الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 392 ] كتاب الحوالة 1227 - مسألة :

روينا من طريق البخاري ، ومسلم ، قال البخاري : نا عبد الله بن يوسف نا مالك عن أبي الزناد عن الأعرج ; وقال مسلم : نا ابن رافع نا عبد الرزاق نا معمر عن همام بن منبه - ثم اتفق الأعرج ، وهشام ، وكلاهما عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : { مطل الغني ظلم وإذا اتبع أحدكم على مليء فليتبع } .

وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم ما سنذكره إن شاء الله تعالى في " كتاب البيوع " بإسناده أنه قال : { إذا ابتعت بيعا فلا تبعه حتى تقبضه } . فوجب من هذين النصين : أن كل من له عند آخر حق من غير البيع لكن من ضمان غصب أو تعد بوجه ما ، أو من سلم سلم فيه ، أو من قرض ، أو من صلح ، أو إجارة ، أو صداق ، أو من كتابة ، أو من ضمان ، فأحاله به على من له عنده حق من غير البيع ، لكن بأحد هذه الوجوه المذكورة .

ولا نبالي من وجه واحد كان الحقان ، أو من وجهين مختلفين ، وكان المحال عليه يوفيه حقه من وقته ولا يمطله : ففرض على الذي أحيل أن يستحيل عليه ، ويجبر على ذلك ، ويبرأ المحيل مما كان عليه .

ولا رجوع للذي أحيل على الذي أحاله بشيء من ذلك الحق - انتصف ، أو لم ينتصف - أعسر المحال عليه إثر الإحالة عليه أم لم يعسر ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره باتباع المحال عليه ، ولا يجوز له اتباع غيره ، فإن غره وأحاله على غير مليء - والمحيل يدري أنه غير مليء أو لا يدري - : فهو عمل فاسد ، وحقه باق على المحيل كما كان ، لأنه لم يحله على مليء ، ولا تجوز الحوالة إلا على مليء بنص الخبر . [ ص: 393 ] وقال الشافعي : لا يرجع المحيل في كل ذلك - وهذا خطأ لما ذكرناه وقال أبو حنيفة : ومالك كقولنا ، فإن كان أحد الحقين من بيع والآخر من غير بيع ، نظر : فإن كان الحق على المحيل من غير بيع ، وكان حق المحيل على المحال عليه من بيع أو غير بيع : جازت الحوالة .

فإن كان الحق على المحيل من بيع لم يجز إلا بوجه التوكيل فيوكله على قبض حقه قبله ، فإن قبضه للموكل له ، فحين مصيره بيده صار قابضا ذلك الحق لنفسه ، وبرئ المحيل .

وإن لم يقدر على قبضه لمانع ما ، أي مانع كان ؟ رجع المحيل بحقه ، لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ابتعت حتى تقبضه .

وأما براءة ذمة الموكل إذا قبض الوكيل الحق فلأنه مأمور بأن يقضيه لنفسه إذا صار بيده ، فإن فعل فقد استوفى حقه ، وإن لم يفعل فقد اعتدى إذ ضيع مال موكل ، فلزمه ضمانه بالتضييع ، [ فصار ضمانه بالتضييع ] فصار مثله عليه لموكله في ذمته .

وقال أبو حنيفة : إن جحد المحال عليه الحوالة ولم تقم عليه بينة وحلف : رجع الذي أحيل على المحيل بحقه ، وكذلك إن مات المحال عليه ولا مال له ، وقال أبو يوسف ، ومحمد : وكذلك إذا أفلس - القاضي المحال عليه وأطلقه من السجن أيضا .

قال أبو محمد : هذا قول فاسد لمخالفته أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأنهم مجمعون معنا على أن الحوالة إذا صح أمرها فقد سقط الحق عن المحيل ، وإذ قد أقروا بسقوطه فمن الباطل رجوع حق قد سقط بغير نص يوجب رجوعه ، ولا إجماع يوجب رجوعه - فإن قالوا : قد روي عن عثمان أو قال في الحوالات : ليس على مال مسلم توا .

ومن طريق عبد الرزاق عن معمر أو غيره عنه عن قتادة عن علي بن أبي طالب أنه قال في الذي أحيل : لا يرجع صاحبه إلا أن يفلس ، أو يموت . وهو قول شريح ، والحسن ، والنخعي ، والشعبي ، كلهم يقول : إن لم ينصفه رجع على المحيل .

وعن الحكم : لا يرجع على المحيل إلا أن يموت المحال عليه قبل أن ينتصف ، فإنه يرجع إلى المحيل ؟ [ ص: 394 ] قلنا : لا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف وقد روينا من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن علي بن عبيد الله عن سعيد بن المسيب : أنه كان لأبيه المسيب دين على إنسان ألفا درهم ، ولرجل آخر على علي بن أبي طالب ألفا درهم ، فقال ذلك الرجل للمسيب : أنا أحيلك على علي وأحلني أنت على فلان ، ففعلا فانتصف المسيب من علي وتلف مال الذي أحاله المسيب عليه فأخبر المسيب بذلك علي بن أبي طالب فقال له علي : أبعده الله - فهذا خلاف الرواية عن عثمان ، والذي ذكرنا عن علي ، وهذه موافقة لقولنا .

وإذا اختلف السلف فليس بعض ما روي عنهم بأولى من بعض باتفاقكم معنا في ذلك ولسنا نرى إحالة من لا حق للمحال عنده ، لأنه أكل مال بالباطل : وإنما يجوز عندنا مثل فعل علي ، والمسيب رضي الله عنهما على الضمان ، فإنه إذا ضمن كل واحد من الغريمين ما على الآخر من غير شرط جاز ذلك ، ولزم ، وتحول الحق الذي على كل واحد منهما على الآخر .

وقال أبو حنيفة : ومالك : لا يجبر المحال على قبول الحوالة - واحتجوا في ذلك بأن قالوا : لو وجب إجباره لوجب أيضا إذا أحاله المحال عليه على آخر أن يجبر على اتباعه ، ثم إذا أحاله ذلك على آخر أن يجبر أيضا على اتباعه ، وهذا أبدا .

قال أبو محمد : هذه معارضة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي هذا ما فيه ، فكيف والذي اعترضوا به فاسد ؟ لأنه مطل من غني ، أو حوالة على غير مليء ، ومطل الغني ظلم ، والحوالة على غير مليء لم يؤمر بأن يقبلها ، وإنما الحوالة على من يعجل الإنصاف بفعله لا بقوله ، وإلا فليست حوالة بنص الحديث

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث