الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

باب زكاة الغنم [ ص: 281 ] مشتق من الغنيمة ; لأنه ليس لها آلة الدفاع فكانت غنيمة لكل طالب ( نصاب الغنم ضأنا أو معزا ) فإنهما سواء في تكميل النصاب والأضحية والربا لا في أداء الواجب والأيمان ( أربعون وفيها شاة ) تعم الذكور والإناث ( وفي مائة وإحدى وعشرين شاتان ، وفي مائتين وواحدة ثلاث شياه ، وفي أربعمائة أربع شياه ) وما بينهما عفو ( ثم ) بعد بلوغها أربعمائة ( في كل مائة شاة ) إلى غير نهاية ( ويؤخذ في زكاتها ) أي الغنم ( الثني ) من الضأن والمعز ( وهو ما تمت له سنة لا الجذع إلا بالقيمة ) وهو ما أتى أكثرها على الظاهر . وعنه جواز الجذع من الضأن ، وهو قولهما ، والدليل يرجحه ، ذكره الكمال . والثني من البقر ابن سنتين ، ومن الإبل ابن خمس والجذع من البقر ابن سنة [ ص: 282 ] ومن الإبل ابن أربع ( ولا شيء في خيل ) سائمة عندهما وعليه الفتوى خانية وغيرها ثم عند الإمام هل لها نصاب مقدر ؟ الأصح لا لعدم النقل بالتقدير ( و ) لا في ( بغال وحمير ) سائمة إجماعا ( ليست للتجارة ) فلو لها فلا كلام ; لأنها من العروض ( و ) لا في ( عوامل وعلوفة ) ما لم تكن العلوفة للتجارة ( و ) لا في ( حمل ) بفتحتين ولد الشاة ( وفصيل ) ولد الناقة ( وعجول ) بوزن سنور : ولد البقرة ; وصورته أن يموت كل [ ص: 283 ] الكبار ويتم الحول على أولادها الصغار ( إلا تبعا لكبير ) ولو واحدا ، ويجب ذلك الواحد ولو ناقصا ; فلو جيدا يلزم الوسط وهلاكه يسقطها ، ولو تعدد الواجب وجب الكبار فقط ولا يكمل من الصغار خلافا للثاني ( و ) لا في ( عفو وهو ما بين النصب ) في كل الأموال وخصاه بالسوائم ( و ) لا في ( هالك بعد وجوبها ) ومنع الساعي في الأصح لتعلقها بالعين لا بالذمة ، وإن هلك بعضه سقط حقه ، ويصرف الهالك إلى العفو أولا ثم إلى [ ص: 284 ] نصاب يليه ، ثم وثم ( بخلاف المستهلك ) بعد الحول لوجود التعدي ، ومنه ما لو حبسها عن العلف أو الماء حتى هلكت فيضمن بدائع والتوى بعد القرض والإعارة واستبدال مال التجارة بمال التجارة [ ص: 285 ] هلاك وبغير مال التجارة والسائمة بالسائمة استهلاك .

التالي السابق


باب زكاة الغنم الغنم محركة : الشاء لا واحد لها من لفظها الواحدة شاة ، وهو اسم مؤنث للجنس يقع على الذكور والإناث قاموس وفيه الشاة الواحدة من الغنم للذكر والأنثى ، وتكون من الضأن والمعز والظباء والبقر والنعام وحمر الوحش [ ص: 281 ] والمرأة جمعه شاء وشياه وشواه إلخ ( قوله : مشتق من الغنيمة ) أي بينهما اشتقاق أكبر كما مر في الإبل فافهم ، وذكر الضمير وإن كانت الغنم مؤنثة كما علمت ; لأن المراد هنا اللفظ ( قوله : لأنه إلخ ) علة مقدمة على معلولها ، وقوله آلة الدفاع : أي الدفع عن نفسها ، ولا ينافي وجود آلة لها غير دافعة كقرونها ط ( قوله ضأنا أو معزا ) بسكون الهمزة والعين وفتحهما جمع ضائن كذا في القاموس والكشاف ، وهو مذهب الأخفش ، والصحيح مذهب سيبويه أن كلا منهما اسم جنس يقع على القليل والكثير والذكر والأنثى والضأن ما كان من ذوات الصوف والمعز من ذوات الشعر قهستاني ط ( قوله : فإنهما سواء ) ; لأن النص ورد باسم الشاة والغنم وهو شامل لهما نهر ( قوله : في تكميل النصاب ) فإننقص نصاب الضأن وعنده من المعز ما يكمله أو بالعكس وجبت فيه الزكاة ، وكذا لو كان المعز نصابا تاما تجب فيه ( قوله : والأضحية ) أي تجزئ منهما إلا أنها تجوز بالجذع وأما أخذه في الزكاة ففيه الخلاف الآتي ( قوله : والربا ) فلا يجوز بيع لحم الضأن بلحم المعز متفاضلا ح ( قوله : لا في أداء الواجب ) ; لأن النصاب إذا كان ضأنا يؤخذ الواجب من الضأن ولو معزا فمن المعز ، ولو منهما فمن الغالب ، ولو سواء فمن أيهما شاء جوهرة : أي فيعطي أدنى الأعلى أو أعلى الأدنى كما قدمناه في الباب السابق ( قوله : والأيمان ) فإن من حلف لا يأكل لحم الضأن لا يحنث بأكل لحم المعز للعرف ح أي فإن الضأن غير المعز في العرف ( قوله : وما بينهما عفو ) أي ما بين كل نصاب ونصاب فوقه عفو لا شيء فيه زائدا ، فما زاد على أربعين شاة مثلا إلى المائة والعشرين لا شيء فيه إذا اتحد المالك ، فلو مشتركة بين ثلاثة أثلاثا فعلى كل شاة . قال في البحر : ولو كانت لرجل فليس للساعي أن يفرقها ويجعلها أربعين أربعين ، فيأخذ ثلاث شياه ; لأنه باتحاد المالك صار الكل نصابا ، ولو كان بين رجلين أربعون شاة لا تجب على واحد منهما الزكاة ، وليس للساعي أن يجمعها ويجعلها نصابا ويأخذ الزكاة منها ; لأن ملك كل واحد منهما قاصر عن النصاب ا هـ ( قوله : وهو ما تمت له سنة ) أي ودخل في الثانية ، كما في الهداية وسائر كتب الفقه . والمذكور في الصحاح والمغرب وغيرهما من كتب اللغة أنه من الغنم ما دخل في السنة الثالثة ، كذا في البرجندي ، ولذا قال الزيلعي : هذا على تفسير الفقهاء . وعند أهل اللغة : ما طعن في الثالثة إسماعيل ( قوله : لا الجذع ) بالتحريك قاموس ( قوله : وهو ما أتى عليه أكثرها ) كذا في الهداية والكافي والدرر ، وقيل ما له ثمانية أشهر ، وقيل سبعة ; وذكر الأقطع أنه عند الفقهاء ما تم له ستة أشهر . قال في البحر : وهو الظاهر ( قوله على الظاهر ) راجع إلى قوله لا الجذع فإن عدم إجزائه هو ظاهر الرواية صرح به في البحر ح ( قوله من الضأن ) قيد به ; لأن المعز لا خلاف أنه لا يؤخذ فيه إلا الثني بحر عن الخانية ( قوله ذكره الكمال ) وأقره في النهر ، لكن جزم في البحر وغيره بظاهر الرواية ، وفي الاختيار أنه الصحيح ( قوله : والجذع من البقر إلخ ) وأما الجذع من [ ص: 282 ] المعز فقال في البحر لم أره عند الفقهاء ، وإنما نقلوا عن الأزهري أنه ما تم له سنة . ا هـ . قلت : لكن لا يصح أن يكون مراد الفقهاء ; لأنه بهذا المعنى ثني عندهم كما تقدم في كلام الشارح فالظاهر أنه لا فرق عندهم في الجذع بين الغنم والمعز ( قوله : ولا شيء في خيل سائمة ) في المغرب : الخيل اسم جمع للعراب والبراذين ذكورهما وإناثهما ا هـ وقيد بالسائمة ; لأنها محل الخلاف ، أما التي نوى بها التجارة فتجب فيها زكاة التجارة اتفاقا كما يأتي ( قوله : عندهما ) لما في الكتب الستة من قوله عليه الصلاة والسلام { ليس على المسلم في عبده وفرسه صدقة } زاد مسلم { إلا صدقة الفطر } وقال الإمام : إن كانت سائمة للدر والنسل ذكورا وإناثا وحال عليها الحول وجب فيها الزكاة ، غير أنها إن كانت من أفراس العرب خير بين أن يدفع عن كل واحدة دينارا وبين أن يقومها ويعطي عن كل مائتي درهم خمسة دراهم ، وإن كانت من أفراس غيرهم قومها لا غير ، وإن كانت ذكورا أو إناثا فروايتان أشهرهما عدم الوجوب ، كذا في المحيط . وفي الفتح : الراجح في الذكور عدمه ، وفي الإناث الوجوب وأجمعوا أنها لو كانت للحمل والركوب أو علوفة فلا شيء فيها ، وأن الإمام لا يأخذها جبرا نهر ( قوله : وعليه الفتوى ) قال الطحاوي : هذا أحب القولين إلينا ، ورجحه القاضي أبو زيد في الأسرار . وفي الينابيع وعليه الفتوى وفي الجواهر : والفتوى على قولهما . وفي الكافي : هو المختار للفتوى ، وتبعه الزيلعي والبزازي تبعا للخلاصة وفي الخانية قالوا : الفتوى على قولهما تصحيح العلامة قاسم .

قلت : وبه جزم في الكنز ، لكن رجح قول الإمام في الفتح .

وأجاب عن دليلهما المار تبعا للهداية بأن المراد فيه فرس الغازي ، وحقق ذلك بما لا مزيد عليه ، واستدل للإمام بالأدلة الواضحة ، ولذا قال تلميذه العلامة قاسم : وفي التحفة الصحيح قوله ، ورجحه الإمام السرخسي في المبسوط والقدوري في التجريد .

وأجاب عما عساه يورد على دليله وصاحب البدائع وصاحب الهداية ، وهذا القول أقوى حجة على ما شهد به التجريد والمبسوط وشرح شيخنا . ا هـ .

( قوله : الأصح لا ) وقيل ثلاث ، وقيل خمس قهستاني ( قوله : ليست للتجارة ) أي هذه الثلاثة .

( قوله : فلا كلام ) أي لا كلام يتعلق بنفي زكاة التجارة موجود ا هـ ح ( قوله : ولا في عوامل ) أي التي أعدت للعمل كإثارة الأرض بالحراثة وكالسقي ونحوه .

زاد في الدرر الحوامل : وهي التي أعدت لحمل الأثقال وكأن المصنف نظر إلى أن العوامل تشملها ( قوله : وعلوفة ) بالفتح ما يعلف من الغنم وغيرها الواحد والجمع سواء مغرب .

قال في البحر : وقدمنا عن القنية أنه لو كان له إبل عوامل يعمل بها في السنة أربعة أشهر ويسيمها في الباقي ينبغي أن لا تجب فيها زكاة . ا هـ .

( قوله : ما لم تكن العلوفة للتجارة ) قيد بالعلوفة ; لأن العوامل لا تكون للتجارة وإن نواها لها كما في النهر أي ; لأنها مشغولة بالحاجة الأصلية ( قوله : وحمل وفصيل وعجول ) في النهر : الحمل ولد الشاة في السنة الأولى والفصيل ولد الناقة قبل أن يصير ابن مخاض .

والعجول : ولد البقرة حين تضعه أمه إلى شهر كما في المغرب ( قوله : وصورته إلخ ) أي إذا كانت له سوائم كبار وهي نصاب فمضت ستة أشهر مثلا فولدت أولادا ثم ماتت وتم الحول على الصغار لا تجب الزكاة فيها عندهما وعند الثاني تجب واحدة منها ، والمراد من النصاب خمس وعشرون إبلا وثلاثون بقرا وأربعون غنما ، وأما ما دون خمس وعشرين إبلا فلا شيء فيه اتفاقا ; لأن الثاني أوجب [ ص: 283 ] واحدة منها ولا يتصور فيما دون هذا المقدار ، وتمامه في الاختيار .

وفي القهستاني عن التحفة : الصحيح قولهما ( قوله : إلا تبعا لكبير ) قال في النهر : والخلاف ، أي المذكور آنفا مقيد بما إذا لم يكن فيها كبار ، فإن كان كما إذا كان له مع تسع وثلاثين حملا مسن ، وكذلك في الإبل والبقر كانت الصغار تبعا للكبير ووجب إجماعا كذا في الدراية . ا هـ . ( قوله : ويجب ذلك الواحد ولو ناقصا فلو جيدا يلزم الوسط ) كذا في بعض النسخ ، وفي بعضها ويجب ذلك الواحد ما لم يكن جيدا فيلزم الوسط ، وهذه النسخة أحسن ( قوله : وهلاكه يسقطها ) أي لو هلك الكبير بعد الحول بطل الواجب عندهما ، وعند الثاني يجب في الباقي تسعة وثلاثون جزءا من أربعين جزءا من حمل نهر ، ولو هلك الحملان وبقي الكبير يؤخذ جزء من أربعين جزءا منه بدائع ( قوله ولو تعدد الواجب إلخ ) بيانه إذا كان له مسنتان ومائة وتسعة عشر حملا فإنه يجب مسنتان في قولهم : أما لو كان له مسنة ومائة وعشرون حملا وجبت مسنة واحدة عندهما .

وقال الثاني مسنة ، وحمل ، وعلى هذا لو كان له تسعة وخمسون عجولا وتبيع نهر عن غاية البيان ( قوله : ولا في عفو ) هذا قولهما ، وهو أن الواجب في النصاب لا في العفو .

وقال محمد وزفر الواجب عن الكل وأثر الخلاف يظهر فيمن ملك تسعا من الإبل فهلك بعد الحول منها أربعة لم يسقط شيء على الأول ، ويسقط على الثاني أربعة أتساع شاة ، وكذا لو كان له مائة وعشرون شاة فهلك منها ثمانون يسقط على الثاني ثلثا شاة منها ، وتمامه في الزيلعي ( قوله : وخصاه بالسوائم ) أي خص الصاحبان العفو بها دون النقود ; لأن ما زاد على مائتي درهم لا عفو فيه عندهما بل يجب فيما زاد بحسابه ، أما عند أبي حنيفة فإن الزائد عليها عفو ما لم يبلغ أربعين درهما ففيها درهم آخر كما سيأتي ( قوله : ولا في هالك إلخ ) أي لا تجب الزكاة في نصاب هالك بعد الوجوب : أي بعد مضي الحول بل تسقط وإن طلبها الساعي منه فامتنع حتى هلك النصاب على الصحيح .

وفي الفتح أنه الأشبه بالفقه ; لأن للمالك رأيا في اختيار محل الأداء بين العين والقيمة والرأي يستدعي زمانا ( قوله : ومنع الساعي ) عطف على وجوبها ح ( قوله : لتعلقها بالعين ) ; لأن الواجب جزء من النصاب فيسقط بهلاك محله كدفع العبد بالجناية يسقط بهلاكه هداية ( قوله : وإن هلك بعضه ) أي بعض النصاب سقط حظه : أي حظ الهالك : أي سقط من الواجب فيه بقدر ما هلك منه ( قوله ويصرف الهالك إلى العفو إلخ ) أقول : أي لو كان عنده ثلاث نصب مثلا وشيء زائد مما لا يبلغ نصابا رابعا فهلك بعض ذلك يصرف الهالك إلى العفو أولا ، فإن كان الهالك بقدر العفو يبقى الواجب عليه في الثلاث نصب بتمامه ، وإن زاد يصرف الهالك إلى نصاب يليه : أي إلى النصاب الثالث ويزكي عن النصابين ، فإن زاد الهالك على النصاب الثالث يصرف الزائد إلى النصاب الثاني وهكذا إلى أن ينتهي إلى الأول ، ومقتضى ما مر أنه إذا نقص النصاب يسقط عنه حظه ويزكي عن الباقي بقدره تأمل ، ثم إن هذا قول الإمام رضي الله عنه . وعند أبي يوسف يصرف الهالك بعد العفو الأول إلى النصب شائعا .

وعند محمد إلى العفو والنصب لما مر من تعلق الزكاة بهما عنده . قال في الملتقى وشرحه للشارح ، فلو هلك بعد الحول أربعون من ثمانين شاة تجب شاة كاملة عندهما ، وعند محمد نصف شاة .

ولو هلك خمسة عشر من أربعين بعيرا تجب بنت مخاض لما مر أن الإمام يصرف الهالك إلى العفو ثم إلى نصاب يليه ثم وثم . وعند أبي يوسف خمسة وعشرون جزءا من [ ص: 284 ] ستة وثلاثين جزءا من بنت مخاض لما مر أنه يصرف الهالك بعد العفو الأول إلى النصب .

وعند محمد نصف بنت لبون وثمنها ، لما مر أنه يعلق الزكاة بالنصاب والعفو . ا هـ . وفي البحر : ظاهر الرواية عن أبي يوسف كقول الإمام ( قوله : بخلاف المستهلك ) أي بفعل رب المال مثلا ط ( قوله : بعد الحول ) أما قبله لو استهلكه قبل تمام الحول فلا زكاة عليه لعدم الشرط ، وإذا فعله حيلة لدفع الوجوب كأن استبدل نصاب السائمة بآخر أو أخرجه عن ملكه ثم أدخله فيه ، قال أبو يوسف لا يكره ; لأنه امتناع عن الوجوب لا إبطال حق الغير .

وفي المحيط أنه الأصح .

وقال محمد : يكره ، واختاره الشيخ حميد الدين الضرير ; لأن فيه إضرارا بالفقراء وإبطال حقهم مآلا ، وكذا الخلاف في حيلة دفع الشفعة قبل وجوبها .

وقيل الفتوى في الشفعة على قول أبي يوسف ، وفي الزكاة على قول محمد ، وهذا تفصيل حسن شرح درر البحار .

قلت : وعلى هذا التفصيل مشى المصنف في كتاب الشفعة ، وعزاه الشارح هناك إلى الجوهرة ، وأقره وقال : ومثل الزكاة الحج وآية السجدة ( قوله : لوجود التعدي ) علة لقوله بخلاف المستهلك فإنه بمعنى تجب فيه الزكاة ( قوله : ومنه إلخ ) أي من الاستهلاك المفهوم من المستهلك .

قال في النهر : وهو أحد قولين . والقول الآخر أنه لا يضمن ; لأنه لو فعل ذلك في الوديعة لا يضمن فكذا هنا . والذي يقع في نفسي ترجيح الأول ، ثم رأيته في البدائع جزم به ولم يحك غيره . ا هـ .

قلت : ومن الاستهلاك ما لو أبرأ مديونه الموسر ، بخلاف المعسر على ما سيأتي قبيل باب العاشر ( قوله : والتوى ) بالقصر أي الهلاك مبتدأ خبره هلاك ( قوله : بعد القرض والإعارة ) الأصوب الإقراض .

قال في الفتح : وإقراض النصاب الدراهم بعد الحول ليس باستهلاك ، فلو توى المال على المستقرض لا تجب : أي الزكاة ، ومثله إعارة ثوب التجارة . ا هـ .

والتوى هنا : أن يجحد ولا بينة عليه أو يموت المستقرض لا عن تركة ( قوله واستبدال ) بالجر عطفا على القرض . ا هـ .

ح ; لأن المعنى أنه لو استبدل مال التجارة بمال التجارة ثم هلك البدل لا تجب الزكاة ; لأنه ليس باستهلاك ، فعلى هذا لا يصح كونه مرفوعا عطفا على التوى لاستلزامه أن يكون نفس الاستبدال هلاكا ، وليس كذلك لقيام البدل مقام الأصل ، وما عزي إلى النهر من أنه هلاك لم أره فيه ، بل المصرح به فيه وفي غيره أنه ليس باستهلاك ، ولا يلزم منه أن يكون هلاكا .

قال في البدائع : وإذا حال الحول على مال التجارة فأخرجه عن ملكه بالدراهم أو الدنانير أو بعرض التجارة بمثل قيمته لا يضمن الزكاة ; لأنه ما أتلف الواجب بل نقله من محل إلى مثله ، إذ المعتبر في مال التجارة هو المعنى وهو المالية لا الصورة ، فكان الأول قائما معنى فيبقى الواجب ببقائه ويسقط بهلاكه ، وأما إذا باعه وحابى بيسير فكذلك ; لأنه مما لا يمكن التحرز عنه فكان عفوا وإن حابى بما لا يتغابن الناس فيه ضمن قدر زكاة المحاباة ، وزكاة ما بقي تتحول إلى العين فتبقى ببقائه وتسقط بهلاكه انتهى .

والاستبدال قبل الحول كذلك .

ففي البدائع أيضا : لو استبدل مال التجارة بمال التجارة وهي العروض قبل تمام الحول لا يبطل حكم الحول ، سواء استبدلها بجنسها أو بخلافه بلا خلاف لتعلق وجوب زكاتها بمعنى المال وهو المالية والقيمة وهو باق ، [ ص: 285 ] وكذا الدراهم أو الدنانير إذا باعها بجنسها أو بخلافه كدراهم بدراهم أو بدنانير .

وقال الشافعي : ينقطع حكم الحول فعلى قياس قوله لا تجب الزكاة في مال الصيارفة كما إذا باع السائمة بالسائمة .

ولنا ما قلنا أن الوجوب في الدراهم تعلق بالمعنى لا بالعين والمعنى قائم بعد الاستبدال فلا يبطل حكم الحول ، بخلاف استبدال السائمة بالسائمة ، فإن الحكم فيها يتعلق بالعين فيبطل الحول المنعقد على الأول ويستأنف للثاني حولا ا هـ فافهم ( قوله : هلاك ) كذا في بعض النسخ وفي بعضها يعد هلاكا ( قوله وبغير مال التجارة ) متعلق بمبتدأ محذوف دل عليه المذكور : أي واستبدال مال التجارة بغير مال التجارة استهلاك فيضمن زكاته قال في النهر : وقيده في الفتح بما إذا نوى في البدل عدم التجارة عند الاستبدال ، أما إذا لم ينو وقع البدل للتجارة . ا هـ .

قلت : أي وإذا وقع البدل للتجارة فلا يكون الاستبدال استهلاكا ، فلا يضمن زكاة الأصل لو كان بعد تمام الحول ، ولا ينقطع حكم الحول لو كان الاستبدال قبل تمامه بل يتحول الوجوب إلى البدل فيبقى ببقائه ويسقط بهلاكه كما نقلناه صريحا عن البدائع ، فما قيل من أنه لا تجب زكاة البدل بهذا الاستبدال بل يعتبر له حول جديد خطأ صريح فافهم .

[ تنبيه ] شمل قوله وبغير مال التجارة ما لو استبدله بعوض ليس بمال أصلا ، بأن تزوج عليه امرأة ، أو صالح به عن دم العمد ، أو اختلعت به المرأة ، أو بعوض فهو مال لكنه ليس مال الزكاة بأن باعه بعبد الخدمة أو ثياب البذلة أو استأجر به عينا ، فيضمن الزكاة في ذلك كله ; لأنه استهلاك ; وكذا لو باع مال التجارة بالسوائم على أن يتركها سائمة لاختلاف الواجب فكان استهلاكا ، وتمامه في البدائع .

[ تتمة ] حكم النقود مثل مال التجارة ، ففي الفتح رجل له ألف حال حولها فاشترى بها عبدا للتجارة فمات أو عروضا للتجارة فهلكت بطلت عنه زكاة الألف ، ولو كان العبد للخدمة لم تسقط بموته وتمامه فيه ( قوله : والسائمة بالسائمة ) الأولى إسقاط قوله بالسائمة ليشمل استبدالها بغير سائمة . قال في فتح القدير : واستبدال السائمة استهلاك مطلقا سواء استبدلها بسائمة من جنسها أو من غيره أو بغير سائمة دراهم أو عروض لتلقي الزكاة بالعين أولا وبالذات وقد تبدلت ، فإذا هلكت سائمة البدل تجب الزكاة . ولا يخفى أن هذا إذا استبدل بها بعد الحول ، أما إذا باعها قبله فلا حتى لا تجب الزكاة في البدل إلا بحول جديد أو يكون له دراهم وقد باعها بأحد النقدين . ا هـ . أي فحينئذ يضم ثمنها إلى ما عنده من الدراهم ويزكيه معه بلا استقبال حول جديد ، وكذا لو باعها بسائمة وعنده سائمة فإنه يضمها إليها كما قدمناه في فصل السائمة عن الجوهرة .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث