الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة مات الشفيع قبل أن يقول أنا آخذ شفعتي

جزء التالي صفحة
السابق

1604 مسألة : وإن مات الشفيع قبل أن يقول : أنا آخذ شفعتي فقد بطل حقه ولا حق لورثته في الأخذ بالشفعة أصلا ; لأن الله تعالى إنما جعل الحق له لا لغيره ، والخيار لا يورث ، وهذا قول محمد بن سيرين .

وروينا من طريق عبد الرزاق عن فضيل عن محمد بن سالم عن الشعبي قال : سمعنا أن الشفعة لا تباع ولا توهب ولا تورث ولا تعار ، هي لصاحبها الذي وقعت له .

قال عبد الرزاق : وهو قول سفيان الثوري

وهو قول أبي حنيفة ، وسفيان بن عيينة ، والحسن بن حي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبي سليمان ، وأصحابهم .

وقال مالك ، والشافعي : الشفعة لورثته .

واحتجوا بأن قالوا : تورث الشفعة كما يورث العفو في الدم أو القصاص ما نعلم لهم شيئا أوهموا به غير هذا ، وهذا باطل ; لأنها دعوى بلا برهان ثم هو احتجاج للخطأ بالخطأ .

وقولهم : إن العفو والقصاص يورثان ، خطأ ، بل هما لمن جعلهما الله تعالى له من ذكور الأولياء فقط ، وإنما أوجب الله تعالى الميراث في الأموال ، لا فيما ليس مالا ، ولو ورث الخيار لوجب أن يورث عندهم فيمن جعل أمر امرأته بيد إنسان بعينه وخيره في طلاقها أو إبقائها ، فمات ذلك الإنسان ، فكان يجب على قولهم أن يرث ورثته ما جعل له من الخيار ، وهم لا يقولون هذا .

ونسألهم أيضا : لمن يأخذون الورثة بالشفعة ، أللميت أم لأنفسهم ؟ فإن قالوا : للميت ؟ قلنا : هذا باطل ; لأن الميت لا يملك شيئا .

وإن قالوا : لأنفسهم ؟ قلنا : هذا باطل ; لأن شركتهم إنما حدثت بعد البيع فلا توجد شفعة ، ولم يكونوا حين البيع شركاء ، فلم تجب لهم شفعة .

وهذا مما تناقض فيه المالكيون ، وخالفوا جمهور العلماء ; لأنهم يقولون : إن [ ص: 25 ] أحد الأولياء الذي لهم العفو أو القصاص إن مات وترك زوجة وبنات لم يرثن الخيار الذي له .

وهذا مما تناقض فيه الحنفيون ; لأنهم يورثون العفو والقصاص ولا يورثون الخيار هاهنا ، فأما إذا بلغ الشريك أمر البيع فقال : أنا آخذ بالشفعة ثم مات فقد صحت له ، وهي موروثة عنه حينئذ ، ولورثته الطلب ; لأنها حينئذ مال قد تم له .

ولا معنى للطلب عند القاضي ، ولا لحكم القاضي ; لأن الله تعالى لم يوجب ذلك قط ولا رسوله صلى الله عليه وسلم وإنما جعل القاضي ليجبر الممتنع من الحق فقط ولا مزيد ، ولو تعاطى الناس الحقوق بينهم ما احتيج إلى قاض وبالله تعالى التوفيق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث