الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

211 182 ( معاد ) - وهذا مالك قد ذكر في موطئه عن داود بن الحصين ، عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد ، قال : سمعت أبا هريرة يقول : صلى لنا رسول الله - عليه السلام - العصر ، فسلم في ركعتين ، وذكر الحديث .

التالي السابق


5304 - هكذا حدث به في الموطأ عنه : ابن القاسم ، وابن وهب ، وابن بكير ، والقعنبي ، والشافعي ، وقتيبة بن سعيد .

5305 - ولم يقل يحيى وطائفة معه في حديث داود بن حصين : صلى لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وإنما قال : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

5306 - وأما في حديث مالك عن أيوب ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة - فليس ذلك عند أحد من رواة الموطأ ، وإنما فيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انصرف من اثنتين ، فقال له ذو اليدين .

5307 - قال أبو عمر : قول أبي هريرة في حديث ذي اليدين : صلى لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وصلى بنا ، وبينا نحن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - محفوظ من نقل الحفاظ .

5308 - فمن ذلك حديث شيبان عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، قال : بينما أنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الظهر ، فسلم من اثنتين ، فقال له رجل من بني سليم ، وذكر الحديث .

5309 - وحديث ضمضم بن جوس الهفاني عن أبي هريرة ، قال : صلى لنا [ ص: 337 ] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إحدى صلاتي العشي ، وذكر الحديث .

5310 - وحديث ابن عون عن محمد ابن سيرين عن أبي هريرة ، قال : صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إحدى صلاتي العشي .

5311 - وكذلك رواه هشام بن حسان عن محمد ابن سيرين ، عن أبي هريرة ، قال : صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

5312 - وكذلك رواه العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه ، عن أبي هريرة .

5313 - وكذلك رواه ابن أبي ذئب عن المقبري ، عن أبي هريرة .

5314 - وكذلك رواه حماد بن زيد عن أيوب ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة .

5315 - ورواه - كما رواه أبو هريرة - : عبد الله بن عمر ، وعمران بن حصين ، ومعاوية بن خديج ، وابن مسعدة صاحب الحبوس ، وكلهم لم يصحب النبي - عليه السلام - إلا بالمدينة حاشا ابن عمر منهم .

[ ص: 338 ] 5316 - وقد ذكرنا طرق هذه الأحاديث وأسانيدها في " التمهيد " وهي صحاح كلها . والحمد لله .

5317 - وليس في أخبار الآحاد أكثر طرقا من حديث ذي اليدين هذا إلا قليلا . وأحسن الناس سياقة له حماد بن زيد عن أيوب ، عن محمد ، عن أبي هريرة .

5318 - حدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا محمد بن بكير ، حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا محمد بن عبد الله ، حدثنا حماد بن زيد عن أيوب السختياني ، عن محمد ابن سيرين ، عن أبي هريرة ، قال : صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إحدى صلاتي العشي : الظهر أو العصر ، فصلى بنا ركعتين ، ثم سلم ، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد ، فوضع يديه عليها : إحداهما على الأخرى ، وخرج سرعان الناس ، وقالوا : قصرت الصلاة ، قصرت الصلاة ، وفي الناس أبو بكر وعمر ، فهابا أن يكلماه ، فقام رجل - وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسميه ذا اليدين - فقال : يا رسول الله ، أنسيت أم قصرت الصلاة ؟ فقال : " لم أنس ، ولم تقصر " ، قال : بل نسيت يا رسول الله ، فأقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على القوم ، فقال : " أصدق ذو اليدين ؟ " ، فأومئوا أن نعم ، فرجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مقامه ، فصلى الركعتين الباقيتين ، ثم سلم ، ثم كبر ، فسجد مثل سجوده أو أطول ، ثم رفع وكبر ، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول ، ثم رفع وكبر ، قال : فقيل لمحمد : سلم في السهو ؟ قال : لم أحفظه ، ولكن نبئت أن عمران بن حصين قال : ثم سلم .

[ ص: 339 ] 5319 - قال أبو داود : وكل من روى هذا الحديث لم يقل فيه : فأومئوا ، إلا حماد بن زيد .

5320 - قال أبو عمر : من هاهنا قال أحمد بن حنبل - والله أعلم - : إن الإمام وحده إن تكلم في شأن صلاته لم يضر ذلك صلاته ، وإن تكلم غيره أفسد صلاته .

5321 - وأما قولهم : إن ذا اليدين قتل يوم بدر فغير صحيح ، وإنما المقتول يوم بدر ذو الشمالين ، ولسنا ندافعهم ، ولا ننكر قولهم : إن ذا الشمالين قتل ببدر إن ذكروا ذا الشمالين ; لأن ابن إسحاق وغيره من أهل السير ذكروه فيمن قتل ببدر من المسلمين .

5322 - وقال حماد بن سلمة عن علي ، عن سعيد بن المسيب ، قال : قتل يوم بدر من قريش خمسة رجال من المهاجرين : عبيدة بن الحارث ، وعمير بن أبي وقاص ، وذو الشمالين ، وابن بيضاء ، ومهجع مولى عمر بن الخطاب .

[ ص: 340 ] 5323 - قال أبو عمر : إنما قال ابن المسيب : إنهم من قريش ; لأن الحليف والمولى يعد من القوم ، فمهجع مولى عمر ، وذو الشمالين حليف بني زهرة .

5324 - قال ابن إسحاق : ذو الشمالين هو عمير بن عبد عمرو بن نضلة بن عمرو بن غبشان بن سليم بن مالك بن أفصى بن خزاعة حليف لبني زهرة .

5325 - قال أبو عمر : ذو اليدين غير ذي الشمالين المقتول ببدر ; بدليل ما في حديث أبي هريرة ، ومن ذكرنا معه من حضورهم تلك الصلاة ممن كان إسلامه بعد بدر ، وكان المتكلم يومئذ رجلا من بني سليم .

5326 - ذكر ذلك يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة .

5327 - وقال عمران بن حسين : رجل طويل اليدين يقال له : الخرباق .

5328 - وممكن أن يكون رجلان أو ثلاثة وأكثر ، يقال لكل واحد منهم : ذو اليدين ، وذو الشمالين ، ولكن المقتول ببدر غير المتكلم في حديث أبي هريرة حين سلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من اثنتين .

5329 - قال أبو بكر الأثرم : سمعت مسدد بن مسرهد يقول : الذي قتل ببدر إنما هو ذو الشمالين بن عبد عمرو حليف بني زهرة ، وذو اليدين : رجل من العرب ، كان يكون بالبادية ، فيجيء ، فيصلي مع النبي ، عليه السلام .

5330 - قال أبو عمر : قول مسدد هذا قول أئمة أهل الحديث والسير . وهذا على ما ذكرنا عنهم .

5331 - وأما قول الزهري في هذا الحديث : إنه ذو الشمالين - فلم يتابع عليه ، وحمله الزهري على أنه المقتول يوم بدر ، فوهم فيه ، وغلط ، والغلط لا يسلم منه أحد .

[ ص: 341 ] 5332 - وقد اضطرب الزهري في إسناد حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين اضطرابا كثيرا قد ذكرناه في " التمهيد " .

5333 - وكان يقول : لم يسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السجدتين يومئذ ، فجهل ذلك .

5334 - وقد صح عن أبي هريرة من وجوه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سجد يوم ذي اليدين بعد السلام سجدتين ، لم يختلف عن أبي هريرة في ذلك ، وإنما اختلف عنه في السلام من السجدتين .

5335 - وقد خفي ذلك على الزهري مع جلالته .

5336 - ولا أعلم أحدا من المصنفين عول على ابن شهاب في حديث ذي اليدين ، وإنما أخرجوه من غير روايته; لاضطرابه ، وقد تبين غلطه أنه المقتول ببدر .

5337 - ذكر عبد الرزاق عن ابن جريج ، عن ابن مليكة أنه سمع عبيد بن عمير - وذكر خبر ذي اليدين - قال : فأدركه ذو اليدين أخو بني سليم ، وقد قيل : إن ذا اليدين عمر إلى خلافة معاوية ، وإنما توفي بذي خشب .

5338 - حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، حدثنا أحمد بن زهير ، حدثنا علي بن بحر ، حدثنا معدي بن سليمان الشغنثي البصري ، قال : حدثني شعيب بن مطير ، ومطير حاضر يصدقه ، قال : يا أبتاه ، أخبرتني أن ذا اليدين لقيك بذي خشب ، فأخبرك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى بهم إحدى صلاتي العشي ، فصلى ركعتين ، ثم سلم ، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه أبو بكر وعمر ، وخرج سرعان الناس ، فلحقه ذو اليدين ، فقال : يا رسول الله ، أقصرت الصلاة أم [ ص: 242 ] نسيت ؟ فقال : " ما قصرت الصلاة ، ولا نسيت " ، ثم أقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أبي بكر وعمر ، فقال : " أحق ما يقول ذو اليدين ؟ " ، قالا : صدق يا رسول الله ، فرجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وثاب الناس ، فصلى ركعتين ، ثم سلم ، ثم سجد سجدتي السهو .

5339 - وقد ذكرنا هذا الخبر من طرق شتى في التمهيد .

5340 - ومطير هذا مطير بن سليم من أهل وادي القرى ، روى عن ذي اليدين ، وذي الزوائد ، وأبي الشموس البلوي ، وغيره . وروى عنه ابناه : شعيب ، وسليم ، وهو معروف عند أهل العلم لم يذكره أحد بجرحة .

5341 - ومعدي بن سليمان صاحب الطعام بصري ، يكنى أبا سليمان . يقال : إنه كان من الأبدال الفضلة . روى عنه العباس بن يزيد ، وبندار محمد بن بشار ، وعلي بن بحر بن بري ، وبشر بن علي ، ومحمد بن المثنى .

5342 - ولو صح للمخالفين ما ادعوه من نسخ حديث أبي هريرة بتحريم الكلام في الصلاة لم يكن لهم في ذلك حجة ; لأن النهي عن الكلام في الصلاة إنما توجه إلى العامد القاصد ، لا إلى الناسي ; لأن النسيان متجاوز عنه ، والناسي [ ص: 343 ] والساهي ليسا ممن دخل تحت النهي ; لاستحالة ذلك في النظر .

5342 م - فإن قيل : إنكم تجيزون الكلام في الصلاة عمدا إذا كان في شأن صلاحها ، قيل لقائل ذلك : أجزناه من باب آخر ، قياسا على ما نهي عنه من التسبيح في غير موضعه من الصلاة ، وإباحته للتنبيه على ما أغفله المصلي من صلاة ليستدركه ، استدلالا بقصة ذي اليدين .

5343 - قال أبو عمر : نزع أبو الفرج وغيره من أصحابنا بما وصفنا ، وليس ذلك عندي بشيء ; لأن التسبيح لا يقاس بالكلام ; لأن الصلاة محرم فيها الكلام ، ومباح فيها التسبيح .

5344 - وقد قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " من نابه شيء في صلاته فليسبح " يريد : ولا يتكلم .

5345 - وقال : " صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ، إنما هو التسبيح ، وتلاوة القرآن " .

5346 - وقد نهى عن القراءة في الركوع ، ولو قرأ في الركوع أحد لم تفسد صلاته .

5347 - وأما أصحاب أبي حنيفة الذين لم يجيزوا الكلام في شأن إصلاح الصلاة - فيلزمهم ألا يجيزوا المشي للراعف ، والخروج من المسجد للوضوء ، وغسل الدم في الصلاة لضرورة الرعاف ، فإن أجازوا ذلك فليجيزوا الكلام في شأن إصلاح الصلاة . والله أعلم .

[ ص: 344 ] 5348 - وممن قال من السلف بمعنى حديث ذي اليدين ، ورأى البناء جائزا لمن تكلم في صلاته ، وهو يظن أنه ليس في صلاة - : عبد الله بن عباس ، وابن الزبير ، وعروة ، وعطاء ، والحسن ، وقتادة ، والشعبي .

5349 - وروي أيضا عن الزبير بن العوام وأبي الدرداء ، وروي مثل قول الكوفيين في هذا الباب عن إبراهيم النخعي ، وحماد بن أبي سليمان ، وقتادة على اختلاف عنه .

5350 - وفي هذا الحديث أيضا إثبات حجة مالك وأصحابه في قولهم : إذا نسي الحاكم حكمه ، فشهد عليه عنده شاهدان - إنه ينفذه ويمضيه ، وإن لم يذكره ; لأن النبي - عليه السلام - رجع إلى قول ذي اليدين ومن شهد معه إلى شيء لم يذكره .

5351 - وقال الشافعي وأبو حنيفة : لا ينفذه حتى يذكر حكمه به على وجهه ; لأنه لا يقبل الشهود إلا على غيره لا على نفسه ; لأنهم لو شهدوا عنده بخلاف علمه لم يحكم بشهادتهم . ولا حجة في حديث ذي اليدين ; لأنه لم يحكم بشهادتهم . ممكن محتمل أن يكون النبي - عليه السلام - لما قال له أصحابه : إن ما ذكر ذو اليدين حق - تيقن ذلك ، فرجع من شكه إلى يقين ، وهذا مجتمع عليه في أصل الدين ; لأنه محال ألا يصدقهم ، ثم يعمل بخبرهم . وبالله التوفيق .

5352 - وفيه إثبات سجود السهو على من سها في صلاته . وفيه أن السجود [ ص: 245 ] يكون بعد السلام إذا كان زاد الإنسان في صلاته شيئا سهوا . وبه استدل أصحابنا على أن السجود بعد السلام فيما كان زيادة أبدا .

5353 - وفيه أن سجدتي السهو يكبر في كل خفض ورفع منهما ، ويسلم على حديث عمران بن حصين .

5354 - واختلف المتأخرون من أصحابنا في رجوع المسلم ساهيا في صلاته إلى تمام ما بقي عليه منها : هل يحتاج في ذلك إلى إحرام أم لا ؟ فقال بعضهم : لا بد أن يحدث إحراما يجدده لرجوعه إلى تمام صلاته ، وإن لم يفعل لم يجزه .

5355 - وقال آخرون : ليس ذلك عليه ، وإنما عليه أن ينوي الرجوع إلى تمام صلاته ، فإن كبر في رجوعه فحسن ; لأن التكبير إشعار حركات المصلي ، وإن لم يكبر فلا شيء عليه ; لأن أصل التكبير في غير الإحرام إنما كان للإمام ، ثم صار سنة بمواظبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى لقي الله ، مع قوله : " فإذا كبر فكبروا " ، يعني يكبرون بتكبيره . وتكبير الصلوات محصور عدده ; فلا وجه للزيادة فيه ، ألا ترى أن الذي يحبسه الإمام لا يكبر إذا قام إلى قضاء ما عليه ; لأن تلك التكبيرة لو كبرها كانت زائدة على تكبير الصلاة ؟ . والله أعلم .

5356 - وإنما قلنا : إنه إذا نوى الرجوع إلى صلاته ليتمها فلا شيء عليه ، وإن لم يكبر لإحرام ولا غيره ; لأن سلامه ساهيا لا يخرجه من صلاته عندنا وعند جمهور العلماء ولا يفسدها عليه ، وإذا كان في صلاته بنى عليها ، فلا معنى للإحرام ; لأنه غير مستأنف لصلاة ، بل هو متمم لها بان فيها ، وإنما يؤمر بتكبيرة الإحرام من ابتدأ صلاته وافتتحها . وبالله التوفيق .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث