليرجع الإمام فيما شك فيه إليهم ، ويتم معهم ، وتجزيهم .

5237 - قال عيسى : قال ابن القاسم : لو أن إماما قام من أربع ، أو جلس في ثالثة ، فسبح به ، فلم يفقه ، فكلمه رجل ممن خلفه - كان محسنا ، وأجزته صلاته .

5238 - قال عيسى : وقال ابن كنانة : لا يجوز لأحد اليوم ما جاز لمن كان يومئذ مع النبي - عليه السلام - ; لأن ذا اليدين ظن أن الصلاة قد قصرت ، فاستفهم عن ذلك ، وقد علم الناس اليوم أن قصرها لا ينزل ; فعلى من تكلم الإعادة .

5239 - قال عيسى : فقرأته على ابن القاسم ، فقال : ما أرى في هذا حجة ، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كل ذلك لم يكن ، فقالوا له : بلى ; فقد كلموه عمدا [ ص: 319 ] بعد علمهم أنها لم تقصر .

5240 - قال عيسى : وقال لي ابن وهب : إنما ذلك كان في أول الإسلام ، ولا أرى لأحد أن يفعله اليوم .

5241 - قال أبو عمر : أما كلام القوم للنبي - عليه السلام - بعد أن سمعوه يقول : " لم تقصر الصلاة ، ولم أنس " - فمختلف فيه ، ولا حجة لمن نزع به ; لأن حماد بن زيد - هو أثبت الناس في أيوب - روى حديث ذي اليدين عن أيوب ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة ، قال فيه : فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أحق ما يقول ذو اليدين ؟ " ، فأومئوا إي نعم ، فبان بهذا أنهم لم يتكلموا بعد أن سمعوا النبي - عليه السلام - يقول " لم تقصر الصلاة ، ولم أنس " ، ولكنهم أومئوا إي نعم ، فعبر المحدث عن الإيماء بالقول .

5242 - والعرب قد تفعل ذلك فيما لا يصح منه القول ; فالإيماء بذلك أحرى ممن يصح قوله إذا منع من الكلام ، وتحريم الكلام في الصلاة مجتمع عليه ; فلا يباح برواية مختلف فيها .

5243 - وقال يحيى بن يحيى ، عن ابن نافع : لا أحب لأحد أن يفعل مثل ذلك اليوم ، فإن فعل لم آمره أن يستأنف .

5244 - وروى أبو قرة موسى بن طارق عن مالك مثل قول ابن [ ص: 320 ] نافع خلاف رواية ابن القاسم .

[ ص: 321 ] 5245 - قال أبو قرة : سمعت مالكا يستحب إذا تكلم الرجل في الصلاة أن يعود لها ولا يبني .

5246 - قال : وقال لنا مالك : إنما تكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتكلم أصحابه معه يومئذ ; لأنهم ظنوا أن الصلاة قد قصرت ، ولا يجوز ذلك لأحد اليوم .

5247 - وروى أشهب عن مالك أنه قيل له : أبلغك أن ربيعة بن عبد الرحمن صلى خلف إمام ، فأطال التشهد ، فخاف ربيعة أن يسلم - وكان على الإمام سجود السهو قبل السلام - ، فكلمه ربيعة ; فقال : إنهما قبل السلام ؟ فقال : ما بلغني ، ولو بلغني ما تكلمت به ، أنتكلم في الصلاة ؟ .

5248 - وقد ذكرنا في التمهيد وجوه الروايات عن مالك وأصحابه في هذا الباب .

[ ص: 322 ] 5249 - وروى ابن وضاح عن الحارث بن مسكين ، قال : أصحاب [ ص: 323 ] مالك كلهم على خلاف ما رواه ابن القاسم عن مالك في مسألة ذي اليدين ، ولم يقل بقوله إلا ابن القاسم وحده ، وغيره يأبونه ، ويقولون : إنما كان ذلك في أول الإسلام ، وأما الآن فقد عرف الناس الصلاة ، فمن تكلم فيها أعادها .

5250 - وأما الشافعي فقال في حديث ذي اليدين : لا يشك مسلم أن النبي - عليه السلام - لم ينصرف إلا وهو يرى أنه قد أكمل الصلاة ، وظن ذو اليدين أن الصلاة قد قصرت بحادث من الله ، ولم يقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ذي اليدين ; إذ سأل غيره ، ولما سأل غيره احتمل أن يكون سأل من لم يسمع كلام ذي اليدين ، فيكون في معنى ذي اليدين ، واحتمل أن يكون سأل من سمع كلامه ولم يسمع النبي - عليه السلام - رده عليه ، كان في معنى ذي اليدين من أنه لم يدر : أقصرت الصلاة أم نسي ، فأجابه ، ومعناه معنى ذي اليدين ، مع أن الفرض عليهم جوابه .

5251 - ألا ترى أن النبي - عليه السلام - لما أخبروه فقبل قوله - لم يتكلم ، ولم يتكلموا حتى بنوا على صلاتهم ؟ قال : فلما قبض رسول الله - عليه السلام - تناهت الفرائض ، فلا يزاد فيها ولا ينقص منها أبدا .

[ ص: 324 ] 5252 - قال : فهذا فرق ما بيننا وبينه إذا كان أحدنا إماما اليوم .

5253 - قال أبو عمر : أما قول الشافعي مع أن الفرض عليهم جوابه - فموجود في حديث أبي سعيد بن المعلى ، قال : كنت أصلي ، فناداني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم أجبه حتى قضيت صلاتي ، فأتيته ، فقال : " ما منعك أن تجيبني ؟ " قلت : كنت أصلي ، قال : ألم يقل الله : " استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم " ؟ 5254 - وهو حديث يرويه شعبة عن حبيب بن عبد الرحمن ، عن حفص ، عن عاصم ، عن أبي سعيد بن المعلى . وهو محفوظ من حديث العلاء عن أبيه ، عن أبي هريرة لأبي بن كعب .

5255 - وقد تقدم فيما مضى من هذا الكتاب . وفيه أن مجاوبة النبي - عليه السلام - واجبة على العموم في الصلاة وغيرها .

5256 - وفي ذلك دليل على أن ذا اليدين وأصحابه مخصوصون بذلك ، ما كان - عليه السلام - حيا فيهم . وقد يحتمل أن تكون إجابته في الصلاة إشارة ، كما كان - عليه السلام - يصنع في الصلاة وهو في مسجد قباء بالأنصار ; إذ دخلوا ، فسلموا عليه ، وهو يصلي فكان يشير .

[ ص: 325 ] 5257 - قال أبو عمر : الخلاف بين مالك والشافعي في هذه المسألة إنما هو أن مالكا يقول في رواية ابن القاسم عنه : لا يفسد الصلاة تعمد الكلام فيها إذا كان ذلك في صلاحها وشأنها .

5258 - وهو قول ربيعة وابن القاسم ، وإليه ذهب إسماعيل بن إسحاق .

5259 - وقال الشافعي وأصحابه وسائر أصحاب مالك : إن المصلي إذا تعمد الكلام وهو في الصلاة عالما أنه لم يتمها فقد أفسد صلاته ، فإن تكلم ساهيا ، أو تكلم وهو يظن أنه قد أكمل صلاته وأنه ليس في صلاة عند نفسه - فهذا يبني ، ولا يفسد عليه كلامه ذلك صلاته .

5260 - وقال أحمد بن حنبل فيما حكى عنه أبو بكر الأثرم : ما تكلم به الإنسان في صلاته لإصلاحها لا يفسد عليه صلاته ، وإن تكلم لغير ذلك فسدت عليه صلاته .

5261 - وقال في موضع آخر : سمعت أحمد بن حنبل يقول في قصة ذي [ ص: 326 ] اليدين : إنما تكلم ذو اليدين وهو يرى أن الصلاة قد قصرت ، وتكلم النبي - عليه السلام - وهو دافع لقول ذي اليدين ، وكلم القوم فأجابوه ; لأنه كان عليهم أن يجيبوه .

5261 م - قال أبو عمر : وهذا نحو ما قاله الشافعي في ذلك .

5262 - وذكر الخرقي أن مذهب أحمد بن حنبل الذي تحصل عليه - قوله فيمن تكلم عامدا أو ساهيا في صلاته : بطلت صلاته إلا الإمام خاصة ; فإنه إذا تكلم ليصلح صلاته لم تبطل صلاته .

5263 - وقد ذكرنا مذهب الأوزاعي فيما مضى ، وقال الأوزاعي أيضا : لو أن رجلا قال لإمام جهر بالقراءة في العصر : إنها العصر ، لم يكن عليه شيء .

[ ص: 327 ] 5264 - قال أبو عمر : لو كان هذا ما احتاج أحد إلى التسبيح في الصلاة ، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من نابه شيء في صلاته فليسبح " .

5265 - وقال عليه السلام : " إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ، إنما هو التسبيح ، وتلاوة القرآن " .

5266 - وكلام الأوزاعي في هذا الباب عند الفقهاء وهم وخطأ ليس بصواب .

5267 - وقد أجمع العلماء على أن السلام في الصلاة قبل تمامها عمدا يفسدها ; فالكلام بذلك أحرى . والله أعلم .

[ ص: 328 ] 5268 - وأما الكوفيون : أبو حنيفة وأصحابه والثوري - فذهبوا إلى أن الكلام في الصلاة على كل حال : سهوا كان أو عمدا ، لصلاح كان أو لغير ذلك - يفسد الصلاة .

5269 - واختلف أصحاب أبي حنيفة في السلام فيها ساهيا قبل تمامها :

5270 - فبعضهم أفسد صلاة المسلم فيها ساهيا ، وجعله كالمتكلم عامدا .

5271 - وبعضهم لم يفسدها بالسلام ساهيا .

5272 - وكلهم يفسدها بالكلام عامدا ، وهو قول إبراهيم النخعي ، وعطاء ، والحسن ، وحماد بن أبي سليمان ، وقتادة .

5273 - وزعم أصحاب أبي حنيفة أن حديث ذي اليدين منسوخ بحديث زيد بن أرقم وابن مسعود الذي ذكرنا .

5274 - قالوا : وفي حديث زيد بن أرقم ، وابن مسعود بيان أن الكلام كان مباحا في الصلاة ثم نسخ .

5275 - قالوا : فحديث أبي هريرة منسوخ في قصة ذي اليدين بما جاء في حديث ابن مسعود وزيد بن أرقم .

5276 - قالوا : وإن كان أبو هريرة متأخر الإسلام ، فإنه أرسل حديث ذي اليدين عن النبي - عليه السلام - كما كان يفعله هو وغيره من الصحابة بما سمعه بعضهم من بعض .

[ ص: 329 ] 5277 - لأنه جائز للصاحب إذا حدثه صاحب من الصحابة بما سمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يحدث به عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا لم يقل : سمعت .

5278 - واحتجوا بأن ابن عباس ومن كان مثله قد حدثوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما أخبروا عن أصحابه عنه ، وهو عند الجميع مسند صحيح .

5279 - ألا ترى إلى حديث أبي هريرة عن النبي - عليه السلام - فيمن أدركه الفجر وهو جنب : " إنه لا صوم له " ، فلما وقف عليه سئل : هل سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال : لا علم لي ، إنما أخبرنيه مخبر . ؟ .

5280 - وقال أنس : ما كل ما نحدثكم به عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سمعناه منه ، ولكن منه ما سمعنا ، ومنه ما أخبرنا أصحابنا .

5281 - وكل حديث الصحابة مقبول عند جماعة العلماء على كل حال .

5282 - قالوا : فغير نكير أن يحدث أبو هريرة بقصة ذي اليدين وإن لم يشهدها ، قالوا : ومما يدل على أن حديث أبي هريرة في ذلك منسوخ أن ذا اليدين قتل يوم بدر .

5283 - واحتجوا بما رواه ابن وهب عن العمري ، عن نافع ، عن ابن عمر أن إسلام أبي هريرة كان بعد موت ذي اليدين .

5284 - قالوا : وهذا الزهري مع علمه بالأثر والسير ، وهو الذي لا نظير له بالأثر في ذلك - يقول : إن قصة ذي اليدين كانت قبل بدر . حكاه معمر وغيره عن الزهري .

5285 - قال الزهري : ثم استحكمت الأمور بعد .

[ ص: 330 ] 5286 - قال أبو عمر : أما ما ادعاه العراقيون من أن حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين منسوخ بحديث ابن مسعود وزيد بن أرقم - فغير مسلم لهم ما ادعوا من نسخه ، ولكنه خص من تحريم الكلام معنى ما تضمنه ; لأن حديث أبي هريرة يوم ذي اليدين كان في المدينة ، وقد شهده أبو هريرة ، وإسلامه كان عام خيبر . هذا مما لا خلاف بين العلماء فيه .

5287 - فإن قيل : كيف يصح الاحتجاج بحديث ابن مسعود في تحريم الكلام في الصلاة بمكة ، وزيد بن أرقم رجل من الأنصار يقول : كنا نتكلم في الصلاة ، يكلم الرجل منا صاحبه في الحاجة حتى نزلت " وقوموا لله قانتين " [ البقرة : 238 ] ، فأمرنا بالسكوت ، ونهينا عن الكلام . ومعلوم أن سورة البقرة مدنية ؟ .

5288 - فالجواب أن ابن مسعود ممن هاجر من مكة إلى أرض الحبشة في جماعة من هاجر إليها من الصحابة ، وأنه من الجماعة المنصرفين من الحبشة إلى مكة حين بلغهم أن قريشا دخلوا في الإسلام ، وكان الخبر كاذبا ، فأقبلوا إلى مكة في حين كون بني هاشم وبني المطلب في الشعب ، ووجدوا قريشا أشد ما كانوا على النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ، ثم أمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيمن أمر من أصحابه بالهجرة إلى المدينة ، فهاجر إلى المدينة ، ثم شهد بدرا مع من شهدها منهم ، إلا أن حديثه من رواية عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يرد عليه السلام يومئذ بمكة وهو يصلي ، فقال له : " إن الله أحدث ألا تكلموا في الصلاة " - قد وهم في ألفاظه عاصم ، وكان سيئ الحفظ عندهم ، كثير الخطأ ، لا يحتج بحديثه فيما [ ص: 331 ] خولف فيه .

[ ص: 332 ] 5289 - وحديثه حدثناه سعيد بن نصر ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال ; حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا الحميدي ، حدثنا سفيان ، حدثنا عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : كنا نسلم على النبي - عليه السلام - في الصلاة قبل أن نأتي أرض الحبشة ، فيرد علينا ، فلما رجعنا سلمت عليه وهو يصلي ، فلم يرد علي ، فأخذني ما قرب وما بعد ، فجلست حتى قضى النبي - عليه السلام - صلاته ، فقال : يا رسول الله ، سلمت عليك وأنت تصلي فلم ترد علي ، فقال : " إن الله يحدث من أمره ما يشاء ، وإن مما أحدث ألا تكلموا في الصلاة " .

5290 - قال سفيان : هذا أجود ما وجدنا عند عاصم في هذا الوجه .

5291 - قال أبو عمر : قد روى هذا الحديث شعبة عن عاصم على خلاف معنى حديث ابن عيينة ، ولم يقل فيه : إن ذلك كان منه في حين انصرافه من أرض الحبشة ، بل ظاهره ومساقه يحتمل أن يكون كان ذلك منه بالمدينة ، فيكون في معنى حديث ابن أرقم .

[ ص: 333 ] 5292 - حدثنا سعيد ، حدثنا قاسم ، حدثنا إسماعيل بن إسحاق ، حدثنا عمرو بن مرزوق ، قال : أخبرنا شعبة عن عاصم ، عن أبي وائل ، عن عبد الله ، قال : أتيت النبي - عليه السلام - وهو يصلي ، فسلمت ، فلم يرد علي ، فلما قضى صلاته ، قال : " إن الله يحدث ما شاء ، وإن مما أحدث ألا تكلموا في الصلاة .

5293 - فلم يذكر شعبة أن كلامه ذلك كان منه بمكة ، وقد رواه الأعمش عن أبي وائل ، عن ابن مسعود ، فذكر انصرافه من أرض الحبشة إلى مكة ، ولم يذكر أن سلامه على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة كان بمكة .

5294 - وقد روي عن الأعمش بخلاف ذلك في الإسناد والمعنى .

5295 - حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن ، حدثنا محمد بن بكر بن داسة ، قال : حدثنا أبو داود ، حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير ، قال : حدثنا فضيل عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله ، قال : كنا نسلم على النبي - عليه السلام - وهو في الصلاة ، فيرد علينا ، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه ، فلم يرد علينا ، وقال لنا : " إن في الصلاة لشغلا " .

5296 - وهذا الحديث إنما فيه كراهية السلام على المصلي . وقد روى هذا الحديث كلثوم بن المصطلق الخزاعي عن ابن مسعود ، ولم يقل فيه : إن ذلك كان منه في حين انصرافه من أرض الحبشة .

[ ص: 334 ] 5297 - أخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد ، قال : أخبرنا حمزة بن محمد بن علي ، قال : حدثنا أحمد بن شعيب النسائي ، قال : أخبرنا محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي ، قال : أخبرنا ابن أبي عيينة والقاسم بن زيد الجرمي عن سفيان ، عن الزبير بن عدي ، عن كلثوم عن عبد الله بن مسعود .

5298 - وهذا الحديث للقاسم ، قال : كنت آتي النبي - عليه السلام - وهو يصلي ، فأسلم عليه ، فيرد علي ، فأتيته وهو يصلي ، فسلمت عليه ، فلم يرد علي ، فلما سلم أشار إلى القوم ، فقال : " إن الله أحدث في الصلاة ألا تكلموا فيها إلا بذكر الله ، وأن تقوموا لله قانتين " .

5299 - وهذا حديث مستقيم صحيح في معنى حديث زيد بن أرقم ، ليس فيه ما يخالفه .

5300 - حدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا محمد بن بكر ، حدثنا أبو داود ، حدثنا محمد بن عيسى ، حدثنا هشيم ، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن الحارث بن شبيل ، عن أبي عمرو الشيباني ، عن زيد بن أرقم ، قال : كان أحدنا يكلم الرجل إلى جنبه في الصلاة ، فنزلت " وقوموا لله قانتين " [ البقرة : 238 ] ، ثم أمرنا بالسكوت ، ونهينا عن الكلام .

5301 - قال أبو عمر : زيد بن أرقم أنصاري ، وسورة البقرة مدنية .

[ ص: 335 ] 5302 - حدثنا محمد بن إبراهيم ، قال : حدثنا محمد بن معاوية ، قال : حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا إسماعيل بن مسعود ، قال : حدثنا يحيى بن سعيد ، قال : أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد ، قال : حدثنا الحارث بن شبيل عن أبي عمرو الشيباني ، عن زيد بن أرقم ، قال : كان الرجل يكلم صاحبه في الصلاة بالحاجة على عهد النبي - عليه السلام - حتى نزلت " وقوموا لله قانتين " [ البقرة : 238 ] ، فأمرنا بالسكوت .

5303 - وأما قولهم : إن أبا هريرة لم يشهد ذلك ; لأنه كان قبل بدر ، وإسلام أبي هريرة كان عام خيبر ، فالجواب أن أبا هريرة أسلم عام خيبر كما ذكرنا ، ولكنه قد شهد هذه القصة وحضرها ; لأنها لم تكن قبل بدر ، وحديث أبي هريرة [ ص: 336 ] يوم ذي اليدين محفوظ من رواية الحفاظ الثقات ، وليس تقصير من قصر عن ذكر ذلك في حديثه في قصة ذي اليدين بحجة على من حفظه وذكره .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث