الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل حكم المشكوك في تحريمه

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

فصل قد سبق في ذكر الفقر والمسكنة في الباب قبله مسائل تتعلق بالمسألة ومسألة من جاءه مال بسؤال أو إشراف نفس أو بهما ، وهل يجب أخذه بدونهما ؟ فأما إن شك في تحريم المال ، فإن كان أصله التحريم كالذبيحة في غير بلد الإسلام ولو كان فيهم مسلمون فمحرم ، لحديث عدي بن حاتم { إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله ، فإن وجدت مع كلبك كلبا غيره وقد قتل فلا تأكل فإنك لا تدري أيهما قتله } متفق عليه ، وإن كان أصله الإباحة كما لو شك في الماء المتغير هل هو بنجاسة أو لا عمل بالأصل ، لقول عبد الله بن زيد : [ ص: 657 ] { شكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة قال : لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا } متفق عليه . وإن لم يعرف له أصل فإن علم أن فيه حراما وحلالا كمن في ماله هذا وهذا فقيل بالتحريم ، قطع به شرف الإسلام عبد الوهاب بن أبي الفرج في كتابه المنتخب ، ذكره قبيل باب الصيد [ وعلل القاضي ] وجوب الهجرة من دار الحرب بتحريم الكسب عليه هناك ، لاختلاط الأموال لأخذهم من غير جهته ووضعه في غير حقه .

وقال الأزجي في نهايته : هذا قياس المذهب كما قلنا في اشتباه الأواني الطاهرة بالنجسة ، وقدمه أبو الخطاب في الانتصار في مسألة اشتباه الأواني ، وقد قال أحمد : لا يعجبني أن يأكل منه ، وسأل المروذي أبا عبد الله عن الذي يعامل بالربا يؤكل عنده ؟ قال : لا ، قد { لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله . وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالوقوف عند الشبهة } ، ومراده حديث النعمان بن بشير ، متفق عليه ، وقال أنس : إذا دخلت على مسلم لا يتهم فكل من طعامه ، واشرب من شرابه . ذكره البخاري .

وعن الحسن بن علي مرفوعا { دع ما يريبك ، إلى ما لا يريبك } رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه .

( والثاني ) إن زاد الحرام على الثلث حرم الكل وإلا فلا ، قدمه في الرعاية ; لأن الثلث ضابط في مواضع . [ ص: 658 ]

( والثالث ) إن كان الأكثر الحرام حرم وإلا فلا ، إقامة للأكثر مقام الكل ; لأن القليل تابع ، قطع به ابن الجوزي في المنهاج ، وذكر شيخنا : إن غلب الحرام هل تحرم معاملته ؟ أو تكره ؟ على وجهين ، وقد نقل الأثرم وغير واحد عن الإمام أحمد فيمن ورث مالا : إن عرف شيئا بعينه رده ، وإذا كان الغالب على ماله الفساد تنزه عنه ، أو نحو ذلك . ونقل عنه حرب في الرجل يخلف مالا : إن كان غالبه نهبا أو ربا ينبغي لوارثه أن يتنزه عنه ، إلا أن يكون يسيرا لا يعرف ، ونقل عنه أيضا : هل للرجل أن يطلب من ورثة إنسان مالا مضاربة ينفعهم وينتفع ؟ قال : إن كان غالبه الحرام فلا .

( والرابع ) عدم التحريم مطلقا ، قل الحرام أو كثر ، لكن يكره ، وتقوى الكراهة وتضعف بحسب كثرة الحرام وقلته ، وجزم به في المغني وغيره ، وقدمه الأزجي وغيره ( م 2 ) ، لما رواه أحمد عن أبي هريرة [ ص: 659 ] مرفوعا { إذا دخل أحدكم على أخيه المسلم فأطعمه طعاما فليأكل من طعامه ولا يسأله عنه ، وإن سقاه شرابا فليشرب من شرابه ولا يسأله عنه } وروى جماعة من حديث الثوري عن سلمة بن كهيل عن ذر بن عبد الله عن ابن مسعود أن رجلا سأله فقال : لي جار يأكل الربا ولا يزال يدعوني ، فقال : مهنوه لك وإثمه عليه . قال الثوري : إن عرفته بعينه فلا تأكله ، ومراد ابن مسعود وكلامه لا يخالف هذا . وروى جماعة أيضا من حديث معمر عن أبي إسحاق عن الزبير بن الخريت عن سلمان قال : إذا كان لك صديق عامل فدعاك إلى طعام فاقبله ، فإن مهنأه لك وإثمه عليه قال معمر : وكان عدي بن أرطاة عامل البصرة يبعث إلى الحسن كل يوم بجفان ثريد ، فيأكل منها ويطعم أصحابه ، ويبعث عدي إلى الشعبي وابن سيرين والحسن ، فقبل الحسن والشعبي [ ص: 660 ] ورد ابن سيرين . قال : وسئل الحسن عن طعام الصيارفة فقال : قد أخبركم الله عن اليهود والنصارى أنهم يأكلون الربا وأحل لكم طعامهم .

وقال منصور : قلت لإبراهيم اللخمي : عريف لنا يصيب من الظلم فيدعوني فلا أجيبه ، فقال إبراهيم : للشيطان غرض بهذا ليوقع عداوة ، وقد كان العمال يهمطون ويصيبون ثم يدعون فيجابون . قلت : نزلت بعامل فنزلني وأجاز لي قال [ اقبل ] قلت : فصاحب ربا ، قال : اقبل ما لم تره بعينه .

قال الجوهري : الهمط الظلم والخلط ويقال : همط الناس فلان يهمطهم إذا ظلمهم حقهم ، والهمط أيضا الأخذ بغير تقدير : وينبني على هذا الخلاف حكم معاملته وقبول صدقته وهبته وإجابة دعوته ونحو ذلك ، قال ابن الجوزي : بناء على ما ذكره إذا كان الأكثر الحرام يجب السؤال ، وإن لم يكن أكثر فالورع التفتيش ولا يجب ، فإن كان هو المسئول وعلمت إن له غرضا في حضورك وقبول [ ص: 661 ] هديته فلا ثقة بقوله والله أعلم ، وإن لم يعلم أن في المال حراما فالأصل الإباحة ، ولا تحريم بالاحتمال ، وإن كان تركه أولى للشك فيه ، وإن قوي سبب التحريم فظنه فيتوجه فيه كآنية أهل الكتاب وطعامهم .

[ ص: 658 ]

التالي السابق


[ ص: 658 ] مسألة 2 ) قوله : وإذا شك في تحريم المال وعلم أن فيه حراما وحلالا كمن في ماله هذا وهذا ، فقيل بالتحريم ، قطع به شرف الإسلام عبد الوهاب بن أبي الفرج في كتاب المنتخب ، ذكره قبيل باب الصيد وقال الأزجي في نهايته : هذا قياس المذهب وقدمه أبو الخطاب في الانتصار في مسألة اشتباه الأواني ، والثاني إن زاد الحرام على الثلث حرم الكل وإلا فلا ، قدمه في الرعاية والثالث إن كان الأكثر الحرام حرم وإلا فلا ، قطع به ابن الجوزي في المنهاج ، وذكر شيخنا : إن غلب الحرام هل تحرم معاملته ؟ أم تكره ، على وجهين . والرابع عدم التحريم مطلقا ، قل الحرام أو كثر ، لكن يكره ، وتقوى الكراهية وتضعف بحسب كثرة الحرام [ ص: 659 ] وقلته ، جزم به في المغني وغيره ، وقدمه الأزجي وغيره ، انتهى ، وأطلقها في الآداب الكبرى والقواعد الأصولية ( قلت ) : الصحيح الأخير ، على ما اصطلحناه ، وجزم به الشارح .

وقاله ابن عقيل في الفصول ، وغيره ، قال في الآداب الكبرى بعد أن ذكر ما ذكره المصنف هنا عن هذا القول : وهو ظاهر ما قطع به ، وقدمه غير واحد ، ثم قال : قدمه الأزجي وغيره ، وجزم به في المغني وغيره ، انتهى ، والصواب القول الأول ، لقوله عليه أفضل الصلاة والسلام { دع ما يريبك إلى ما لا يريبك } وقد قال في آداب الرعاية الكبرى : ولا يأكل مختلطا بحرام بلا ضرورة ، والله أعلم ، ولا يسعنا إلا حلم الله وعفوه . [ ص: 660 ] تنبيه ) قوله : وينبني على هذا حكم معاملته وقبول صدقته وإجابة دعوته ونحو ذلك ، انتهى قد علمت الصحيح من المذهب من ذلك ،

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث