الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة لا تجزئ القيمة في صدقة الفطر

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( 1966 ) مسألة : قال : ( ومن أعطى القيمة ، لم تجزئه ) قال أبو داود قيل لأحمد وأنا أسمع : أعطي دراهم - يعني في صدقة الفطر - قال : أخاف أن لا يجزئه خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال أبو طالب ، قال لي أحمد لا يعطي قيمته ، قيل له : قوم يقولون ، عمر بن عبد العزيز كان يأخذ بالقيمة ، قال يدعون قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون قال فلان ، قال ابن عمر : فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال الله تعالى : { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } . وقال قوم يردون السنن : قال فلان ، قال فلان . وظاهر مذهبه أنه لا يجزئه إخراج القيمة في شيء من الزكوات . وبه قال مالك ، والشافعي وقال الثوري ، وأبو حنيفة : يجوز . وقد روي ذلك عن عمر بن عبد العزيز ، والحسن ، وقد روي عن أحمد مثل قولهم ، فيما عدا الفطرة .

وقال أبو داود : سئل أحمد ، عن رجل باع ثمرة نخله . قال : عشره على الذي باعه . قيل له : فيخرج ثمرا ، أو ثمنه ؟ قال : إن شاء أخرج ثمرا ، وإن شاء أخرج من الثمن . وهذا دليل على جواز إخراج القيم . ووجهه قول معاذ لأهل اليمن : ائتوني بخميص أو لبيس آخذه منكم ، فإنه أيسر عليكم ، وأنفع للمهاجرين بالمدينة . وقال سعيد : حدثنا سفيان عن عمرو ، وعن طاوس ، قال لما قدم معاذ اليمن ، قال : ائتوني بعرض ثياب آخذه منكم مكان الذرة والشعير ، فإنه أهون عليكم وخير للمهاجرين ، بالمدينة .

قال : وحدثنا جرير ، عن ليث ، عن عطاء ، قال كان عمر بن الخطاب يأخذ العروض في الصدقة من الدراهم . ولأن المقصود دفع الحاجة ، ولا يختلف ذلك بعد اتحاد قدر المالية باختلاف صور الأموال ولنا ، قول ابن عمر : { فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر صاعا من تمر ، وصاعا من شعير } فإذا عدل عن ذلك فقد ترك المفروض .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : { في أربعين شاة شاة وفي مائتي درهم خمسة دراهم } . وهو وارد بيانا لمجمل قوله تعالى : { وآتوا الزكاة } فتكون الشاة المذكورة هي الزكاة المأمور بها ، والأمر يقتضي الوجوب . ولأن النبي صلى الله عليه وسلم فرض الصدقة على هذا الوجه ، وأمر بها أن تؤدى ، ففي كتاب أبي بكر الذي كتبه في الصدقات أنه قال : { هذه الصدقة التي فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأمر بها أن تؤدى . وكان فيه : في خمس وعشرين من الإبل بنت مخاض ، فإن لم تكن بنت مخاض ، فابن لبون ذكر ، } وهذا يدل على أنه أراد عينها لتسميته إياها . وقوله : { فإن لم تكن بنت مخاض فابن لبون ذكر . } ولو أراد المالية أو القيمة لم يجز ; لأن خمسا وعشرين لا تخلو عن مالية بنت مخاض ، وكذلك قوله : فابن لبون ذكر فإنه لو أراد المالية للزمه مالية بنت مخاض ، دون مالية ابن لبون .

وقد روى أبو داود ، وابن ماجه ، بإسنادهما ، عن { معاذ ، أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن ، فقال خذ الحب من الحب ، والشاة من الغنم ، والبعير من الإبل والبقر من البقر . } ولأن الزكاة وجبت لدفع [ ص: 358 ] حاجة الفقير ، وشكرا لنعمة المال ، والحاجات متنوعة ، فينبغي أن يتنوع الواجب ليصل إلى الفقير من كل نوع ما تندفع به حاجته ، ويحصل شكر النعمة بالمواساة من جنس ما أنعم الله عليه به ، ولأن مخرج القيمة قد عدل عن المنصوص ، فلم يجزئه ، كما لو أخرج الرديء مكان الجيد ، وحديث معاذ ، الذي رووه في الجزية ، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بتفريق الصدقة في فقرائهم ، ولم يأمره بحملها إلى المدينة . وفي حديثه هذا : فإنه أنفع للمهاجرين بالمدينة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث