الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 74 ] باب فرض الإبل السائمة

قال الشافعي رضي الله عنه : " أخبرنا القاسم بن عبد الله بن عمر ، عن المثنى بن أنس أو ابن فلان بن أنس - شك الشافعي - عن أنس بن مالك قال : هذه الصدقة " بسم الله الرحمن الرحيم هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين ، التي أمر الله جل وعز بها فمن سئلها على وجهها فليعطها ومن سئل فوقها فلا يعطه : في أربع وعشرين من الإبل فما دونها الغنم في كل خمس شاة ، فإذا بلغت خمسا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض ، فإن لم تكن بنت مخاض فابن لبون ذكر ، فإذا بلغت ستا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أنثى ، فإذا بلغت ستا وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الجمل ، فإذا بلغت إحدى وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة ، فإذا بلغت ستا وسبعين إلى تسعين ففيها ابنتا لبون ، فإذا بلغت إحدى وسبعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الجمل " .

قال الماوردي : إنما بدأ الشافعي بزكاة الإبل لأمرين .

أحدهما : أنها غالب أموالهم ، فبدأ بها لعموم الحاجة إليها .

والثاني : أن أعداد نصبها أسنان الواجب فيها فصعب ضبطه ، فبدأ بذكره لتقع العناية بمعرفته ، ثم روى الشافعي ما قدره رسول الله صلى الله عليه وسلم من نصبها ، وأبانه من فرضها ، وأثبته في صحيفة ، وأخذ بها عماله في حياته ، واقتدى بها خلفاؤه رضي الله عنهم من بعده صلى الله عليه وسلم ، وجملة من روى فريضة الصدقة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مستوفاة أربعة : علي بن أبي طالب عليه السلام ، وعبد الله بن عمر ، وعمرو بن حزم ، وأنس بن مالك رضي الله عنهم ، فأخذ الشافعي برواية أنس وابن عمر ، دون حديث علي وعمرو بن حزم لثلاثة أشياء .

أحدها : أن حديث أنس وابن عمر أصح سندا من حديث علي وابن حزم ، ولأن حديث أنس وارد من طريقين .

[ ص: 75 ] أحدهما : ما رواه الشافعي في صدر الباب عن المثنى بن أنس عن أنس بن مالك

والثاني : رواه محمد بن عبد الله الأنصاري عن حميد الطويل عن أنس بن مالك ، وحديث ابن عمر رواه أيضا من طريقين ثابتين .

أحدهما : عن يونس بن يزيد عن الزهري عن سالم عن ابن عمر .

والثاني : عن سفيان بن حسين عن الزهري عن سالم عن ابن عمر ، وأما حديث علي رضي الله عنه ، فوارد من طريقين ضعيفين .

أحدهما : عن عاصم بن ضمرة عن علي رضي الله عنه ، وكان عاصم ضعيفا ، والآخر الحارث الأعور عن علي رضي الله عنه ، وكان الحارث ضعيفا ، وكان الشعبي إذا روى عن الحارث قال : أخبرني الحارث الأعور وكان والله كذابا . وحديث عمرو بن حزم وارد من طريقين غير ثابتين .

أحدهما : أبو بكر بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده .

والثاني : يونس بن يزيد الأيلي قال : أقرأني سالم كتاب النبي صلى الله عليه وسلم الذي عند آل عمرو بن حزم في ذلك ، فلما كان حديث أنس وابن عمر أصح سندا من حديث علي عليه السلام وابن حزم ، كان الأخذ بهما ، والعمل عليهما أولى .

[ ص: 76 ] والثاني : أن حديث أنس وابن عمر عمل عليه إمامان ، أبو بكر وعمر كرم الله وجهيهما ، ولم يعمل على رواية علي عليه السلام وابن حزم أحد من الأئمة .

والثالث : أن في حديث علي عليه السلام ما اتفق على تركه ، وهو في خمس وعشرين : خمس شياه ، وحديث أنس وابن عمر مجمع على العمل به .

فإن قيل : لم خص رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة بأن كتبها في صحيفة دون سائرها من الفروض ؛ من الصلاة ومواقيتها ، والصيام وأحكامه ، والحج ومناسكه ، ولا اقتصر على القول كما اقتصر على القول في غيره ؟

قيل : يحتمل أن يكون فعل ذلك ؛ لأن الزكاة ونصبها ومقاديرها الواجب فيها وأسنان المأخوذ منها ، لما طال وصعب احتاج إليه بعض الناس دون سائرهم في كل عام مرة ، بخلاف الفروض المترادفة على الكافة ، أودع ذلك كتابا ليكون أحفظ له وأضبط ، فكانت نسخة ذلك في قراب سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقام بالأمر بعده أبو بكر رضي الله عنه ، أخذها من قراب سيفه فكان يعمل عليها مدة حياته ، ثم مات رضي الله عنه فعمل بها عمر رضي الله عنه مدة حياته .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث