الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب قول الله تعالى وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح

التالي السابق


في رواية الأصيلي وكريمة سبق من قوله : وابتلوا اليتامى إلى قوله : نصيبا مفروضا ، وفي رواية أبي ذر من قوله : فإن آنستم منهم رشدا إلى آخرها ، أعني إلى قوله : نصيبا مفروضا . قوله : وابتلوا اليتامى ، أي : اختبروهم ، قاله ابن عباس ، ومجاهد ، والحسن ، والسدي ، ومقاتل بن حيان . قوله : حتى إذا بلغوا النكاح قال مجاهد : يعني : الحلم ، وقال الجمهور من العلماء : البلوغ في الغلام تارة يكون بالحلم ، وهو أن يرى في منامه ما ينزل به الماء الدافق الذي يكون منه الولد ، وقد روى أبو داود في ( سننه ) عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ، قال : حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يتم بعد احتلام ، ولا صمات يوم إلى الليل ، أو يستكمل خمس عشرة سنة ، وأخذوا ذلك من حديث عبد الله بن عمر عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة ، فلم يجزني ، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة ، فأجازني . قوله : رشدا أي صلاحا في دينهم وحفظا لأموالهم ، كذا روي عن ابن عباس ، ومجاهد ، والحسن البصري ، وغير واحد من الأئمة . قوله : ولا تأكلوها إسرافا وبدارا ، يعني : من غير حاجة ضرورية إسرافا ومبادرة قبل بلوغهم ، والخطاب للأولياء ، والأوصياء ، فانتصاب إسرافا وبدارا على الحال ، أي : مسرفين ، ومبادرين . قوله : أن يكبروا ، أي : حذرا من أن يكبروا ، أي : يبلغوا ، ويلزموكم بالتسليم إليهم . قوله : فليستعفف ، أي : بماله عن مال اليتيم ، يقال : استعفف وعف إذا امتنع ، ويقال : معناه من كان في غنية عن مال اليتيم فليتعفف عنه ، وقال الشعبي : هو عليه كالميتة ، والدم . قوله : ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف ، وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا محمد بن سعيد الأصبهاني ، حدثنا علي بن مسهر ، عن هشام ، عن عائشة قالت : أنزلت هذه الآية في والي اليتيم ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف بقدر قيامه عليه ، وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الوهاب ، حدثنا حسين ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ليس لي مال ، ولي يتيم ، فقال : كل من مال يتيمك غير مسرف ، ولا مبذر ، ولا متأثل مالا ، ومن غير أن تقي مالك ، أو قال : تفدي مالك ، وفي كيفية الأكل بالمعروف أن يأكل بأطراف أصابعه ، ولا يسرف ، ولا يلبس من ذلك ، قاله السدي ، وقال النخعي : لا يلبس الكتان ، ولا الحلل ، ولكن ما يستر العورة ، ويأكل ما يسد الجوعة ، وقيل : هو أن يأكل من ثمر نخله ، ولبن مواشيه ، ولا قضاء عليه ، فأما الذهب ، والفضة ، فلا ، فإن أخذ منه شيئا ، فلا بد أن يرده عليه ، قاله الحسن ، وجماعة ، وقال القرطبي : إن كان غنيا ، فأجره على الله ، وإن كان فقيرا فليأكل بالمعروف ، وينزل نفسه منزلة الأجير فيما لا بد له منه ، وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه : نزلت نفسي من مال الله تعالى بمنزلة [ ص: 59 ] مال اليتيم ، فإن استغنيت استعففت ، وإن افتقرت أكلت بالمعروف ، وإذا أيسرت قضيت ، وقال الفقهاء : له أن يأكل أقل الأمرين أجرة مثله ، أو قدر حاجته ، واختلفوا : هل يرد إذا أيسر على قولين عند الشافعية ، أحدهما لا ; لأنه أكل بأجرة عمله ، وكان فقيرا ، وهذا هو الصحيح عندهم ; لأن الآية أباحت الأكل من غير بدل ، وقال ابن وهب : حدثني نافع بن أبي نعيم القاري ، قال : سألت يحيى بن سعيد الأنصاري ، وربيعة عن قول الله تعالى : ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف قالا : ذلك في اليتيم إن كان فقيرا أنفق عليه بقدر فقره ، ولم يكن للولي منه شيء ، وذكر ابن الجوزي أن هذه الآية محكمة ، وقيل : منسوخة بقوله ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ولا يصح ذلك ، ( قلت ) : القائل بأنها منسوخة زيد بن أسلم . قوله : فأشهدوا عليهم يعني : بعد بلوغهم الحلم وإيناس الرشد ، والإشهاد من باب الندب خوف الإنكار منهم ، وقيل : إن الإشهاد منسوخ بقوله : وكفى بالله حسيبا أي : شهيدا ، أو كافيا من الشهود ، وهذا قول أبي حنيفة إن القول قول الوصي في الدفع ، وقيل : معناه عالما ، وقيل : محاسبا ، وقيل : مجازيا ، والباء في كفى بالله صلة ، وحسيبا منصوب على الحال ، وقيل : على التمييز . قوله : للرجال نصيب قال سعيد بن جبير ، وقتادة كان المشركون يجعلون المال للرجال الكبار ، ولا يورثون النساء ، ولا الأطفال شيئا ، فأنزل الله للرجال نصيب ، وفي ( خلاصة البيان ) ، مات أوس بن ثابت الأنصاري وترك ثلاث بنات وامرأة ، فقام رجلان من بني عمه ، فأخذا ماله ، ولم يعطيا امرأته ، ولا بناته شيئا ، فجاءت امرأته إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكرت له ذلك ، فنزلت هذه الآية ، وكانوا يورثون الرجال ممن طاعن بالرمح وحاز الغنيمة ، فأبطل الله ذلك ، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهما ، وقال : ( لا تفرقا من مال أوس شيئا ، فإن الله جعل لبناته نصيبا ) ، ولم يبين كم هو حتى أنظر ما ينزل فيهن ، فأنزل الله تعالى يوصيكم الله الآية ، قال : الذهبي : أم كجة زوجة أوس بن ثابت فيها نزلت آية المواريث ، وقال أيضا : قتل أوس يوم أحد رضي الله تعالى عنه . قوله : مما قل منه أو كثر أي : الجميع فيه سواء في حكم الله تعالى يستوون في أصل الوراثة وإن تفاوتوا بحسب ما فرض الله لكل واحد منهم بما يدلي به إلى الميت من قرابة ، أو زوجة ، أو ولاء ، فإنه لحمة كلحمة النسب . قوله : مفروضا ، أي : مقدرا . قوله : حسيبا ، يعني : كافيا ، كذا وقع للأكثرين وسقط لفظ يعني في رواية أبي ذر .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث