الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الدين مع الصدقة وزكاة اللقطة وكراء الدور والغنيمة

[ ص: 309 ] باب الدين مع الصدقة وزكاة اللقطة وكراء الدور والغنيمة

مسألة : قال الشافعي رحمه الله تعالى : " وإذا كانت له مائتا درهم وعليه مثلها ، فاستعدى عليه السلطان قبل الحول ولم يقض عليه بالدين حتى حال الحول ، أخرج زكاتها ثم قضى غرماءه بقيتها " .

قال الماوردي : وهذا كما قال إذا كان معه مائتا درهم نقدا ، وعليه مثلها دينا فهذا على ضربين :

أحدهما : أن يملك عرضا أو عقارا بقيمة المائتين الدين فهذا عليه زكاة المائتين التي بيده لا يختلف .

والضرب الثاني : أن لا يملك سوى المائتين التي بيده ، وقد حال حولها وعليه مثلها ، فهذا على ضربين .

أحدهما : أن يكون ما عليه من الدين مؤجلا ، فعليه زكاة ما بيده لا يختلف .

والضرب الثاني : أن يكون ما عليه من الدين حالا ، ففي وجوب زكاة ما بيده قولان : أحدهما : نص عليه في القديم ، وفي اختلاف العراقيين من الجديد أن ما عليه من الدين يمنع وجوب زكاتها ، فلا تجب فيه الزكاة ، وبه قال من الصحابة عثمان بن عفان - رضي الله عنه - ومن التابعين الحسن البصري وسليمان بن يسار .

ومن الفقهاء الليث بن سعد والثوري وأحمد وإسحاق ، وهو قول مالك في الدراهم والدنانير دون ما سواهما ، وقول أبي حنيفة في الدراهم والدنانير والمواشي دون ما عداهما .

والقول الثاني : نص عليه في الجديد أن الدين لا يمنع وجوب زكاتها وأن الزكاة فيها واجبة .

وبه قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، وحماد بن أبي سليمان وهو أصح القولين ، وبه تقع الفتوى .

واستدل من قال بالأول بقوله صلى الله عليه وسلم : أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم فأردها في فقرائكم ومنه دليلان :

[ ص: 310 ] أحدهما : أن من استوعب دينه ما بيده فليس بغني فلم تجب عليه زكاة .

والثاني : أنه جعل الناس صنفين صنفا يؤخذ منه وصنفا تدفع إليه وهذا ممن تدفع إليه

فلم يجز أن تؤخذ منه ، وروي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قال في الحرم خطيبا على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم " هذا أشهر زكاتكم ، فمن كان عليه دين فليقضه ثم يزكي بقية ماله " وليس يعرف له في الصحابة مخالف ، فكان إجماعا ، ولأنها عبادة يتعلق وجوبها بالمال ، فوجب أن يكون الدين مانعا منها كالحج ، ولأن الزكاة مال يملك بغير عوض فوجب أن يكون الدين مانعا سنة كالميراث لا يستحق ثبوت الدين فيه ولأنه مال يستحق إزالة يده عنه ، فوجب أن لا تجب فيه الزكاة كمال المكاتب ، ولأن الزكاة تجب على من له الدين لأجل المال الذي بيد من عليه الدين ، فلو وجبت في الدين زكاة وفي المال زكاة ، لوجبت زكاتان في مال ، وذلك غير جائز ، كزكاة التجارة والسوم .

والدلالة على صحة القول الثاني عموم قوله تعالى : خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ، [ التوبة : 103 ] ، وما بيده ماله يجوز فيه تصرفه فوجب أن يستحق الأخذ منه ، وروى علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إذا كان معك مائتا درهم فعليك خمسة دراهم وفيما زاد بحسابه وهو مالك لما بيده فوجب أن يلزمه إخراج زكاته ، ولأن رهن المال في الدين أقوى واستحقاقه بالدين : لأن الرهن في الرقبة ، والدين في الذمة فلما لم يكن الرهن في الدين مانعا من وجوب الزكاة كان أولى ، أن لا يكون مجرد الدين مانعا من وجوب الزكاة ، ولأن الدين واجب في الذمة ، والزكاة لا تخلو من أن تكون واجبة في العين ، أو في الذمة فإن وجبت في العين لم يكن ما في الذمة مانعا منها ، كالعبد إذا جنى وفي ذمة سيده دين يحيط بثمنه لم يكن الدين مانعا من وجوب الأرش في رقبته ، وإن وجبت الزكاة في الذمة لم يكن ما ثبت من الدين أولا في الذمة مانعا منها ، كالدين إذا ثبت في الذمة لزيد لم يكن مانعا من ثبوت دين آخر في الذمة لعمرو وهذا الاستدلال ، يتحرر من اعتلاله قياسان :

أحدهما : أنه حق يتعلق بمال يسقط بتلفه ، فوجب أن لا يمنع الدين من ثبوته كالجناية .

والثاني : أنه حق مال محض فوجب أن لا يكون ثبوت المال بمجرده مانعا من وجوبه كالدين ، ثم من الدلالة على مالك وأبي حنيفة أن يقول : لأنه حق مال يصرف إلى أهل الصدقات فجاز ، أن يجب على من استغرق الدين ماله ، كالعشر في الثمرة والزرع ، والجواب عما قاله أما الخبر فلا حجة فيه : لأن أول دليله ينفي أخذ الصدقة ممن ليس بغني ، وثاني دليله مدفوع بالإجماع على وجود قسم ثالث ، يؤخذ منه ، ويدفع إليه وهو بنو السبيل ، [ ص: 311 ] تؤخذ منهم الصدقة عن أموالهم الغائبة ، وتدفع إليهم الصدقة في أسفارهم للحاجة الماسة وأما حديث عثمان - رضي الله عنه - فلا دليل فيه على إسقاط الزكاة بالدين ، وإنما يدل على تقديم الدين على الزكاة وأما قياسهم على الحج ، فغير صحيح : لأن الجمع بين الحج والزكاة ممتنع لوجوب الزكاة على الصبي والمجنون ، وإن لم يجب الحج عليهما ، ووجوب الحج على الفقير ، إذا كان مقيما بمكة ، وإن لم تجب الزكاة عليه فثبت أن اعتبار أحدهما بالآخر في الوجوب غير صحيح .

وأما قياسهم على الميراث ، فليس الدين مانعا من الميراث : لأن الميراث حاصل وقضاء الدين واجب ، ألا ترى أن الوارث لو قضى الدين من ماله لاستحق ميراث ميته على أنه باطل بزكاة الفطر .

وأما قياسهم على المكاتب ، فليس المعنى فيه أنه ممن يستحق إزالة يده عن ماله وإنما المعنى فيه أنه غير تام الملك ألا ترى أن المكاتب لو كان معه قدر دينه فأكثر ، لم يستحق إزالة يده عنه ثم مع هذا لا زكاة عليه ، وأما قولهم : إن هذا يؤدي إلى إيجاب زكاتين في مال فدعوى بلا برهان بل هما مالان لرجلين فزكاة هذا المال في عينه ، وزكاة الدين على مالكه والعين غير الدين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث