الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 56 ] باب الآنية

قال الشافعي رحمه الله : " ويتوضأ في جلود الميتة إذا دبغت " واحتج بقوله عليه السلام : " أيما إهاب دبغ فقد طهر " كذلك جلود ما لا يؤكل لحمه من السباع إذا دبغت إلا جلد كلب أو خنزير ، لأنهما نجسان وهما حيان .

قال الماوردي : وإنما بدأ بأواني الجلود لاختلاف أحكامها واختلاف الفقهاء فيما يطهر منها ، وللكلام فيها مقدمتان .

أحدهما : أن الحيوان كله طاهر إلا خمسة : وهي الكلب ، والخنزير ، وما تولد من كلب وخنزير ، وما تولد من كلب وحيوان طاهر ، وما تولد من خنزير وحيوان طاهر ، وسيأتي الدليل على تنجيسها في موضعه ، وما سواها من الحيوانات كلها من دوابه وطائره طاهر في حياته .

والمقدمة الثانية : أن الميتة كلها نجسة إلا خمسة أشياء : وهي الحوت ، والجراد وابن آدم على الصحيح من المذهب والجنين إذا مات بعد ذكاة أمه ، والصيد إذا مات في يد الجارح بعد إرسال مرسله ، وسندل على طهارتها . وما سواها من الميتة كلها نجسة فإذا ثبتت هاتان المقدمتان ، فكل ما كان طاهرا بعد موته جاز استعمال جلده قبل دباغه إلا ابن آدم فإن الانتفاع بشيء من جسده بعد الموت محرم لحرمته ، وليس للجراد جلد يوصف بالانتفاع به ، والحوت فقد يكون لبعضه من البحري جلد ينتفع به .

فصل ؟ وأما الحيوان فما كان منه نجسا في حياته من الحيوانات الخمسة لا يطهر جلد شيء منها بذكاته ولا بدباغه ، ولا يجوز استعماله في ذائب ولا يابس .

وقال أبو يوسف ، وداود : يطهر جلود جميعها بالدباغة .

[ ص: 57 ] وقال أبو حنيفة : يطهر جلد الكلب دون الخنزير استدلالا بعموم قوله عليه السلام :

" أيما إهاب دفي فقد طهر " ، ولأنه حيوان يجوز الانتفاع به حيا فجاز أن يطهر جلده بالدباغ كالبغل ، والحمار .

قال : ولأنه حيوان مختلف في جواز أكله فوجب أن يطهر جلده بالدباغ قياسا على الضبع .

ودليلنا عموم قوله عليه السلام : " لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب " ، ولأنه حيوان نجس في حياته فلم يطهر جلده بالدباغ كالخنزير ، ولأن كل ما لم يطهر من الخنزير لم يطهر من الكلب كاللحم ، ولأن النجاسة إنما تزول بالمعالجة إذا كانت طارئة على محل طاهر كالثوب النجس فأما إذا كانت لازمة لوجود العين في ابتداء ظهورها فلا يطهر بالمعالجة كالعذرة والدم ، ونجاسة الكلب لازمة لا طارئة ، ولأن الحياة أقوى في التطهير من الدباغة لتطهرها جميع الحيوان حيا واختصاص الدباغة بتطهير جلدها منفردا فلما لم يؤثر الحياة في تطهير الكلب فالدباغة أولى أن لا تؤثر في تطهير جلده فأما عموم قوله عليه السلام فمخصوص بدليلنا ، فأما قياسهم على البغل والحمار فالمعنى فيه : طهارته حيا وكذلك الضبع .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث