الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 27 ] باب بيان وقت الحج والعمرة

قال الشافعي رضي الله عنه : قال الله جل وعز الحج أشهر معلومات [ البقرة : 197 ] ، الآية ( قال الشافعي ) : وأشهر الحج شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة وهو يوم عرفة فمن لم يدركه إلى الفجر من يوم النحر فقد فاته الحج ، وروي أن جابر بن عبد الله سئل أيهل بالحج قبل أشهر الحج ؟ قال لا . وعن عطاء أنه قيل له أرأيت رجلا مهلا بالحج في رمضان ما كنت قائلا له ؟ قال : أقول له اجعلها عمرة . وعن عكرمة قال لا ينبغي لأحد أن يحرم بالحج إلا في أشهر الحج من أجل قول الله جل وعز الحج أشهر معلومات [ البقرة : 197 ] .

قال الماوردي : وهو كما قال أشهر الحج التي ذكرها الله تعالى في كتابه ، بقوله سبحانه الحج أشهر معلومات [ البقرة : 197 ] شوال وذو القعدة ، وعشر ليال من ذي الحجة إلى طلوع الفجر من يوم النحر .

وبه قال من الصحابة عبد الله بن مسعود وجابر بن عبد الله وابن الزبير رضي الله عنهم .

ومن التابعين الحسن وابن سيرين والشعبي .

ومن الفقهاء الثوري وأبو ثور .

وقال أبو حنيفة : شهور الحج شوال وذو القعدة إلى آخر يوم النحر من ذي الحجة .

وقال مالك : شوال وذو القعدة ، وذو الحجة ، فجعلها ثلاثة أشهر كملا ، وبه قال من الصحابة عمر رضوان الله عليه ، ومن التابعين طاوس ، فأما أبو حنيفة فاستدل على أن يوم النحر من أشهر الحج بقوله تعالى : الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج [ البقرة : 197 ] ، فأخبر أن من أحرم بالحج حرم عليه الوطء في أشهر الحج ، ووطء الحاج في يوم النحر حرام ، فدل على أنه من أشهر الحج ، ولأن كل ليلة كانت من شهور الحج ، كان يومها من شهور الحج كالليلة الأولى ، وأما مالك فإنه استدل [ ص: 28 ] على أن شهور الحج ثلاثة كاملة ، بقوله تعالى : الحج أشهر معلومات [ البقرة : 197 ] ، والأشهر عبارة عن الجمع ، وأقل ما يتناوله الجمع المطلق ثلاثة ، ولأن كل شهر كان أوله من شهور الحج كان آخره من شهور الحج كالأول والثاني ودليلنا قوله تعالى : الحج أشهر معلومات [ البقرة : 197 ] ، الآية وفيها دليلان .

أحدهما : أنه خص أشهر الحج بالذكر لاختصاصهما بمعنى ، وهو عندنا جواز الإحرام فيها بالحج وعندهم استحباب الإحرام فيها بالحج ، وأجمعنا على أن يوم النحر مخالف لما قبله ، لأن عندنا أن الإحرام فيه بالحج لا يجوز ، وعندهم لا يستحب فدل على أنه وما بعده من غير أيام الحج .

والدلالة الثانية : أن أشهر الحج زمان لإدراك الحج ، وآخر زمان الإدراك طلوع الفجر من يوم النحر ، لقوله صلى الله عليه وسلم : من أدرك عرفة ليلة النحر فقد أدرك الحج فعلم أن يوم النحر وما بعده من غير أشهر الحج ، ولأن كل زمان لو اعتمر فيه المتمتع لم يلزمه الدم بوجه ، فليس من أشهر الحج أصله رمضان ، لأنه لو اعتمر في رمضان لم يلزمه الدم ، ولو اعتمر في شوال قبل يوم النحر لزمه الدم بوجه ، ولو اعتمر في يوم النحر وما بعده لم يلزمه الدم ، فعلم أنه من غير أشهر الحج ، ويدل على أبي حنيفة أنه يوم سن فيه الرمي ، فوجب أن لا يكون من أشهر الحج كأيام التشريق ، فأما ما استدل به أبو حنيفة من تحريم الوطء فهو من النحر ، قلنا : قد يمكن إباحة الوطء فيه ، وهي أن يعجل الرمي ، وطواف الزيارة فيستبيح فيه الوطء ، وأما ما استدل به مالك من قوله تعالى : الحج أشهر [ البقرة : 197 ] وأن المراد به أقل الجمع قلنا : إنما أراد أفعال الحج في أشهر معلومات ، لأن الحج لا يكون زمانا وإنما تقع أفعاله في الزمان ، وإذا وقع الفعل في بعض الشهر كان واقعا في الشهر ، على أن مطلق الجمع قد يقع على اثنين وبعض ثالث ، قال الله تعالى : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء [ البقرة : 228 ] ، والمراد به قرآن ، وبعض ثالث فسقط ما قالوه والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث