الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " فلا يجوز لأحد أن يحج قبل أشهر الحج فإن فعل فإنها تكون عمرة كرجل دخل في صلاة قبل وقتها فإنها تكون نافلة " .

قال الماوردي : وهذا صحيح ، لا يجوز الإحرام بالحج قبل أشهره فإن أحرم بالحج انعقد إحرامه عمرة .

وبه قال من الصحابة عمر وابن مسعود وجابر بن عبد الله وابن عباس .

[ ص: 29 ] ومن التابعين طاوس ومجاهد وعطاء .

ومن الفقهاء الأوزاعي وأحمد وإسحاق .

وقال مالك وأبو حنيفة والثوري : ينعقد إحرامه بالحج قبل أشهره تعلقا بقوله تعالى : يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج [ البقرة : 189 ] ، فأخبر أن الأهلة كلها وقت للحج ، ولأنها عبادة تدخل فيها النيابة ، وتجب في إفسادها الكفارة ، فوجب أن لا يختص بزمان كالعمرة ، قالوا : ولأن الحج يختص بزمان ومكان ، فالزمان هو أشهر الحج والمكان هو الميقات فلما جاز تقديمه على المكان ، جاز تقديمه على الزمان وعكس هذا الوقوف بعرفة ، لما لم يجز تقديمه على زمانه لم يجز تقديمه على مكانه قالوا : ولأن الإحرام بالحج قد يصح في زمان لا يمكنه إيقاع أفعال الحج فيه ، وهو شوال ، فعلم أنه لا يختص بزمان ، ودليلنا قوله تعالى : الحج أشهر معلومات [ البقرة : 197 ] ، وفي ذلك دليلان :

أحدهما : أن قوله الحج أشهر [ البقرة : 197 ] يريد وقت الحج فجعل وقت الحج أشهرا فلو انعقد الإحرام في غيرها ، لم تكن الأشهر وقتا له ، وإنما تكون في بعض وقته .

والدلالة الثانية : أنه لما جعل وقت الحج أشهرا معلومات وإن كان الحج الإحرام ، والوقوف ، والطواف والسعي وكان الطواف والسعي لا يختص بها ، بل يصح فيها وفي غيرها ولم يكن الوقوف في جميعها حصل الاختصاص لها بالإحرام فكأنه قال : الإحرام بالحج في أشهر معلومات ، فإن قالوا : ليس الإحرام عندنا من الحج قلنا هو عندنا من الحج ، وإن لم يكن عندكم من الحج ، فإنه يدخل به في الحج فيصير داخلا في الحج قبل أشهره ، فإن قالوا : إنما جعل وقت استحباب الإحرام أشهرا إلا وقت انعقاده وجوازه ، قيل : يفسد عليكم بيوم النحر لأنه عندكم من أشهر الحج ، ولا يستحب الإحرام فيه ، ومن الدلالة على ما ذكرنا أن الإحرام ركن من أركان الحج فوجب أن يختص بوقت ، ولا يجوز تقديمه عليه .

أصله : الوقوف بعرفة ولأن كل وقت لا يصح استدامة العبادة فيه لا يصح ابتداء تلك العبادة فيه .

أصله : الجمعة إذا صار كل شيء مثليه ، لما لم يصح استدامة الجمعة فيه لم يصح الإحرام بها فيه ، ولأن كل عبادة اختص بعض أفعالها بزمان مخصوص اختص الإحرام بها بزمان مخصوص كالصوم ، وعكسه العمرة ، ولأنها عبادة مؤقتة ، فوجب أن يكون الإحرام بها مؤقتا كالصلاة فأما الجواب عن قوله تعالى : يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج [ البقرة : 189 ] ، فالجواب عنها من وجهين :

[ ص: 30 ] أحدهما : أن المراد بالحج هو الإحرام به لا جميع أفعاله ، وليس الإحرام عندهم من الحج فسقط استدلالهم به .

والثاني : أن الله تعالى أطلق الأهلة ولم يبينها ، ثم بينها بقوله تعالى : الحج أشهر معلومات [ البقرة : 197 ] ، في هذه الآية فوجب أن يكون المراد بما أطلق من الأهلة ما فسره في الآية الأخرى ، وأما الجواب عن قياسهم على العمرة ، فالمعنى فيه أنه لا يختص بعض أفعالها بوقت مخصوص ، فلذلك لم يختص الإحرام لها بوقت مخصوص ، فخالف الحج من هذا الوجه ، وأما قولهم لما جاز تقديمه على المكان كذلك على الزمان قلنا : إنما جاز تقديمه على المكان ، وهو الميقات لأن مجاوزته لا تجوز ولما كانت مجاوزة الزمان تجوز كان التقديم عليه لا يجوز ، ولو جاز التقديم عليه كما جاز مجاوزته لم يكن للحد فائدة ، وأما قولهم إنه لما انعقد الإحرام في وقت لا يجوز فيه فعل الحج دل على أنه لا يختص بزمان ، وأي أصل دلكم على هذا ، ثم هو باطل بالصلاة يصح الإحرام بها عقيب الزوال ، وإن لم يكن وقت الركوع والسجود .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث