الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل القول في إمكان الأداء هل هو شرط في الوجوب أو الضمان

فصل : القول في إمكان الأداء هل هو شرط في الوجوب أو الضمان ؟ فإذا تقرر توجيه القولين ، انتقل الكلام إلى التفريع عليهما وعلى اختلاف قوليه في إمكان الأداء هل هو من شرائط الوجوب أو من شرائط الضمان ؟ لأنهما أصلان متفقان ، وفي كل أصل منهما قولان ، وليس لهذين القولين تأثير مع بقاء المال وسلامته ، وإنما تأثيرهما مع تلف المال وعطبه ، وليس يخلو حال تلفه من أحد أمرين : إما أن يكون قبل الحول أو بعده ، [ ص: 91 ] فإن كان تلف المال قبل الحول ، فحكم التالف منه حكم ما لا يوجد ، فإن تلف جميع المال فلا زكاة ، وإن تلف بعضه اعتبر حكم باقيه إذا حال حوله ، فإن بلغ نصابا زكاه ، وإن نقص عن نصاب فلا زكاة ، فهذا حكم التالف قبل الحول .

وأما التالف بعد الحول فعلى ضربين .

أحدهما : أن يتلف بعد الحول وبعد إمكان الأداء ، فهذا الزكاة عليه واجبة ، سواء تلف بعض المال أو جميعه ، سواء قيل : إن الإمكان من شرائط الوجوب أو من شرائط الضمان ، لأنه بإمكان الأداء قد وجب عليه إخراجها وحرم عليه إمساكها ، وصار بعد الأمانة ضامنا كالوديعة التي يجب ردها فيضمنها المودع بحبسها .

وقال أبو حنيفة : لا ضمان عليه ؛ لأن إخراجها عنده على التراخي لا على الفور ، فيخرجها متى شاء . وهذا غلط ، بل إخراجها على الفور ؛ لأن ما وجب إخراجه وأمكن أداؤه لم يجز تأخيره ، كالودائع وسائر الأمانات .

والضرب الثاني : أن يكون التلف بعد الحول وقبل إمكان الأداء ، فذلك ضربان :

أحدهما : إن تلف جميع المال فلا زكاة عليه على القولين جميعا لا يختلف ، سواء قيل : إن الإمكان من شرائط الوجوب أو من شرائط الضمان ، لأنا إن قلنا : إن إمكان الأداء من شرائط الوجوب فقبل الإمكان لم تجب الزكاة ، وإن قلنا : إن الإمكان من شرائط الضمان فقد وجبت الزكاة بالحول غير أنها في يده أمانة للمساكين لا يضمنها إلا بالإمكان ، وإذا كانت في يده أمانة لم يلزمه ضمانها بالتلف كالوديعة .

والضرب الثاني : أن يتلف بعض المال ويبقى بعضه ، فعند ذلك يتضح تبيين القولين في كل واحد من الأصلين ، وسنذكر لفروعهما وبيان تأثيرهما فصلين .

أحدهما : في الغنم .

والثاني : في الإبل ، لنبني عليهما جميع الفروع ، فأما الفصل في الغنم فهو : أن يكون معه ثمانون شاة يحول عليها الحول ثم تتلف منها أربعون قبل إمكان الأداء وتبقى الأربعون ، فهذا ترتيب على الأصلين في إمكان الأداء وعفو الأوقاص ، وإن قلنا : إن إمكان الأداء من شرائط الوجوب فعليه شاة كاملة لوجود الإمكان وهو يملك أربعين ، وما تلف قبل الإمكان كما لم يكن ، وإن قلنا : إن الإمكان من شرائط الضمان ، وأن الوجوب بالحول انبنى ذلك على اختلاف قوله في الوقص هل له مدخل في الوجوب أم لا ؟ فإن قلنا : لا مدخل له في الوجوب ، وأن الشاة مأخوذة من الأربعين والزيادة عليها عفو فعليه شاة أيضا ؛ لأن ما لا يتعلق به الوجوب وجوده وعدمه سواء ، وإن قلنا : إن الوقص داخل في الوجوب وأن الشاة مأخوذة [ ص: 92 ] من الكل فعليه نصف شاة ؛ لأن الشاة وجبت في ثمانين ، فتلف نصفها أمانة لتلف نصف المال ، ووجب نصفها لبقاء نصف المال ، فحصل في قدر الزكاة من هذه المسألة وجهان : أحدهما : شاة .

والثاني : نصف شاة .

ولو حال الحول ومعه ثمانون فتلف منها قبل الحول ستون وبقي عشرون ، فيخرج زكاتها على ثلاثة أوجه :

أحدها : لا زكاة فيها إذا قلنا إن الإمكان من شرائط الوجوب .

والوجه الثاني : أن فيها نصف شاة إذا قيل : إن الإمكان من شرائط الضمان ، وأن الشاة وجبت في الأربعين والزيادة عليها عفو .

والوجه الثالث : أن فيها ربع شاة إذا قيل : إن الإمكان من شرائط الضمان ، وأن الشاة وجبت في الثمانين لبقاء ربعها وتلف ثلاثة أرباعها ، فهذا فصل في الغنم يوضح جميع فروعه ، وإنما ذكرناه وبدأنا به وإن لم يكن هذا موضعه ، لأنه أبين والتفريع عليها أسهل .

وأما الفصل في الإبل فينقسم قسمين : قسم يكون فريضة الغنم ، وقسم يكون فريضة الإبل ، وجواز كل واحد منهما دال على وجوب الآخر ، لكن في ذكرهما زيادة بيان .

فأما فريضة الغنم ، فكرجل كان معه تسع من الإبل حال حولها ، ثم تلف منها أربع قبل إمكان الأداء وبقي خمسة ، فإن قلنا : إن الإمكان شرط في الوجوب فعليه شاة ؛ لأن الوجوب حدث وهو يملك خمسا ، وإن قلنا : إن الوجوب بالحول والإمكان من شرائط الضمان فإن قلنا : إن الشاة مأخوذة من الخمس والزيادة عليها عفو ، فعليه شاة أيضا ، وإن قلنا إن الشاة مأخوذة من التسع فعليه خمسة أتساع المال ، فحصل في قدر زكاتها وجهان :

أحدهما : شاة كاملة .

والثاني : خمسة أتساع شاة ، فلو حال حول على تسع من الإبل ثم تلف منها قبل الإمكان خمس وبقي أربع ، ففي زكاتها ثلاثة أوجه :

أحدها : لا زكاة فيها . إذا قيل : إن الإمكان من شرائط الوجوب .

والثاني : فيها أربعة أخماس شاة إذا قيل : إن الإمكان من شرائط الضمان ؛ لأن الشاة مأخوذة من الخمس .

والوجه الثالث : أن فيها أربعة أتساع شاة إذا قيل : إن الشاة مأخوذة من التسع .

[ ص: 93 ] وأما الإبل التي فريضتها منها : فكرجل معه خمسة وثلاثون من الإبل حال حولها ، ثم تلف منها قبل الإمكان عشرة وبقي خمس وعشرون ، فإن قلنا : إن الإمكان من شرائط الوجوب فعليه بنت مخاض ، وإن قلنا إنه من شرائط الضمان : فإن قلنا إن بنت مخاض وجبت في خمس وعشرين ، والزيادة عليها عفو ، فعليه أيضا بنت مخاض ، وإن قلنا إنها وجبت في الخمس والثلاثين فعليه خمسة أسباع بنت مخاض ، لبقاء خمسة أسباع المال ، وفي قدر زكاتها وجهان :

أحدهما : بنت مخاض .

والثاني : خمسة أسباع بنت مخاض فلو حال حوله على خمس وثلاثين من الإبل ، ثم تلف منها قبل الإمكان خمسة عشر وبقي خمس وعشرون ، ففي قدر زكاتها ثلاثة أوجه : أحدها : أربع شياه ، إذا قيل : إن الإمكان من شرائط الوجوب .

والثاني : أربعة أخماس بنت مخاض ، إذا قيل : إن الإمكان من شرائط الضمان وأن بنت مخاض وجبت في خمس وعشرين .

والثالث : أربعة أسباع بنت مخاض ، إذا قيل إنها وجبت في خمس وثلاثين لبقاء أربعة أتساع المال وعلى هذا ، وقياسه يكون جواب ما يتفرع من المسائل على هذين الأصلين وبالله تعالى التوفيق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث