الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس

[ ص: 513 ] قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم (34) يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنـزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون

وفي الحديث المشهور عن ثوبان أنه قال: لما نزلت هذه الآية : والذين يكنزون الذهب والفضة فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "تبا للذهب والفضة" . قالوا: يا رسول الله، فما نتخذ؟ قال: "ليتخذ أحدكم قلبا شاكرا، ولسانا ذاكرا . وزوجة صالحة تعين أحدكم على إيمانه " .

قال بعضهم: إنما سمي الذهب ذهبا، لأنه يذهب، وسميت الفضة فضة لأنها تنفض، يعني تنفض بسرعة، فلا بقاء لهما، فمن كنزهما فقد أراد بقاء ما لا بقاء له، فإن نفعهما ما هو إلا بإنفاقهما في وجوه البر وسبل الخير .

وقال الحسن: بئس الرفيق الدرهم والدينار; لا ينفعانك حتى يفارقانك . فما داما مكنوزين فما يضران ولا ينفعان، وإنما نفعهما بإنفاقهما في الطاعات، قال الله تعالى: والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم والآية ذم ووعيد لمن يمنع حقوق ماله الواجبة من الزكاة وصلة الرحم وقرى الضيف والإنفاق في النوائب .

وفي "صحيح مسلم " عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما من صاحب [ ص: 514 ] ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار" .

وفي "صحيح البخاري " عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه، يعني شدقيه، ثم يقول: أنا مالك ، أنا كنزك " ثم تلا: ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السماوات والأرض

وفيه أيضا عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "يكون كنز أحدكم يوم القيامة شجاعا أقرع يفر منه يوم القيامة، ويطلبه، ويقول: أنا كنزك، فلا يزال يطلبه حتى يبسط يده فيلقمها فاه " .

وفي "صحيح مسلم " عن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما من صاحب كنز لا يفعل فيه حقه إلا جاء كنزه يوم القيامة شجاعا أقرع يتبعه فاتحا فاه، فإذا أتاه فر منه، فيناديه: خذ كنزك الذي خبأته فأنا عنه غني، فإذا رأى أن لا بد له منه سلك يده في فيه فيقضمها قضم الفحل " . والشجاع: الحية الذكر، والأقرع: الذي قد تمعط شعر فروة رأسه لكثرة سمه .

فلهذا ورد الشرع باكتناز ما يبقى نفعه بعد الموت من الإيمان والأعمال [ ص: 515 ] الصالحة والكلمات الطيبة، فإن نفع ذلك يبقى وبه يحصل الغنى الأكبر، قال ابن مسعود : نعم كنز الصعلوك سورة آل عمران يقوم بها من آخر الليل . وآخر سورة البقرة من كنز تحت العرش أعطيته هذه الأمة مع سورة الفاتحة . ولا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة .

وفي بعض الآثار الإسرائيلية: كنز المؤمن ربه، يعني أنه لا يكنز سوى طاعته وخشيته ومحبته والتقرب إليه، فمن كان كنزه ربه وجده وقت حاجته إليه، كما في وصية النبي - صلى الله عليه وسلم - لابن عباس : "احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة" .

أنت كنزي، أنت ذخري، أنت عزي، كيف أخشى الفقر إذا كنت أمني عند فقري، من كان الله كنزه فقد ظفر بالغنى الأكبر . قال بعض العارفين:


من استغنى بالله أمن من العدم . ومن لزم الباب أثبت في الخدم     ومن أكثر ذكر الموت أكثر من الندم .
تنقضي الدنيا والفتى فيها معنى     ليس في الدنيا نعيم ولا عيش مهنا .
يا غنيا بالدنانير فحب الله أغنى



التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث