الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال

قوله تعالى: قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين

خرج البخاري ومسلم : من حديث: أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "والذي نفسي بيده، لا يؤمن [ ص: 496 ] أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده " .

وخرج البخاري ومسلم - أيضا: من حديث: أنس ، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين " .

محبة النبي - صلى الله عليه وسلم - من أصول الإيمان، وهي مقارنة لمحبة الله عز وجل . وقد قرنها الله بها وتوعد من قدم عليهما محبة شيء من الأمور المحبوبة طبعا، من الأقارب والأموال والأوطان وغير ذلك . فقال تعالى: قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره

ولما قال عمر للنبي - صلى الله عليه وسلم -: أنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي . فقال: "لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك "، فقال عمر : والله، أنت الآن أحب إلي من نفسي . قال: "الآن يا عمر " .

فيجب تقديم محبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - على النفوس والأولاد والأقارب والأهلين والأموال والمساكن، وغير ذلك مما يحبه الناس غاية المحبة .

وإنما تتم المحبة بالطاعة، كما قال تعالى: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله

وسئل بعضهم عن المحبة، فقال: الموافقة في جميع الأحوال . [ ص: 497 ] فعلامة تقديم محبة الرسول على محبة كل مخلوق أنه إذا تعارض طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في أوامره، وداع آخر يدعو إلى غيرها من هذه الأشياء المحبوبة، فإن قدم المرء طاعة الرسول، وامتثال أوامره على ذلك الداعي، كان دليلا على صحة محبته للرسول، وتقديمها على كل شيء، وإن قدم على طاعته وامتثال أوامره شيئا من هذه الأشياء المحبوبة طبعا، دل ذلك على عدم إتيانه بالإيمان التام الواجب عليه . وكذلك القول في تعارض محبة الله ومحبة داعي الهوى والنفس، فإن محبة الرسول تبع لمحبة مرسله عز وجل . هذا كله في امتثال الواجبات، وترك المحرمات، فإن تعارض داعي النفس . ومندوبات الشريعة، فإن بلغت المحبة إلى تقديم المندوبات على دواعي النفس، كان ذلك علامة كمال الإيمان، وبلوغه إلى درجة المقربين المحبوبين . المتقربين بالنوافل بعد الفرائض . وإن لم تبلغ هذه المحبة هذه الدرجة، فهي درجة المقتصدين، أصحاب اليمين، الذين كملت محبتهم الواجبة، ولم يزيدوا عليها .

* * *

وأما محبة الرسول، فتنشأ عن معرفته ومعرفة كماله وأوصافه وعظم ما جاء به، وينشأ ذلك من معرفة مرسله وعظمته، كما سبق، فإن محبة الله لا تتم إلا بطاعته، ولا سبيل إلى طاعته إلا بمتابعة رسوله، كما قال تعالى: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله [ ص: 498 ] ومحبة الرسول على درجتين أيضا:

إحداهما: فرض، وهي ما اقتضى طاعته في امتثال ما أمر به من الواجبات . والانتهاء عما نهى عنه من المحرمات، وتصديقه فيما أخبر به من المخبرات . والرضا بذلك، وأن لا يجد في نفسه حرجا مما جاء به، ويسلم له تسليما . وأن لا يتلقى الهدى من غير مشكاته، ولا يطلب شيئا من الخير إلا ما جاء به

الدرجة الثانية: فضل مندوب إليه، وهي ما ارتقى بعد ذلك إلى اتباع سنته وآدابه وأخلاقه، والاقتداء به في هديه وسمته، وحسن معاشرته لأهله وإخوانه، وفي التخلق بأخلاقه الظاهرة في الزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة، وفي جوده وإيثاره وصفحه وحلمه واحتماله وتواضعه .

وفي أخلاقه الباطنة، من كمال خشيته لله، ومحبته له، وشوقه إلى لقائه . ورضاه بقضائه، وتعلق قلبه به دائما، وصدق الالتجاء إليه، والتوكل والاعتماد عليه، وقطع تعلق القلب بالأسباب كلها، ودوام لهج القلب واللسان بذكره، والأنس به، والتنعم بالخلوة بمناجاته ودعائه، وتلاوة كتابه بالتدبر والتفكر .

وفي الجملة، فكان خلقه - صلى الله عليه وسلم - القرآن، يرضى لرضاه ويسخط لسخطه، فأكمل الخلق من حقق متابعته وتصديقه قولا وعملا وحالا، وهم الصديقون من أمته، الذين رأسهم أبو بكر خليفته من بعده .

* * *

[ ص: 499 ] قال الله عز وجل: قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين

قال أبو عبد الله محمد بن خفيف الصوفي: سألنا أبو العباس ابن سريج بشيراز فقال لنا: "محبة الله فرض أم غير فرض؟ قلنا: فرض قال: ما الدلالة على فرضها؟ فما منا من أتى بشيء يقبل فرجعنا إليه وسألناه: ما الدليل على فرض محبة الله عز وجل؟ فقال: قوله تعالى: قل إن كان آباؤكم إلى قوله: أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره قال: فتوعدهم الله عز وجل على تفضيل محبتهم لغيره على محبته ومحبة رسوله، والوعيد لا يقع إلا على فرض لازم وحتم واجب " .

وفي "الصحيحين " عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين " .

وفي "الصحيحين " أيضا أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: يا رسول الله، والله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال: "لا يا عمر ، حتى أكون أحب إليك من نفسك " فقال: والله لأنت أحب إلي من نفسي . فقال: "الآن يا عمر " .

ومعلوم أن محبة الرسول إنما هي تابعة لمحبة الله جل وعلا، فإن الرسول إنما يحب موافقة لمحبة الله له ولأمر الله بمحبته وطاعته واتباعه، فإذا كان [ ص: 500 ] لا يحصل الإيمان إلا بتقديم محبته على الأنفس والأولاد والآباء والخلق كلهم . فما الظن بمحبة الله عز وجل، وذكر ابن إسحاق عن المغيرة بن عثمان بن الأخنس عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خطب لما قدم المدينة، فقال في خطبته: "أحبوا من أحب الله وأحبوا الله من كل قلوبكم " .

وقد جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - تقديم محبة الله ورسوله على محبة غيرهما من خصال الإيمان ومن علامات وجود حلاوة الإيمان في القلوب: ففي "الصحيحين " عن أنس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يلقى في النار" .

وفي رواية النسائي : "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان وطعمه :أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب في الله ويبغض في الله، وأن توقد نار فيقع فيها أحب إليه من أن يشرك بالله شيئا" .

وفي "مسند الإمام أحمد " عن أبي رزين العقيلي قال: قلت يا رسول الله، ما الإيمان؟ قال: "أن تشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن يكون الله ورسوله أحب إليك مما سواهما، وأن تحرق في النار أحب إليك من أن تشرك بالله، وأن تحب غير ذي نسب لا تحبه إلا لله، فإذا كنت كذلك فقد دخل حب الإيمان في قلبك كما دخل حب الماء للظمآن في اليوم القائظ " . وروي من حديث المقداد بن الأسود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من أحب الله ورسوله [ ص: 501 ] صادقا من قلبه، ولقي المؤمنين فأحبهم، ومن كان أمر الجاهلية عنده كنار أججت فألقي فيها فقد فقد طعم طعم الإيمان " أو قال: "بلغ ذروة الإيمان " .

ومن هذا المعنى أن الله تعالى قال: يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار فأمر بامتحانهن ليعلم إيمانهن، فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحلفهن أنهن ما خرجن إلا حبا لله ورسوله، لم يخرجن رغبة في غير ذلك، فيكون ذلك علما بإيمانهن .

قال ابن عباس في هذه الآية: "كانت المرأة إذا أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - لتسلم حلفها بالله ما خرجت من بغض زوج إلا حبا لله ورسوله " وهو موجود في بعض نسخ الترمذي كذلك .

وخرجه البزار في "مسنده "، وابن جرير وابن أبي حاتم ، ولفظه: "حلفها بالله ما خرجت من بغض زوج، وبالله ما خرجت إلا حبا لله ورسوله " .

وخرج إبراهيم بن الجنيد الختلي في كتاب "المحبة" بإسناد ضعيف عن أبي هريرة مرفوعا قال: "الإيمان في قلب الرجل أن يحب الله عز وجل "، ومن مراسيل الزهري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "رأس الإيمان المحبة لله عز وجل، وطابع الإيمان البر والعدل، وتحقيق الإيمان بإكرام ذي الدين وذي الشيبة" . [ ص: 502 ] ومحبة الله سبحانه وتعالى على درجتين:

إحداهما: فرض لازم: وهي أن يحب الله سبحانه محبة توجب له، محبة ما فرضه الله عليه، وبغض ما حرمه عليه، ومحبة لرسوله المبلغ عنه أمره ونهيه، وتقديم محبته على النفوس والأهلين أيضا كما سبق، والرضا بما بلغه عن الله من الدين وتلقي ذلك بالرضا والتسليم، ومحبة الأنبياء والرسل والمتبعين لهم بإحسان جملة وعموما لله عز وجل، وبغض الكفار الفجار جملة وعموما لله عز وجل، وهذا القدر لا بد منه في تمام الإيمان الواجب . ومن أخل بشيء منه فقد نقص من إيمانه الواجب بحسب ذلك . قال الله عز وجل: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما وكذلك ينقص من محبته الواجبة بحسب ما أخل به من ذلك، فإن المحبة الواجبة تقتضي فعل الواجبات وترك المحرمات .

وخرج أبو نعيم من حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إن سالما " - يعني مولى أبي حذيفة - "شديد الحب لله لو كان لا يخاف الله ما عصاه " يشير إلى أن محبة الله تمنعه من أن يعصيه،

وذكر أبو عبيد في "غريبه " أن عمر قال: "نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه " .

قال الحسن بن آدم: "أحب الله يحبك الله، واعلم أنك لن تحب الله حتى تحب طاعته " .

وقال عبد الله بن حنيف: قال رجل لرابعة: إني أحبك في الله، قالت: [ ص: 503 ] "فلا تعص الذي أحببتني له " .

وسئل ذو النون: متى أحب ربي؟ قال: "إذا كان ما يبغضه عندك أمر من الصبر" .

وقال بشر بن السري: " ليس من أعلام الحب أن تحب ما يبغض" .

وقال أبو يعقوب النهرجوري: "كل من ادعى محبة الله جل جلاله ولم يوافق الله في أمره، فدعواه باطلة، وكل محب ليس يخاف الله فهو مغرور" .

وقال يحيى بن معاذ : "ليس بصادق من ادعى محبة الله ولم يحفظ حدوده" .

وقال رويم: "المحبة الموافقة في جميع الأحوال " وأنشد:


ولو قلت لي مت مت سمعا وطاعة . وقلت لداعي الحق أهلا ومرحبا



وقد تقدم أن العبد لا يجد حلاوة الإيمان حتى يحب المرء لا يحبه إلا لله . وحتى يكره أن يرجع إلى الكفر، كما يكره أن يلقى في النار، ولهذا المعنى كان الحب في الله والبغض في الله من أصول الإيمان .

وخرج الترمذي من حديث معاذ بن أنس الجهني عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من أعطى لله ومنع لله، وأحب لله، وأبغض لله، فقد استكمل إيمانه "،

وخرجه الإمام أحمد وزاد فيه: "وأنكح لله " . وفي لفظ له أيضا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن [ ص: 504 ] أفضل الإيمان قال: "أن تحب لله وتبغض لله وتعمل لسانك في ذكر الله "

وخرج أبو داود من حديث أبي أمامة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من أحب لله وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان " . ومن حديث أبي ذر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أفضل الإيمان الحب في الله، والبغض في الله " . وخرج الإمام أحمد من حديث البراء بن عازب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن أوثق عرى الإيمان أن تحب في الله وتبغض في الله "، ومن حديث عمرو بن الجموح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يجد العبد حق صريح الإيمان حتى يحب لله ويبغض لله، فإذا أحدث لله، وأبغض لله فقد استحق الولاية من الله وإن أوليائي من عبادي وأحبائي من خلقي يذكرون بذكري وأذكر بذكرهم" .

وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة . وروى ليث عن مجاهد عن ابن عباس قال: "من أحب في الله وأبغض في الله ووالى في الله وعادى في الله . فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك، وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا وذلك لا يجدي على أهله شيئا" . خرجه ابن جرير الطبري . وخرج أيضا بإسناده عن ابن مسعود ، قال: "من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله; فقد توسط الإيمان " . وخرج الحاكم من حديث عائشة - رضي الله عنها - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الشرك أخفى من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء، وأدناه أن [ ص: 505 ] تحب على شيء من الجور وتبغض على شيء من العدل، وهل الدين إلا الحب في الله والبغض في الله " قال تعالى: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله وقال: صحيح الإسناد وفيما قاله نظر .

ففي هذا الحديث أن محبة ما يبغضه الله وبغض ما يحبه الله من الشرك الخفي، وروينا من طريق الأصمعي عن سفيان عن ليث عن مجاهد أنه قال في قوله تعالى: يعبدونني لا يشركون بي شيئا قال: "لا يحبون غيري " وحينئذ فلا يكمل التوحيد الواجب إلا بمحبة ما يحبه الله وبغض ما يبغضه الله، وكذلك لا يتم الإيمان الواجب إلا بذلك . ومن هنا يعلم أن الإخلال ببعض الواجبات وارتكاب بعض المحرمات ينقص به الإيمان الواجب بحسب ذلك، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " الحديث . وروى الإمام أحمد من طريق الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب ، قال: "من أصبح وأكبر همه غير الله فليس من الله " وقد روي هذا مرفوعا من حديث أنس بأسانيد ضعيفة .

فهذه الدرجة من محبة الله فرض واجب على كل مسلم وهي درجة المقتصدين أصحاب اليمين .

الدرجة الثانية: درجة السابقين المقربين، وهي أن ترتقي المحبة إلى ما يحبه الله من نوافل الطاعات، وكراهة ما يكرهه من دقائق المكروهات، وإلى [ ص: 506 ] الرضا بما يقدره ويقضيه مما يؤلم النفوس من المصائب، وهذا فضل مستحب مندوب إليه .

وفي "صحيح البخاري " عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "يقول الله عز وجل: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته " . وقد روي هذا المعنى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وابن عباس - رضي الله عنهما -، وأبي أمامة وعائشة - رضي الله عنها -، بأسانيد فيها نظر .

وذكر ابن أبي الدنيا بإسناده عن سهيل أخي حزم قال: بلغني عن عامر بن عبد قيس أنه كان يقول: "أحببت الله عز وجل حبا سهل علي كل مصيبة ورضاني بكل قضية، فما أبالي مع حبي إياه ما أصبحت عليه وما أمسيت " . وقال إبراهيم بن الجنيد: حدثنا محمد بن الحسن حدثني عبيد الله بن محمد التميمي أن رجلا قال لعابد: أوصني، أوعظني، فقال: "أى الأعمال أغلب على قلبك؟ فقال الرجل: والله ما أجد شيئا أنفع للمحب عند حبيبه من المبالغة في محبته، وهل تدري ما ذلك؟ أن لا يعلم شيئا فيه رضاه إلا أتاه . ولا يعلم شيئا فيه سخطه إلا اجتنبه، فعند ذلك ينزل المحبون من الله منازل المحبة، قال: فصرخ العابد والسائل وسقطا" . [ ص: 507 ] وقد تبين بما ذكرنا أن محبة الله إذا صدقت أوجبت محبة طاعته وامتثالها . وبغضه معصيته واجتنابها، وقد يقع المحب أحيانا في تفريط في بعض المأمورات وارتكاب لبعض المحظورات، ثم يرجع على نفسه بالملامة، وينزع عن ذلك ويتداركه بالتوبة . وفي "صحيح البخاري " أن رجلا كان يؤتى به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قد شرب الخمر، فقال رجل: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تلعنه; فإنه يحب الله ورسوله " .

وقد روي عن الشعبي في قوله عز وجل: إن الله يحب التوابين قال: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وإذا أحب الله عبدا لم يضره ذنبه " . وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: إن الله تعالى ليحب العبد حتى يبلغ من حبه إذا أحبه أن يقول له: "اذهب فاعمل ما شئت فقد غفرت لك " .

والمراد من هذا أن الله تعالى إذا أحب عبدا وقدر عليه بعض الذنوب فإنه يقدر له الخلاص منها بما يمحوها من توبة أو عمل صالح أو مصائب مكفرة . كما في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أذنب عبد ذنبا فقال: أي ربي عملت ذنبا فاغفر لي " فذكر الحديث إلى أن قال: "فليعمل ما شاء" . والمراد ما دام على هذا، كلما عمل ذنبا اعترف به وندم عليه واستغفر منه، فأما مع الإصرار عليه فلا، وكذلك المحبة الصادقة الصحيحة تمنع من الإصرار على الذنوب، [ ص: 508 ] وعدم الاستحياء من علام الغيوب . وما أحسن قول بعضهم:


تعصي الإله وأنت تزعم حبه .     هذا لعمري في القياس شنيع
لو كان حبك صادقا لأطعته .     إن المحب لمن يحب مطيع



التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث