الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 212 ] باب سجود السهو وسجود الشكر

قال الشافعي ، رضي الله عنه : " ومن شك في صلاته فلم يدر أثلاثا صلى أم أربعا ؟ فعليه أن يبني على ما استيقن ، وكذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " .

قال الماوردي : وهذا كما قال إذا أحرم بالصلاة ثم شك في ركعاتها فلم يدر أركعة صلى ، أو ركعتين بنى على اليقين وحسبها ركعة ، ولو كان الشك بين ركعتين أو ثلاث بنى على ركعتين ، ولو كان الشك بين ثلاث أو أربع بنى على ثلاث وهو اليقين ، وسواء كان ذلك أول شكه ، أو كان يعتاده ، وبه قال من الصحابة علي بن أبي طالب ، وعبد الله بن مسعود ، رضي الله عنهما ، ومن الفقهاء مالك ، والأوزاعي ، وسفيان الثوري .

وقال أبو حنيفة : إن كان ذلك أول شكه أو كان يشك في أقل أوقاته فصلاته باطلة ، وإن كان شاكا ويعتاده الشك كثيرا تحرى في صلاته واجتهد ، وعمل على غالب ظنه بالاجتهاد ، فإن أشكل عليه بنى على اليقين حينئذ واستدل لبطلان صلاته بأول شكه بقوله صلى الله عليه وسلم : لا غرار في الصلاة قال : ومعناه : لا شك فيها فدل على بطلانها بحدوث الشك فيها ، واستدل في جواز التحري فيمن اعتاده الشك برواية عبد الله بن مسعود ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أثلاثا صلى أم أربعا ؟ فليتحر أقرب ذلك إلى الصواب .

وبما روي عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أثلاثا صلى أم أربعا وكان أكثر ظنه أنه صلى أربعا ، قعد وتشهد ، وسجد سجدتين .

قال : ولأنه لما جاز التحري في القبلتين ، والثوبين ، والإناءين ، والوقتين ، وكل ذلك من واجبات الصلاة جاز التحري في إعداد ركعاتها ، لأنه أمر مشتبه قد جعل له طريق إلى التخلص منه ، وهذا خطأ .

والدلالة عليه رواية زيد بن أسلم ، عن عطاء ، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أثلاثا صلى أم أربعا ، فليلغ الشك ، وليبن على اليقين ويسجد سجدتي السهو وهو جالس .

[ ص: 213 ] وروي أيضا : فليبن على ما استيقن ويسجد سجدتي السهو قبل السلام .

وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أثلاثا صلى أم أربعا فليتم ركعة ، وليقعد ويتشهد ، ويسجد سجدتي السهو ، فإن كانت خمسا شفعتها السجدتان ، وإن كانت أربعا كانت السجدتان ترغيما للشيطان .

وروى عبد الرحمن بن عوف ، رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا شك أحدكم بين واحدة واثنتين بنى على واحدة ، وإن شك بين اثنتين وثلاث بنى على اثنتين ، وإن شك بين ثلاث وأربع بنى على ثلاث ، فإن الزيادة في الصلاة جميعا خير من النقصان .

قال ابن المنذر : وأصح هذه الأحاديث الثلاثة حديث أبي سعيد الخدري ، ولأنها صلاة وجب عليه فعلها فوجب أنه لا يجوز له التحري في أدائها .

أصله إذا ترك صلاة من خمس صلوات لا يعرفها ، ولأن أركان العبادات المفروضة لا تسقط بالتحري كأركان الحج والوضوء ، ولأن كل ما شرط اليقين في أصله شرط اليقين في بعضه ، كالطهارة ، والطلاق ، ولأن كل ما لم يؤد من الطهارة بالتحري لم يؤد من الصلاة بالتحري كأصل العبادة ، وأما الدليل على أن الصلاة لا تفسد بالشك أول مرة مع ما تقدم من الأحاديث أنه شك طرأ في عدد ما صلى فلم تفسد به الصلاة كالمعتاد الشك ، ولأن ما يؤثر في الصلاة فحكم الابتداء والعادة فيه على سواء كالحدث طردا ، والعمل اليسير عكسا ، ولأن ما لا يبطل كثيره الصلاة لا يبطل قليله الصلاة كالتسبيح .

فأما قوله صلى الله عليه وسلم : لا غرار في الصلاة فمعناه : لا نقصان فيها وهو إذا بنى على اليقين فقد أزال النقصان منها .

وأما قوله صلى الله عليه وسلم : " فليتحر أقرب ذلك إلى الصواب " .

فالجواب عنه : أن تحري الصواب يبين له يقين الشك ، أو يبني على اليقين مع بقاء الشك .

فأما الحديث الآخر إن صح فكان معارضا بما رويناه فروايتنا أولى من وجهين :

أحدهما : كثرة الرواة ، والبناء على الاحتياط .

والثاني : أنه يأمن بهذا النقصان ويخاف الزيادة ، وروايتهم تتردد بين النقصان والزيادة ، فكانت روايتنا أولى لقوله صلى الله عليه وسلم : " فإن الزيادة في الصلاة خير من النقصان " .

[ ص: 214 ] وأما ما ذكر من جواز التحري في القبلة والإناءين والثوبين فيفارق أفعال الصلاة من وجهين :

أحدهما : أن الرجوع في هذه الأشياء إلى اليقين متعذر ، وفي أفعال الصلوات غير متعذر ، فجاز التحري فيما تعذر اليقين فيه ولم يجز فيما لم يتعذر اليقين فيه .

والثاني : أن لهذه الأشياء دلائل وعلامات يرجع إليها في التحري ، والاجتهاد ، وليس لما يقضى من أفعال الصلاة دلالة يرجع إليها في التحري فافترقا من هذين الوجهين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث