الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

النظر الثاني ، في أحكام القسمة : وهي ثلاثة أقسام :

القسم الأول : في التداعي في القسمة ، في الكتاب : إذا ادعى بعد القسم غلطا مضى القسم ويحلف المنكر لأن الأصل عدم الغلط إلا أن تقوم بينة أو يتفاحش الغلط فينتقض لعدم الرضا به ، وقال الشافعية : إذا قلنا هي بيع لا تنفع دعوى الغلط ، ولو ادعى دخول ثوب في قسمه لم ينقض إذا أشبه قسم الناس ، وحلف المنكر ، وكذلك إذا تكافأت بيناتهما لأن الأصل عدم الاختلاط والغلط ، [ ص: 231 ] وليس كمن باع عشرة فقبضها المبتاع ثم ادعى البائع الغلط بالعاشر ، إن كانت قائمة انتفض البيع بعد أيمانهما بخلاف القسم لاتفاقهما في البيع على عدم دخوله في البيع ، والأصل : عدم العدوان ، ولو اقتسما دارا فتداعيا بيتا ليس بيد أحدهما تحالفا وتفاسخا لعدم تعينه لأحدهما ، ومن حاز البيت أو أقام بينة صدق لرجحان حجته ، ومن لزمته يمين فنكل لم يقض لغريمه حتى يحلف ليكمل السبب ، ولو قال كل واحد : الساحة من هنا ورفع إلى جهة صاحبه ، إن اقتسما البيوت على حدة والساحة على حدة تحالفا وفسخ قسم الساحة وحدها لعدم تعين القسم فيها على حالة ، وإن جمعها القسم تراضيا فسخ الجميع إن حلفا لعدم رجحان أحدهما . قال ابن يونس : قال أشهب : لا يمين على منكر الغلط كالكاتب على نفسه ذكر حق ، ثم يدعي الغلط في المحاسبة ، قال ابن حبيب : إذا ادعى الغلط بعد القسم وإن اقتسموا بالتراضي بغير سهم وهم جائزو الأمر لا ينظر إلى دعوى الغلط كان ببينة أو بغيرها ; لأنه كبيع التساوم ، ويلزم فيه الغبن ; فإن اقتسموا بالقرعة قبل قوله بالبينة وبتفاحش الغلط ، ويرد القسم كبيع المرابحة ، ولا يعدلوا الأنصباء على البقاء على سهامهم لكن يقسم ثانية ، ولو لم يكن الغلط إلا في نصيب واحد بزيادة لنقض القسم ; فإن فات نصيبه بالبناء رجع عليه من نقض سهمه بقيمة ذلك مالا ; فإن فات ببيع ولم يبين المبتاع نقض بيعه ورد القسم ; فإن بنى رجع ناقص السهم على البائع بقيمة ذلك مالا ; فإن لم يجد عنده شيئا رجع على المشتري بذلك مالا ، ورجع المشتري على البائع في ذمته ، قال أبو محمد : كيف يرجع على المشتري وبماذا يرجع بحصة الثمن أو القيمة ؟ فالذي أراد ابن حبيب : الرجوع بقيمة نقص سهمه ، قال ابن حبيب : وإن بنى الذي لم تقع الزيادة في سهمه ولا الذي الزيادة عنده انتقض القسم فيما لم يبق من السهام لعدم الفوت فيها ، وفي السهم الذي فيه الزيادة وما فات بالبناء فما لم يقع فيه غلط مضى ; وإنما [ ص: 232 ] قال في مسألة البيع : إذا كانت الثياب قائمة تحالفا وتفاسخا لأن الشقق الآخر اختلفا في ثمنها فيقول المبتاع : ثمنها تسعة أعشار الثمن ، ويقول البائع : بل جميع الثمن ; فإن فاتت الثياب بحوالة الأسواق حلف المبتاع أنه ما ابتاع إلا عشرة ، والبائع ما باع إلا تسعة ، ويأخذ ثوبا منها شقة بحصتها من الثمن المصادق عليه ; فإن فاتت بذهاب أعيانها : فإن كانت قيمة الثوب منها أكثر مما يخصها من الثمن فأقل حلف المبتاع ولزمه ما يخص تسعه ، وحلف البائع ، وأخذ قيمة الثوب ، وإن كانت قيمته مثل حصته من الثمن فأقل حلف المبتاع وبرئ ، قال ابن عبدوس : قال أشهب : في القسم : يتحالفان ويتفاسخان ، قال : وأنا أقول : يقتسمان هذا الثوب نصفين بعد أيمانهما .

قال اللخمي : دعوى الغلط أربعة أقسام : أحدها أن يعدلا ذلك بالقيمة والقرعة أو بغير قرعة ; فإن قال أهل المعرفة كان ذلك سواء ، أو قريبا فلا ينتقض القسم ، وصدق مدعي الوهم أو الغلط . وثانيها أن يقولا : هذه الدار تكافئ تلك الدار ، أو العبد يكافئ ذلك العبد ، من غير ذكر قيمة بقرعة أم لا فكالأول ; لأن مقصود ذلك التعديل وعدم الرضا بالغبن ، وكذلك هذه الدار تكافئ هذا المتاع أو هذا العبد ، وثالثها : خذ هذه الدار والعبد ، وأنا هذه الدار والعبد ، من غير تقويم وذكر مكافأة ; فإن كان القسم بالتراضي مضى القسم بالغبن كالبيع إلا على من قال : الغبن في البيع يرد ، وإن اقتسما بالقرعة عالمين بالتفاوت فسد القسم لاشتمال القرعة على الغبن ، وفسخ قهرا ، وإن لم يدع لذلك ; فإن طلبا التساوي جاز ، والقيام في ذلك كالعيب ; فإن قام به من عنده الغبن فسخت القسمة ، وإن رضي به مضت . ورابعها : الاختلاف في القسمة التي وقع عليها القسم ، يقتسمان عشرة أثواب يقول أحدهما : ستة لي بالقسم ، ويقول الآخر : بل خمسة ، وخمسة سلمته [ ص: 233 ] غلطا ، فيصدق الحائز له عند ابن القاسم مع يمينه إذا أتى بما يشبه لإقراره بدخوله في القسم ، والأصل : عدم الغلط ، ولادعائه وقوع القرعة فاسدة ، وتصرفات العقلاء محمولة على الصحة فيصدق مدعيها كالبيع ، وقال أشهب : لا يمين عليه إن قال الآخر : سلمته غلطا ، وإن قال : سلمته وديعة صدق مع يمينه أنه قاسم خمسة وخمسة ، وخير الآخر بين أسلامه أو يحلف أنه قاسمه ستة وأربعة ويتفاسخان ذلك الثوب وحده ، قال ابن حبيب : إن اقتسما بالتراضي لم ينظر إلى غيره ، وإن كثر الغلط كبيع المساومة يلزم ، أو بالقرعة بتعديل القسم لم يقبل قوله إلا بتفاحش الغلط ، ويرد القسم ، قال اللخمي : فإن أشكل القسم صدق من بيده السادس إن أقر الآخر أنه سلمه غلطا ، أو للإيداع تحالفا وتقاضى القسم كله . وإن حاز أحدهما صدق مع يمينه ; فإن نكل حلف الآخر وأخذه ، وأما اختلافهما في حد الجدار فيقول أحدهما : الحد من هاهنا ودفع عن جانبه ، وقال الآخر : من هاهنا ودفع إلى جانب صاحبه فقد تقدم ; فإن ادعى أحدهما معرفة الحد وشك الآخر صدق مدعي العلم ، واختلف في يمينه ; فإن شكا قسما المشكوك فيه لعدم رجحان أحدهما .

فرع

قال اللخمي : إن . . . . . . . القسم ووكلا ، ثم ادعيا غلط القاسم أو جوره رجع الأمر إلى السلطان ; فإن وجده على التعديل مضى ; فإن رضيا بالنقض استأنفا القرعة ، أو التراضي بالقسم امتنع لانتقالهم من معلوم معين إلى مجهول مستقبل ; وإن تراضيا بالنقض ليأخذ كل واحد شيئا معينا جاز ; وإن وجدوا على غير تعديله نقضا كان القسم برضا الورثة أو ببعثه من السلطان ، ولم ير مالك قسم القاسم كحكم الحاكم ; وإن كانا معا مجتهدين : فالحاكم لا ينقض اجتهاده باجتهاد غيره ، واختلف في نقضه هو إذا تبين الخطأ : ابن القاسم ينقضه هو وغيره إذا كان خطأ [ ص: 234 ] بينا لمخالفة النص ; لأنه إنما دعي إلى القسم بالتعديل ، والغلط يعرف قطعا ، وقال أشهب : هما سواء ، إذا تبين الغلط يرد ; وإن كان مما يكون من القسام جاز على من أسهم له ينظر في الحصص الباقية ; فإن كانت إذا أعيدت خرج على ما هو أحسن أعيد القسم . وينقض الأول ، وكذلك قال في القاضي إذا حكم بشاذ مباين للحق نقضه غيره ، أو قريب لم ينقض ; وإن لم يباين لم يكن لغير القاسم نقضه ، ولا ينتقض اجتهاده باجتهاد غيره ، واختلف هل ينقضه القاسم نفسه إذا تبين له أن غير الأول الصواب ; وإن كانت . . . . . على السهام فأعطي بعضهم ثم تبين أن غير ذلك أحسن ، أعيد القسم فيما اقترع عليه ، ويختلف فيما مضى هل ينقض أم لا ؟ وإذا لم يتبين الغلط حتى وقع هدم أو بناء على من يرجع عليه في الهدم شيء ، ويختلف هل بقيمة البناء أم لا ؟ لأنه بإذن الشريك .

قاعدة : المدعي إبراء من خالف أصلا كمدعي شغل الذمم ; لأن الأصل : براءتها لولادة كل أحد بريئا كمدعي رد الوديعة بغير بينة ، وقد أخذها ببينة ; فإن العادة تقتضي أنه إن أشهد عليه أشهد ، وكالوصي يدعي إنفاق ما يخالف العادة ، والمدعى عليه قوله موافق للأصل كالمدعى عليه شغل ذمته ، أو عرفا كاليتيم إذا بلغ فيما تقدم فيصير المدعى عليه الطالب لا المطلوب ، وقيل : المدعى عليه أرجح المتداعيين سببا ، وهو نحو الأول ، وهذه القاعدة تقرير قوله - عليه السلام : ( لو أعطي الناس بدعاويهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم ، ولكن البينة علي من ادعى واليمين على من أنكر ) فعلى هذه القاعدة يتخرج من يحلف ومن يطالب بالبينة في هذا الباب وفي غيره من أبواب الفقه .

[ ص: 235 ] فرع

قال مطرف : فإذا أخطأوا في القسم في الأرض فسخ ولا يعمل بينهم ، ولا يقرون عليه لأنه أقامه على تصرف فاسد كإقرار البيع الفاسد ، وكذلك لو لم يقع إلا في نصيب واحد لأعيد ما لم يفت ببناء من الذي وقع ذلك في سهمه فيرجع بقيمة نقضه مالا ، ولو باع ولم يبين رد البيع وفسخ القسم . فإن بنى المشتري رجع ناقض السهم على البائع بقيمة ذلك . . . . . . ورجع على المشتري مالا أيضا ، ورجع المشتري على البائع في ذمته ، فلو بنى غير الزائد السهم انتقض القسم فيما لم يبين ، وفي السهم الذي فيه الزيادة كما تقدم وما فات بالبناء مما لم يقع فيه الغلط يمضى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث