الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 188 ] باب ما يسقط الصدقة عن الماشية

قال الشافعي رضي الله عنه : " يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في سائمة الغنم زكاة وإذا كان هذا ثابتا فلا زكاة في غير سائمة . وروي عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ليس في البقر والإبل العوامل صدقة حتى تكون سائمة ، والسائمة الراعية . وذلك أن يجتمع فيها أمران : أن لا يكون لها مؤنة في العلف ، ويكون لها نماء الرعي ، فأما إن علفت فالعلف مؤنة تحبط بفضلها وقد كانت النواضح على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خلفائه ، فلم أعلم أحدا روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ منها صدقة ولا أحدا من خلفائه " .

قال الماوردي : وهذا كما قال :

الماشية ضربان : سائمة ومعلوفة . فالسائمة : الراعية ، وسميت سائمة لأنها تسم الأرض برعيها ، والسمة العلامة ، ولهذا قيل لأول المطر : وسمي ؛ لأنه يعلم الأرض بآثاره ، فالسائمة من الماشية فيها الزكاة إجماعا .

فأما المعلوفة من الغنم والعوامل من الإبل والبقر فلا زكاة فيها عند الشافعي ، وبه قال علي بن أبي طالب ، وجابر بن عبد الله ، ومعاذ بن جبل ، وهو مذهب الثوري وأبي حنيفة وجمهور الفقهاء .

وقال مالك : الزكاة فيها واجبة كالسائمة .

وقال داود بن علي : معلوفة الغنم لا زكاة فيها ، ومعلوفة الإبل والبقر فيها الزكاة ، لقوله " في سائمة الغنم زكاة " فخصها بالذكر فوجب اختصاصها بالحكم ، واستدل من أوجب زكاة المعلوفة بعموم قوله صلى الله عليه وسلم في أربعين شاة شاة ولم يفرق . قالوا : ولأنه حيوان يجوز في الأضحية فجاز أن تجب فيه الزكاة كالسائمة ، قالوا : ولأنه لا فرق بين السائمة والمعلوفة إلا في قلة المؤنة في السائمة ، وكثرتها في المعلوفة ، وقلة المؤنة وكثرتها لا تؤثر في إسقاط الزكاة ، وإنما تؤثر في قدر الزكاة ، ألا ترى أن الزروع والثمار إذا كثرت مؤنتها بالسقي قلت زكاتها ، وإذا قلت مؤنتها كثرت زكاتها ، فكان تأثير المؤنة في تغيير القدر لا في إسقاط الفرض .

[ ص: 189 ] ودليلنا ما روى أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : في سائمة الغنم الزكاة فقال الشافعي : للغنم صفتان : السوم ، والعلف ، فلما علق وجوب الزكاة بإحدى الصفتين انتفت عن الأخرى ، فصرح بدليل الخطاب في هذا الموضع ، وروى عاصم بن ضمرة عن علي عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ليس في العوامل صدقة وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ليس في العوامل صدقة .

وروى مجاهد ، عن طاوس ، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ليس في البقر العوامل صدقة . فهذه الأخبار الثلاثة نصوص لا يمكن دفعها . فإن قالوا : إنما لم تؤخذ منها زكاة لأنها لم تبلغ نصابا في الغالب . ففيه جوابان :

أحدهما : أنا إن سلمنا ذلك لهم غالبا في البقر فليس بغالب في الإبل ، وقد يملك دون النصاب سائمة ، وتمام النصاب معلوفة ، فيصيران نصابا كاملا ، فعلم أن نصه على العوامل لسقوط الزكاة فيها لا غير .

والثاني : أنه خص المعلوفة بنفي الزكاة عنها ، وحمل الخبر على ما دون النصاب يسقط فائدة التخصيص ؛ لأن المعلوفة والسائمة يتساويان في ذلك .

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : لا صدقة في الإبل الجارة ولا القتوبة .

والجارة التي تجر بأزمتها وتقاد .

والقتوبة : التي يوضع على ظهورها الأقتاب ، هكذا قال ابن قتيبة في " غريب الحديث " ولأنه جنس تجب الزكاة في عينه بحول ونصاب ، فوجب أن يشرع نوعين : نوع تجب فيه الزكاة ، ونوع لا تجب فيه الزكاة ، كالذهب والفضة ، ولأنه مبتذل في مباح فوجب أن لا تجب فيه الزكاة ، كالثياب والعقار ، ولأن الزكاة إنما تجب في الأموال النامية كالمواشي والزروع .

وتسقط في غير النامية كالآلة والعقار ، والعوامل مفقودة النماء في الدر والنسل ، وإنما ينتفع بها على غير وجه النماء ، كما ينتفع بالعقار على جهة السكنى ، فوجب أن تسقط عنها الزكاة كسقوطها عن العقار .

[ ص: 190 ] فأما استدلالهم بعموم الخبر فأخبارنا تخصه ، وأما قياسهم على السائمة فالمعنى فيها حصول الدر والنسل ، وأما قولهم : إن كثرة المؤنة تؤثر في قدر الفرض لا في إسقاطه ، فالجواب عنه : إنما لم تسقط الزكاة عنها لكثرة المؤنة ، وإنما أسقطناها لفقد النماء والله أعلم بالصواب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث