الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : ويصوم السبعة إذا رجع إلى أهله " .

قال الماوردي : قد ذكرنا أن على المتمتع إذا كان معسرا صيام عشرة أيام لقوله تعالى : فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم [ البقرة : 196 ] ، وذكرنا وقت صيام الثلاثة ، فأما وقت صيام السبعة فقد اختلف قول الشافعي فيه على قولين :

أحدهما : وهو نصه هاهنا وفي " الأم أنه يصومها إذا رجع إلى أهله واستقر في بلده .

[ ص: 56 ] وبه قال من الصحابة عمر وابن عمر رضي الله عنهما ومن التابعين سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب .

ومن الفقهاء سفيان الثوري وأحمد وإسحاق .

والقول الثاني : وهو نصه في الإملاء أنه يصومها إذا رجع من حجه " بعد كمال مناسكه ، واختلف أصحابنا في ذلك لاحتمال كلامه فذهب أصحابنا البصريون إلى أن مذهبه في الإملاء أن يصومها إذا أخذ في الخروج من مكة راجعا إلى بلده ، ولا يجوز أن يصوم بمكة قبل خروجه وذهب البغداديون إلى أن مذهبه في الإملاء أن يصومها إذا رجع إلى مكة ، بعد فراغه من مناسكه ، ورميه سواء أقام بمكة أو خرج منها .

وبه قال من الصحاب ابن عباس .

ومن التابعين الحسن وعطاء .

ومن الفقهاء مالك ، وأبو حنيفة استدلالا بقوله تعالى : فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم [ البقرة : 196 ] ، أي : رجعتم عن أفعال الحج : لأنه المذكور في الآية فوجب أن يكون المراد بالرجوع رجوعا عن الحج أي : عن أفعاله ، ولأنه لو كان الرجوع إلى الأهل والوطن شرطا في جواز هذا الصوم لوجب إذا نوى المقامبمكة ، أن لا يجزئه الصيام بها ، وفي إجماعهم على جواز صيامه فيها ، إذا نوى المقام بها دليل على أن الرجوع إلى الأهل ليس بشرط ، ولأن صوم المتمتع إما أن يجب على طريق الجبران ، وهو مذهب الشافعي أو على طريق النسك وهو مذهب أبي حنيفة ، قالوا : وأيهما كان فالواجب ، أن يؤتى به على قولكم قبل السلام ، وعلى قولنا عقيب السلام فهذا وجه قوله في الإملاء " .

وحجة مالك وأبي حنيفة أن يصومها إذا رجع إلى أهله واستقر ببلده ، والدلالة على ذلك قوله تعالى : فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم ، [ البقرة : 196 ] ، فلا يخلو إما أن يكون المراد بالرجوع ما ذكروا من الرجوع عن أفعال الحج المذكور في الآية ، أو يكون المراد به الرجوع إلى الموضع الذي خرج منه فبطل ، أن يكون المراد به الرجوع عن أفعال الحج لأن المراد بالحج وقت الحج ، دون أفعاله لقوله تعالى : فصيام ثلاثة أيام في الحج [ البقرة : 196 ] ، والصوم إنما يكون في وقت الحج ، لا في أفعاله فثبت أن المراد به الرجوع ، إلى موضعه الذي خرج منه وروى مجاهد عن عطاء عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة فمن ساق الهدي فليدع ومن لم يسق الهدي فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله ، وهذا نص ، ولأن الرجوع إذا أطلق فيمن خرج عن أهله اقتضى رجوعا إليهم لأن الرجوع في الحقيقة رجوع [ ص: 57 ] إلى المكان الذي خرج منه ألا تراهم يقولون خرج زيد ثم رجع فيريدون به الرجوع إلى الموضع الذي كان منه ابتدأ الخروج ، ولأن الغالب من أمر الحاج أنهم ينشئون السفر عند الفراغ وقد سامح الله المسافر بالإفطار في الصوم الذي وجب فرضه عليه ، فكيف يجوز أن يبتدئ إيجاب فرض عليه في الوقت الذي سامحه في ترك ما فرض عليه ، فأما إذا نوى الإقامة قائما ، وجاز أن يصوم بها لأنها صارت له وطنا كالعائد إلى وطنه ، ألا تراه قبل نية مقامه يجوز أن يقصر ويفطر ، ولا يجوز ذلك له بعد نية مقامه كالمستوطن .

فأما قولهم إنه جبران كسجود السهو قيل : إنما يلزم تعجيل الجبران في أثناء العبادة ، أو عقيبها إذا فات الجبران بتأخيره كسجود السهو فأما لم يكن في تأخيره تفويته فصوم التمتع لا يفوت بتأخيره فلم يلزم تعجيله .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث