الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

فصل

في القيام

اعلم أن القيام ، أو ما يقوم مقامه ، ركن في الصلاة ، ويقوم القعود مقامه في النافلة ، وفي الفريضة عند العجز ، ويشترط في القيام ، الانتصاب .

وهل يشترط الاستقلال بحيث لا يستند ؟ فيه أوجه : أصحها وهو المذكور في ( التهذيب ) ، وغيره لا يشترط .

فلو استند إلى جدار أو إنسان ، بحيث لو رفع السناد لسقط ، صحت صلاته مع الكراهة ، والثاني يشترط ولا يصح [ ص: 233 ] مع الإسناد عند القدرة بحال ، والثالث : يجوز إن كان بحيث لو رفع السناد لم يسقط ، وإلا فلا .

هذا في استناد لا يسلب اسم القيام . فإن استند متكئا ، بحيث لو رفع قدميه عن الأرض لأمكنه البقاء ، فهذا معلق نفسه بشيء وليس بقائم . أما إذا لم يقدر على الاستقلال ، فيجب أن ينتصب متكئا على الصحيح .

وفي وجه شاذ : لا يلزمه القيام في هذا الحال ، بل له الصلاة قاعدا ، وأما الانتصاب المشروط ، فلا يخل به إطراق الرأس ، وإنما المعتبر ، نصب فقار الظهر ، فليس للقادر أن يقف مائلا إلى اليمين أو اليسار ، زائلا عن سنن القيام ، ولا أن يقف منحنيا في حد الراكعين .

فإن لم يبلغ انحناؤه حد الركوع ، لكن كان إليه أقرب منه إلى الانتصاب ، لم يصح على الأصح .

قلت : ولو لم يقدر على النهوض للقيام إلا بمعين ، ثم لا يتأذى بالقيام ، لزمه أن يستعين بمن يقيمه . فإن لم يجد متبرعا ، لزمه الاستئجار بأجرة المثل إن وجدها . والله أعلم .

هذا في القادر على الانتصاب . فأما العاجز ، كمن تقوس ظهره لزمانة أو كبر ، وصار في حد الراكعين فيلزمه القيام .

فإذا أراد الركوع ، زاد في الانحناء إن قدر عليه . هذا هو الصحيح الذي قطع به العراقيون وصاحب ( التتمة ) و ( التهذيب ) ونص عليه الشافعي رضي الله عنه .

وقال إمام الحرمين والغزالي : يلزمه أن يصلي قاعدا . قالا : فإن قدر عند الركوع على الارتفاع إلى حد الراكعين لزمه ، ولو عجز عن الركوع والسجود دون القيام لعلة بظهره تمنع الانحناء لزمه القيام ، ويأتي بالركوع والسجود بحسب الطاقة ، فيحني صلبه قدر الإمكان . فإن لم يطق ، حنى رقبته ، ورأسه ، فإن احتاج فيه إلى شيء يعتمد عليه ، أو إلى أن يميل إلى جنبه لزمه ذلك . فإن لم يطق الانحناء أصلا أومأ إليهما .

[ ص: 234 ] قلت : وإذا أمكنه القيام والاضطجاع ولم يمكنه القعود ، قال صاحب ( التهذيب ) يأتي بالقعود قائما ؛ لأنه قعود وزيادة .

واعلم بأنه يكره للصحيح أن يقوم على إحدى رجليه ويصح ، ويكره أن يلصق القدمين ، بل يستحب التفريق بينهما ، وتطويل القيام عندنا أفضل من تطويل الركوع والسجود ، وتطويل السجود أفضل من تطويل الركوع .

وإذا طول الثلاثة زيادة على ما يجوز الاقتصار عليه ، فالأصح : أن الجميع يكون واجبا ، والثاني : يقع ما زاد سنة ، ومثله الخلاف في مسح جميع الرأس ، وفي البعير المخرج في الزكاة عن خمس ، وفي البدنة المضحى بها بدلا عن شاة منذورة . والله أعلم .

فرع :

إذا عجز عن القيام في صلاة الفرض ، عدل إلى القعود ، ولا ينقص ثوابه ؛ لأنه معذور ، ولا نعني بالعجز ، عدم تأتي القيام ، بل خوف الهلاك ، أو زيادة المرض ، أو لحوق مشقة شديدة ، أو خوف الغرق ودوران الرأس في حق راكب السفينة .

قلت : الذي اختاره إمام الحرمين في ضبط العجز : أن يلحقه بالقيام مشقة تذهب خشوعه . والله أعلم .

ولو جلس للغزاة رقيب يرقب العدو ، فأدركته الصلاة ، ولو قام لرآه العدو ، أو جلس الغزاة في مكمن ، ولو قاموا رآهم العدو وفسد التدبير ، فلهم الصلاة قعودا ، وتجب الإعادة لندوره .

قلت : قال صاحب ( التتمة ) في غير الرقيب : إن خاف لو قام أن يقصده [ ص: 235 ] العدو ، وصلى قاعدا ، أجزأته على الصحيح ، ولو صلى الكمين في وهدة قعودا ، ففي صحتها قولان . والله أعلم .

ثم إذا قعد المعذور ، لا يتعين لقعوده هيئة ، بل يجزئه جميع هيئات القعود . لكن يكره الإقعاء في هذا القعود ، وفي جميع قعدات الصلاة ، وفي المراد بالإقعاء ثلاثة أوجه :

أصحها : أنه الجلوس على الوركين ونصب الفخذين والركبتين ، وضم إليه أبو عبيد : أن يضع يديه على الأرض .

والثاني : أن يفرش رجليه ، ويضع إليه على عقبيه ، والثالث : أن يضع يديه على الأرض ، ويقعد على أطراف أصابعه .

قلت : الصواب ، هو الأول ، وأما الثاني : فغلط . فقد ثبت في ( صحيح مسلم ) : أن الإقعاء سنة نبينا صلى الله عليه وسلم وفسره العلماء بما قاله الثاني ، ونص على استحبابه الشافعي رحمه الله في ( البويطي ) و ( الإملاء ) في الجلوس بين السجدتين .

قال العلماء : فالإقعاء ضربان ؛ مكروه وغيره . فالمكروه : المذكور في الوجه الأول وغيره : الثاني . والله أعلم .

وفي الأفضل من هيئات القعود ، قولان ، ووجهان :

أحد القولين : وهو أصح الجميع : يقعد مفترشا . وثانيهما : متربعا ، وأحد الوجهين : متوركا ، وثانيهما : ناصبا ركبته اليمنى ، جالسا على رجله اليسرى ، ويجري الخلاف في قعود النافلة .

وأما ركوع القاعد ، فأقله أن ينحني قدر ما يحاذي وجهه ما قدام ركبتيه من الأرض .

وأكمله ، أن ينحني بحيث تحاذي جبهته موضع سجوده ، وأما سجوده ، فكسجود القائم . هذا إذا قدر القاعد على الركوع والسجود ، فإن عجز لعلة بظهره ، أو غيرها ، فعل الممكن من الانحناء .

ولو قدر القاعد على الركوع ، [ ص: 236 ] وعجز عن وضع الجبهة على الأرض ، نظر ، إن قدر على أقل ركوع القاعد وأكمله من غير زيادة أتى بالممكن ، مرة عن الركوع ، ومرة عن السجود ، ولا يضر استواؤهما .

وإن قدر على زيادة على كمال الركوع ، وجب الاقتصار في الانحناء للركوع على قدر الكمال ، ليتميز عن السجود .

ويلزمه أن يقرب جبهته من الأرض للسجود أكثر ما يقدر عليه . حتى قال الأصحاب : لو قدر أن يسجد على صدغه ، أو عظم رأسه الذي فوق الجبهة ، وعلم أنه إذا فعل ذلك كانت جبهته أقرب إلى الأرض ، لزمه ذلك .

قلت : قال الشافعي رحمه الله في ( الأم ) والأصحاب : لو قدر أن يصلي قائما منفردا ، وإذا صلى مع الجماعة احتاج أن يصلي بعضها من قعود فالأفضل أن يصلي منفردا .

فإن صلى مع الجماعة وقعد في بعضها صحت ، ولو كان بحيث لو اقتصر على قراءة الفاتحة أمكنه القيام وإذا زاد عجز صلى بالفاتحة . فلو شرع في السورة فعجز قعد ولا يلزمه قطع السورة ليركع . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث