الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( فرع ) والمستحب لمن أحرم من ذي الحليفة غير الحائض أن يصلي في مسجدها ثم يركب ثم يهل ، والحائض تحرم من فناء مسجدها قال سند في باب ما يفعل عند الإحرام : قال مالك في الموازية والعتبية : ويجبر الكري أن ينيخ بالمكتري بباب مسجد ذي الحليفة حتى يصلوا ثم يركبون فيهلون ، وليس له أن يقول : اذهبوا فصلوا ثم تأتون إلي فأحملكم ، قال في الموازية : وتحرم الحائض من رحلها إن كانت بالجحفة وبينهما وبين المسجد هنيهة ، وإن كانت بالشجرة يريد من ذي الحليفة فمن فناء المسجد ولأنه خلل وذلك : أن ذا الحليفة موضع يقصد لركوع الإحرام اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم فأما من أحرم من سائر المواقيت عداه فالأفضل له أول الميقات انتهى .

ومسألة الكري في رسم مساجد القبائل من سماع ابن القاسم ، وقال ابن رشد في شرحها : وهذا كما قال ; لأن ذلك عرف فدخل عليه الكري انتهى .

( فرع ) : اختلف في المدني المريض هل يرخص له في تأخير الإحرام إلى الجحفة أم لا على قولين ، وهما لمالك في الموازية فقال مرة : لا ينبغي له أن يجاوز الميقات لما يرجوه من قوة وليحرم ، فإن احتاج إلى شيء افتدى ، وقال مرة : لا بأس أن يؤخر إلى الجحفة نقل القولين صاحب النوادر واللخمي وصاحب الطراز والمصنف في التوضيح وغيرهم قال اللخمي والأول : أقيس ، وهو مخاطب بالإحرام من ميقاته ، فإن احتاج إلى شيء مخيط أو تغطية الرأس فعل وافتدى انتهى .

وقال في الطراز والأول : أحسن ; لأن المرض لا يبيح مجاوزة الميقات كما في سائر المواقيت ، والقول الآخر استحسان ; لأنه ميقات يجوز لبعض النساك أن يتجاوزه فكانت الصرورة وجها في جواز مجاوزته إلى غيره ، وهذا استحسان والقياس الأول : انتهى .

، وقال في التوضيح بعد أن ذكر القولين عن مالك اللخمي وغيره والأول : أقيس ابن بزيزة والمشهور : الثاني للصرورة انتهى .

وقال في النوادر بعد أن ذكر الروايتين ، وفي رواية ابن عبد الحكم لا يؤخر إلى مكة ورب مريض أرى له ذلك حتى يأتي الجحفة انتهى .

، وقال ابن عرفة : وفي تأخير المدني إحرامه للجحفة لمرض رواية ابن عبد الحكم مع إحدى روايتي محمد ونقل ابن [ ص: 39 ] عبد السلام القولين لا بقيد المرض لا أعرفه إلا نقل أبي عمر إن أخر المدني للجحفة ففي لزوم الدم قولا مالك وبعض أصحابنا انتهى .

( قلت : ) لعله سقط من نسخة ابن عبد السلام قيد المرض والذي رأيته في نسخ من ابن عبد السلام ما نصه : واختلف في المدني المريض هل يرخص له في تأخير الإحرام إلى الجحفة والقياس أنه لا يؤخر انتهى .

واعتمد في الشامل تشهير ابن بزيزة فقال ورخص للمدني يمر بذي الحليفة مريضا في تأخيره للجحفة على المشهور : لا لمكة انتهى .

وكذا التلمساني وسيدي الشيخ أحمد زروق ، وفي شرح الإرشاد ، وعليه اقتصر أبو إسحاق التونسي ونصه : والمريض يحرم بذي الحليفة ، وإن أصابه شيء افتدى ، وإن أخر إلى الجحفة فهو في سعة ، وأما إن أراد أن يترك الإحرام لمرضه حتى يقرب من مكة لغير ميقات له فلا يفعل وليحرم من الميقات انتهى .

فتحصل من هذا أن في المسألة قولين أحدهما أنه يرخص له في التأخير ، وهو الذي شهره ابن بزيزة والثاني : أنه لا يرخص له في التأخير ، وقد علمت أن هذا القول رجحه اللخمي وصاحب الطراز وابن عبد السلام ، والله أعلم .

وانظر على هذا القول هل التأخير حرام ويجب بسبب الهدي أم لا ولفظ النوادر المتقدم : لا ينبغي ، وهكذا نقله اللخمي وسند والمصنف وغيرهم ، وهو لا يقتضي التحريم ، ونقله ابن بشير في التنبيه بلفظ لا يجوز ، وهو يقتضي التحريم ، ونصه : وهل للمريض من أهل المدينة ومن غيرها أن يؤخر إذا مر بذي الحليفة حتى يحرم من الجحفة ؟ قولان أحدهما : أن ذلك جائز لعذره والثاني : أن ذلك لا يجوز وليحرم ، فإن طرأ عليه ما يوجب الفدية افتدى انتهى .

فلعله فهم قول لا ينبغي على التحريم ، وفي كلامه فائدة أخرى ، وهي أن القولين جاريان في المريض ، ولو كان من غير أهل المدينة ، وهو : ظاهر ومثله ما تقدم في كلام أبي إسحاق التونسي ويعني بغير أهل المدينة من يجب عليه الإحرام من ميقات أهلها احترازا من المصري ومن ذكر معه ; لأن الإحرام من الحليفة في حق هؤلاء مستحب ، والله أعلم .

( تنبيه ) : قال ابن فرحون في شرحه : لو كان المدني غير مريض وأخر الإحرام إلى الجحفة ففي وجوب الدم وسقوطه قولان ، والوجوب لمالك واختلف أصحابه في الوجوب والسقوط ذكره ابن عبد البر في الاستذكار ، ونقله التادلي في مناسكه انتهى .

ونحوه في مناسكه والذي نقله التادلي عن ابن زرقون عن ابن عبد البر أنه قال اختلف في مريد الحج والعمرة يجاوز ميقاته إلى ميقات أقرب منه مثل أن يترك المدني الإحرام من ذي الحليفة ويحرم من الجحفة فقال مالك : عليه دم ، ومن أصحابه من أوجب الدم فيه ، ومنهم من أسقطه انتهى .

وهكذا نقل المصنف في التوضيح عن ابن عبد البر في الاستذكار ، ولم يقيده بمرض ، ولا بغير مرض ولكنه ظاهر في أن المراد به الصحيح ولذا قال في الشامل : ولا يؤخره صحيح ، وإلا فالدم على الأصح وتقدم في كلام ابن عرفة أنه لا يعرف الخلاف بغير قيد المرض إلا لابن عبد البر ، والله أعلم .

ص ( كإحرامه أوله )

ش : يعني أن الإحرام من أول الميقات أولى ; لأن المبادرة إلى الطاعة مستحبة قال في النوادر ومن كتاب ابن المواز قيل : لمالك في ميقات الجحفة أيحرم من وسط الوادي أو آخره قال كله مهل وليحرم من أوله أحب إلي ، وكذلك ما كان مثل الجحفة من المواقيت وسئل أيضا : أيحرم من الجحفة من المسجد الأول أو الثاني ؟ قال : ذلك واسع ، ومن الأول أحب إلينا انتهى .

ونقله سند وذكر المسألة الأخيرة في رسم حلف ليرفعن من سماع ابن القاسم إلا أنه لم يقل : ومن الأول أحب إلينا ، ولم يزد ابن رشد في شرحها شيئا غير أنه ذكر كلام مالك الأول أعني قوله : مهل ومن أوله أحب إلي وعزاه للمختصر الكبير وانظر هل مراد مالك بالمسجد الأول رابغ أم لا ؟ والله أعلم .

( تنبيه ) : يستثنى من هذا من أحرم من ذي الحليفة ، فإنه تقدم أن الأفضل له أن يركع للإحرام في مسجدها [ ص: 40 ] ثم يحرم إذا خرج منه ، وتحرم الحائض من فنائه ، ولا تدخل وتقدم قول صاحب الطراز أن مسجدها يقصد لركوع الإحرام اقتداء به عليه السلام وأن من أحرم من سائر المواقيت عداه فالأفضل له أول الميقات ، والله أعلم .

( فائدة ) قال ابن مسدي في خطبة منسكه : وعن سفيان بن عيينة قال : قال رجل لمالك بن أنس : من أين أحرم ؟ قال : أحرم من حيث أحرم صلى الله عليه وسلم فأعاد عليه مرارا ، وقال : فإن زدت على ذلك ؟ قال : فلا تفعل ، فإني أخاف عليك الفتنة ، قال وما في هذه من الفتنة إنما هي أميال أزيدها ، فقال مالك قال الله - تعالى - { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } قال : وأي فتنة في هذا ؟ قال : وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك أصبت فضلا قصر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ترى أن اختيارك لنفسك في هذا خير من اختيار الله لك واختيار رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى .

وقال فيه أيضا روينا عن معن بن عيسى قال سمعت مالكا يقول : إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به ، وما لم يوافق السنة من ذلك فاتركوه انتهى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث