الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الباب الثالث في حكم المرتهن بعد القبض

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 107 ] الباب الثالث

في حكم المرتهن بعد القبض

قال في الكتاب : إذا ارتهن نصف ثوب ، فهلك الثوب عنده لم يضمن إلا نصفه كالمعطي لغريمه دينارا ليستوفي منه نصف دينار له عليه ، ويرد الباقي ، فزعم أنه ضاع ضمن النصف ، وهو أمين في الباقي ، ولا يحلف إلا أن يتهم .

فرع

قال : إذا استحق نصف الدار ، أو الدابة ، أو الثوب من يد المرتهن ، فباقيه رهن بجميع الحق لتناول عقد الرهن الرهن وأجزاءه كتناول الإيداع ، والغصب ، والعارية بالجملة ، والأجزاء . وإن أراد المستحق البيع باع الراهن والمرتهن معه ، ولا يسلم المرتهن الرهن لكن يباع وهو بيده ، فتصير حصة الراهن من الثمن رهنا بيد المرتهن بجميع الحق ، أو بيد من كان الرهن على يده . ولو ترك المستحق حصته بيد المرتهن ، وهو ثوب ثم ضاع لم يضمن المرتهن إلا نصف قيمته ; لأنه أمين للمستحق .

ولو وضع الراهن والمرتهن الرهن على يد المستحق ، أو غيره ، فضاع لم يضمن لخروجه من يده ، وبقي دينه بحاله . قال اللخمي : يراعى في استحقاق الرهن هل مضمون ، أو معين ؟ وهل المستحق قبل القبض ، أو بعده ؟ وهل غير المرتهن أم لا ؟ فغير المعين إذا أتى الراهن برهن ، ورضي المرتهن به فلم يقبضه حتى استحق أجبر الراهن على أن يأتي بغيره ، وإن استحق بعد القبض فعليه إخلافه عند سحنون كموته ، وقيل : لا ؛ كالبيع ، والأول أصوب ; لأن للمرتهن رهنا في الذمة ، والغرر في [ ص: 108 ] المضمون وغيره سواء . فإن كان معينا ، واستحق قبل القبض ، فقال ابن القاسم : يخير البائع في سلعته في إمضائها بغير رهن ، وردها إن كانت قائمة ، أو يأخذ قيمتها فائتة ، سواء أتى برهن آخر أم لا . وقال عبد الملك : إن تطوع برهن أجبر على قبوله ، وإلا خير على سلعته .

وعلى قول مالك لا مقال له في سلعته ، ولا قيمتها إن فاتت ، ولا رهن ولا غيره لقوله : إن تعدى الراهن ، فباع قبل القبض لا مقال للمرتهن ، وإذا سقط مقال في البيع ، فأولى في الاستحقاق . وإن استحق بعد القبض ، فلا مقال له إذا لم يغيره ، وإلا استوى قبل وبعد . واختلف في ذلك ، فقال ابن القاسم : لا يجبر الراهن على خلف ، وللمرتهن مقال في إمضاء سلعته ، وردها . وألزمه عبد المالك الخلف ، وخيره محمد ، فإن أخلف أجبر الآخر على القبول ، وإن لم يخلف عاد مقاله في سلعته ، وألزمه سحنون تعجيل الحق ، ورأى أن استحقاقه قبل القبض وبعده سواء ، والاستحقاق قبل القبض مخالف للموت ; لأن الموت طرأ بعد صحته ، والاستحقاق نقص له من أصله . ومتى غره خير بين إجباره على مثله ، أو يكون مقاله في سلعته كما تقدم . واختلف فيما يفيت السلعة ، فالمشهور حوالة الأسواق ، وقال محمد : لا يفيتها إلا العيوب المفسدة . ويلزمه إن باع سلعته بسلعة ، فاستحقت إحداهما أن لا يفيت الأخرى إلا العيوب ، وليس المرتهن أقوى من المشتري ، وقد تقدم بعض فروع الاستحقاق .

فرع

في الكتاب : ما وقع على يد عدل ، فضمانه من الراهن ، وما قبضه المرتهن مما لا يغاب عليه من ربع ، أو حيوان لا يضمنه المرتهن ، ويصدق في هلاكه ، وعطبه ، وإباقه ، أو حدوث عيب ، وما يغاب عليه يضمنه بالقبض إلا أن تقوم بينة على هلاكه من غير سببه بأمر من الله تعالى ، أو بتعدي أجنبي ، فذلك من الراهن . وله طلب المتعدي بالقيمة . ومتى أتى الراهن برهن ثقة أخذ القيمة ، وإلا جعلت القيمة رهنا .

في التنبيهات : قال ابن زمنين : يحلف فيما يغاب عليه لقد ضاع بغير دلسة دلسها فيه ، وما يعلم موضعه منذ ضاع . ووجه يمينه مع ضمانه ، فإن كان [ ص: 109 ] الغرم اليمين اتهامه على الرغبة فيه ، وعليه حمل بعض شيوخنا المدونة . وقال العتبي : لا يمين عليه ; لأنه يضمن ، فلا يجمع بين الغرم والحلف كالديون إلا أن يقول الراهن أخبرني صادق بكذبه ، وأنه عنده . وما يغاب عليه ، فقيل : يحلف على كل حال بخلاف المودع المختلف فيه ، وقيل : كالمودع تجري فيه الأقوال الثلاثة المعلومة ، وقيل : يحلف إن كان غير متهم ما فرطت ، ولا ضيعت ، ويزيد المتهم لقد ضاع . قال صاحب النكت : يحلف فيما يغاب عليه إذا لم يعلم إلا بقوله ، اتهم أم لا . وكذلك عارية ما لا يغاب عليه ، وبيع الخيار ، وضياع المشايد ( كذا ) ; لأن هذه الأشياء إنما أخذها لمنفعة نفسه بخلاف الوديعة المنفعة لغيره ، ولا يشكل عدم تحليف عامل القراض في دعوى الضياع إلا أن يكون متهما ، وإن قبض بمنفعة نفسه ; لأن منفعته غير متيقنة لتوقع عدم الربح ، ورأس المال الذي يرده منفعة له فيه .

قال ابن يونس : قوله عليه السلام : لا يغلق الرهن . قال مالك في الموطأ : معناه إن لم أقضك إلى الأجل ، فالرهن لك بما فيه . وفي الموازية : إن ضاع ما يغاب عليه ، ولم تعلم صفته ، ولا قيمته لا بقول الراهن ، ولا بقول المرتهن ، ولا غيرهما ، فلا طلب لأحدهما على الآخر ; لأنه قد يرهن في قيمته ، أو أقل ، أو أكثر ، فالعدل حمله على قيمته ; لأنه الوسط ، والقياس جعل قيمته من أدنى الرهون ; لأن الأصل براءة الذمة ، وقاله أشهب .

قال أصبغ : إن جهل المرتهن صفته ، ووصفه الراهن حلف ، فإن نكل بطل حقه ، وكان للراهن لما فيه . فلو شرط عدم ضمان ما يغاب عليه بطل لمنافاته لمقتضى العقد كما لو شرط الضمان في الوديعة ، وفي النكاح عدم الوطء ، وجوزهأشهب في العارية لقوله عليه السلام : المسلمون عند شروطهم . فإن شهدت البينة بهلاك ما يغاب عليه يضمن عند ابن القاسم لظهور البراءة ، ويضمن عند مالك ، وأشهب ، وكذلك العارية لقوله عليه السلام في سلاح صفوان : عارية مضمونة مؤداة ، أو لا بد من أدائها ، وإن شهد بهلاكها ، ولو شرط عدم ضمانه نفعه .

[ ص: 110 ] قاعدة : أسباب الضمان ثلاثة : الإتلاف كحرق الثوب ، والسبب للإتلاف كحفر البئر فيقع فيها ما يملك ، أو وضع اليد غير المؤمنة كيد الغاصب ، أو القابض المبيع الفاسد ، فتضمين الرهن اختلف في يمينه ، فقيل : وضع اليد ؛ لظاهر نص صفوان ، فلا يسقط الضمان بقيام البينة كالغاصب يقيم بينة ، وقيل : اتهامه في الإتلاف ، فتزول التهمة بالبينة . قال ابن يونس : قال ابن القاسم : وإنما يضمن قيمة ما ضاع وقت ضياعه لا وقت ارتهن ; لأن يده غير يد ضمان . قال اللخمي : يضمن كل ما يغاب عليه ، أو لا يستقل بنفسه .

وغير المضمون أربعة :

الأول : ما يغاب عليه ، ودخل على ألا يغيب عليه ، ويبقى في موضعه كثمار رءوس النخل ، والشجر ، والزرع القائم ، وما هو في الجرين ، والأندر لغيبة المرتهن عنه في الليل ، والنهار .

الثاني : ما يغاب عليه ، وهو مستقل بنفسه كالحيوان على اختلافه نحو الفرس ، والطير ، ويلزم على القول بضمان عارية الحيوان - ضمان الرهن . قال : وأرى ضمان ما يستخف ذبحه ، وأكله .

الثالث : ما يبان به ، ولا يغاب عليه كالسفن ترهن في ساحل البحر صغيرها ، وكبيرها ، وكذلك آلتها من الصاري ، والرجل ، والمري إذا دخل على بقائها في موضعها على الساحل ، أو غيره كالطعام في المخزن ، وكذلك أعدال الكتان في قاعات الفنادق ، فإن كان طعاما ، وزيتا مخزونا في دار الراهن ، ومفتاحه بيده ، أو طابعه عليه ، فهو في ضمان الراهن ، وكذلك إن كان في دار غيره ، أو في مخزن في الفندق لم يضمنه ، وإن كان مفتاحه بيده إلا أن يعلم أنه كان يتصرف إليه فينظر هل أخذ مثل ذلك ممكن في تكرره إليه أم لا ، وإن كان في مخزن المرتهن لم يصدق في ضياعه .

والرابع : ما لا يبان به ، وهو العقار على اختلاف أنواعه ، فإن فقد شيء من آلة الدار صدق في أنه لم يخن .

[ ص: 111 ] نظائر : قال اللخمي : واختلف في خمس مسائل : في سقوط الضمان ، وقيام البينة ، وشرط عدم الضمان ، أو اشترط الراهن الضمان فيما لا يغاب عليه ، فأسقطه ابن القاسم ، وضمان ما أصاب الرهن من سوس ، أو قرض فأر ، أو حرق نار ، فأسقطه مالك في سوس السجة . قال : ويحلف : ما أضعت ، ولا أردت فسادا ، وإن أغلفه ولم ينفضه ضمنه ابن القاسم ، وأرى أن عليه نفضه . قال : والقياس عدم الضمان ; لأن النفض لم يقتضه عقد الرهن إلا أن تكون عادة ، وأما الخشب ونحوه فضمانه من الراهن ; لأن سوسه لا من عدم التفقد .

تمهيد : قال ( ح ) : يضمن مطلقا مما يغاب أم لا ، قامت بينة أم لا ، هلك بيد المرتهن ، أو وضعوه على يد عدل ، ويضمن الأقل من قيمته ، أو الدين ، ونقض أصله بقوله : ولد المرهونة المتجدد بعد الرهن مرهون ، وهو غير مضمون ، وبقوله : الرهن في ضمان الدرك لا يضمن ، وبقوله : الرهن بأجرة النائحة غير مضمون ، وبقوله : لو رهن من غاصب لم يعلم له لم يضمن ، ونقض هذه النقوض بقوله : المقبوض على حكم الرهن الفاسد مضمون كما لو قبض رهنا بدين مجهول على أصله .

وقال ( ش ) : لا يضمن ما يخفى ، ولا ما لا يخفى ، قامت بينة أم لا ، في يد المرتهن أم لا ، وجعله أمانة مطلقا إلا في دعوى الرد . ومنشأ الخلاف بينهما أنه عند ( ش ) توثيق محض ، وعند ( ح ) توثيق وتعليق للدين بالرهن . ولما فرق أصحابنا بين ما يغاب عليه وغيره كان عسيرا لقياس الشافعية ما يغاب على غيره ، وقياس الحنفية على العكس ، فتعين الاستدلال .

ولنا على ( ش ) قوله عليه السلام : على اليد ما أخذت حتى ترده . وعلى ظاهره في اللزوم خص بما أجمعنا على عدم الضمان فيه فيبقى حجة في صورة [ ص: 112 ] النزاع . وقوله : حتى ترده أي إن وجد ، وإلا فالقيمة تقوم مقامه ، ولذلك سميت قيمة ، وإلا فالمضمون لا يرد إذ المردود غير مضمون مع أن هذا الحديث ضعفه الدارقطني ، ومعارض بقوله عليه السلام : الرهن من راهنه ، له غنمه ، وعليه غرمه . فيدل على عدم الضمان على المرتهن بقوله : من راهنه ، والمفهوم من ذلك أي من ضمانه ، وبقوله : عليه غرمه ، وهو عام في ذاته ، وأجزائه .

ويمكن الجواب بأن المراد بالغرم النفقة لكونه جعل قبالة الغلة إذ قبالة العدم الوجود ، وقبالة الغلة النفقة ، وهو ظاهر ; لأن الغرم لا يصدق على الهلاك . وكذلك قوله منه أي كلفته مأخوذة منه ، أو معناه : من ملك الراهن حذرا من قولهم إنه انتقل لملك المرتهن بالدين ، فنفى - عليه السلام - . ويفسره قوله - عليه السلام - : لا يغلق الرهن . ويظهر بمجموع الحديثين مذهبنا ، فنحمل أحدهما على ما يغاب عليه ، والآخر على ما لا يغاب عليه فيكون قولنا أولى . ويتأكد هذا الجمع بأن خلافه خلاف الإجماع فيتعين ; لأن كل من قال بالجمع قال به ، ولأن المقبوضات منها ما هو أمانة محضة ، وضابطه ما كان المنفعة فيه للمالك كالوديعة ، أو جل النفع له كالقراض ، ومنها ما هو مضمون لا أمانة فيه ، وضابطه ما كان النفع فيه للقابض كالقرض ، والمبيع ، أو تعديا كالغصب ، ومنها ما هو متردد بين القسمين كالرهن ، فنفع الراهن الصبر عليه لأجله ، ونفع المرتهن التوثق ، وشبه الضمان أقوى بوجوه : منها أن المرتهن أحق به ، وليس للراهن التصرف فيه ، ومنها أن تعلق الحق برقبته كالجاني ، ومنها حبسه للاستيفاء والبيع كالمبيع في يد البائع ، ومنها أنه لا يقبل قوله في رده كالغاصب بخلاف المودع ، ومنها لا يثبت إلا عن مال في [ ص: 113 ] الذمة كالمعاوضات ، ومنها أنه شرط في أصل البيع كالثمن ، فهذه ستة أوجه ، وشبه الأمانة نفع الراهن ، والصبر إلى الأجل ، وإباحته له بغير عوض .

وإذا تقرر هذا ، فنحن نجعل كونه مغيبا عليه مرجحا للضمان لكونه مظنة التهمة ، فهو مناسب ، ولاحظ القياس على الشهادة بجامع التوثق ، والقياس على الوديعة ، والشركة ، والمضاربة ، والوكالة ، فالقبض في هذه كلها لا يوجب ضمانا . وجوابه أن الشاهد لم يقبض شيئا يضمنه فافترقا ، وعن الثاني : الفرق بأن القبض هناك في تلك الصور لحق الدافع . واحتج ( ح ) بأن رجلا رهن فرسا له ، فنفق عند المرتهن ، فقال له النبي عليه السلام : ذهب حقك ، ولا يريد ذهب حقك من التوثق ; لأنه معلوم بالمشاهدة فيتعين الدين ، ولأنه إجماع الصحابة رضي الله عنهم . قال عمر - رضي الله عنه - : الرهن مضمون بأقل الأمرين ، وقال علي - رضي الله عنه - : يترادان الفضل بينهما ، وقال أنس - رضي الله عنه - : الرهن بما فيه ، ولأنه محبوس بحق ، فسقط الدين بتلفه كالمبيع في يد البائع ليقبض الثمن ، أو قياسا على موت الجاني بعد تعلق الجناية به ، ومقبوض يضمن فيه ما يغاب فيضمن غيره كالبيع .

والجواب عن الأول : منع الصحة ، فقد ضعفه المحدثون ، سلمنا الصحة لكن ذهب حقه من التوثق أي لا يجب الإتيان برهن آخر . وعن الثاني : أن قولهم معارض بقول غيرهم ، أو يحمل على ما يغاب عليه . وعن الثالث : أنه ينتقض بالعين المستأجرة ، فإنها محبوسة بحق مالكها ، ولا ضمان . وعن الرابع : نقضه بالكفيل ، فإن الحق تعلق به ، وموته لا يسقط الحق ، ثم الفرق أن الجاني تعلق الحق بعينه ، وفي الرهن بالذمة بدليل لو زادت الجناية على قيمة الرقبة لم يكن للمجني المطالبة بالفضل ، وعن الخامس : الفرق أن المبيع أخذه المشتري لمنفعة نفسه فقط ، والرهن فيه الشائبتان كما تقدم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث