الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة من أفسد العمرة فعليه القضاء من الميقات الذي ابتدأها منه

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " ومن أفسد العمرة فعليه القضاء من الميقات الذي ابتدأها منه ، فإن قيل فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة أن تقضي العمرة من التنعيم ، فليس كما قال إنما كانت قارنا ، وكان عمرتها شيئا استحسنته ، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بها لا أن عمرتها كانت قضاء ؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لها طوافك يكفيك لحجك وعمرتك .

قال الماوردي : قد ذكرنا أن المحرم ممنوع من الوطء ، سواء كان حاجا أو معتمرا أو قارنا ومضى الكلام في الحج ، فأما العمرة فإن وطئ فيها بعد الإحرام بها وقبل الطواف والسعي ، أو بعد الطواف وقبل السعي ، أو قبل كمال جميع السعي ، فقد أفسد عمرته ، وإن وطئ بعد السعي وقبل الحلاق فعلى قولين مبنيين على اختلاف قوليه في الحلق ، فإن قيل : إنه نسك يتحلل به أفسد عمرته ، وإن قيل : إنه إباحة بعد حظر لم يفسد ، فإن أفسد عمرته لزمه [ ص: 233 ] القضاء والكفارة ، وهي بدنة كالوطء في الحج سواء ، وقال بعض العلماء : يلزمه القضاء دون الكفارة .

ودليلنا : هو أن العمرة كالحج فيما يحل فيه ويحرم ، فوجب أن تكون كالحج في فساده بالوطء ووجوب البدنة .

وتحرير ذلك قياسا أنها عبادة تفتقر إلى الطواف ، فوجب أن يكون الوطء فيها موجبا للقضاء والبدنة كالحج ، فإذا ثبت هذا فعليه أن يمضي في فاسدها ثم يقضيها من حيث أحرم بها ، وكذا الحج إذا أفسده يقضيه من حيث أحرم به ، فإن كان قد أحرم به من بلده لزمه أن يحرم بالقضاء من بلده ، وإن كان قد أحرم به من ميقاته أحرم بالقضاء من ميقاته ، وإن كان قد أحرم بالعمرة من أدنى الحل ، وبالحج من الحرم ، أحرم في القضاء كذلك .

وقال أبو حنيفة : عليه قضاء الحج من ميقاته والعمرة من أدنى الحل ، وإن أحرم بهما من بلده تعلقا بما روي أن عائشة رضي الله عنها أحرمت بالعمرة من الحديبية ثم رفضتها وخرجت منها ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أخاها أن يعمرها من التنعيم ، ورفض العمرة كالإفساد .

ودليلنا هو أن القضاء إنما هو الإتيان بفعل ما لزم ، فلما لزمه في الأداء الإحرام من بلده بالدخول فيه ، وجب أن لا يلزمه القضاء الإحرام من بلده بالإفساد له ، ليصير قاضيا لما كان له مؤديا ، فأما حديث عائشة رضي الله عنها فلم ترفض عمرتها ، ولم تخرج منها ، بل كانت قارنة : لقول النبي صلى الله عليه وسلم : طوافك بالبيت وسعيك بين الصفا والمروة يجزيك لحجك وعمرتك وإنما قالت : يا رسول الله كل نسائك ينصرفن بنسكين ، وأنا بنسك واحد ، يعني : بنسكين منفردين ، وأنا قد ضممتها في القران ، حين أمر النبي صلى الله عليه وسلم أخاها أن يحرم بها من التنعيم ، فإن قيل فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لها : ارفضي عمرتك وأهلي بالحج وقيل إنما أراد بقوله : ارفضي عمرتك وقوله : وأهلي بالحج ، أي أدخلي الحج على العمرة حتى صارت قارنة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث