الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة الهبة والصدقة بمشاع لا ينقسم

جزء التالي صفحة
السابق

1635 - مسألة : وهبة جزء مسمى منسوب من الجميع كثلث أو ربع أو نحو ذلك من المشاع والصدقة به جائزة حسنة للشريك ولغير الشريك ، وللغني والفقير فيما ينقسم وفيما لا ينقسم ، كالحيوان وغيره ولا فرق .

وهو قول عثمان البتي ، ومعمر ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ; وأبي ثور ، وأبي سليمان ، وجميع أصحابهم - وهو قول إبراهيم النخعي .

وقال أبو حنيفة : لا تجوز هبة المشاع فيما ينقسم ، ولا الصدقة به - لا للشريك ولا لغيره ، لا على فقير ولا على غني - وتجوز الهبة والصدقة بمشاع لا ينقسم على الفقير والغني وللشريك ولغيره .

والذي ينقسم عنده : الدور ، والأرضون ، والمكيلات ، والموزونات والمعدودات ، والمذروعات - والذي لا ينقسم عنده الرأس الواحد من الحيوان ، والحمام ، والسيف ، واللؤلؤة ، والثوب ، والطريق ، ونحو ذلك .

قال : والإجارة بمشاع مما ينقسم ومما لا ينقسم لا تجوز ألبتة ، إلا من الشريك وحده - قال : ورهن المشاع الذي ينقسم والذي لا ينقسم لا يجوز ألبتة ، لا من الشريك ولا من غيره .

قال : وبيع المشاع وإصداقه والوصية به - مما ينقسم وما لا ينقسم

- : جائز من الشريك وغير الشريك ، وكذلك عتق المشاع فاعجبوا لهذه التقاسيم التي لا تعقل ، ولا لها في الديانة أصل بالمنع خاصة في شيء من ذلك ولم يختلف عنه في أن الهبة والصدقة بشيء واحد مما ينقسم : كمائة دينار ، أو كدار واحدة ، أو ضيعة واحدة ، أو كر طعام ، أو قنطار حديد ، أو غير ذلك ، لغنيين لا يجوز - واختلف عنه في الصدقة بذلك على فقيرين ، أو هبة ذلك لفقيرين ، فروي عنه في الهبة في الجامع الصغير : أنها تجوز للفقيرين - وفي الأصل : أنها لا تجوز ، والأشهر عنه في الصدقة على الفقيرين كذلك ، أنها تجوز ، إلا في رواية مبهمة غير مبينة أجمل فيها المنع فقط . [ ص: 107 ] وقال : محمد بن الحسن : إن وهب دارا لاثنين بينهما بنصفين جاز ذلك ، فإن وهب لأحدهما الثلث ، وللآخر الثلثين فدفعها إليهما معا - : جاز ذلك ، فإن دفع إلى الواحد ثم إلى الآخر - : لم يجز ذلك .

ومنع سفيان من هبة المشاع ، إلا أنه أجاز هبة واحد دارا لاثنين ، وهبة الاثنين دارا لواحد - ومنع ابن شبرمة من هبة المشاع ، ومن هبة واحد دارا لاثنين فصاعدا ، وأجاز هبة اثنين دارا لواحد .

قال أبو محمد : وما نعلم لهم شغبا موهوا به إلا إن قالوا : قبض المشاع لا يمكن . فقلنا لهم : كذبتم ، بل هو ممكن ، وهبك أنه غير ممكن فلم أجزتم بيعه ، والبيع عندكم يحتاج فيه إلى القبض ، ولم أجزتم إصداقه ، والصداق واجب فيه الإقباض قال الله تعالى : { وآتوا النساء صدقاتهن نحلة } : وقال تعالى : { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا } ولم أجزتم الوصية به ؟ ولم أجزتم إجارة المشاع من الشريك ، ومنعتم الرهن فيه من الشريك ، ومنعتم الهبة من الشريك - وأقرب ذلك لم أجزتم هبة المشاع فيما لا ينقسم والعلة واحدة . فهل في التلاعب والسخافة أكثر من هذا ؟ وموهوا أيضا بالرواية التي ذكرنا قبل من قول أبي بكر لعائشة أم المؤمنين رضي الله عنهما : إني كنت نحلتك جاد عشرين وسقا من مال الغابة فلو كنت جددتيه واحتزتيه لكان لك ، هذا دليل على المنع من هبة المشاع . قال أبو محمد : هذا عظيم جدا ، وفاحش القبح لوجوه - : أولها - أنه لا حجة في قول أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وثانيها - أنه كم قولة لأبي بكر ، وعائشة رضي الله عنهما قد خالفتموهما فيها كقول أبي بكر ، وغيره من الصحابة رضي الله عنهم في الزكاة إن لم تكن بنت مخاض فابن لبون ذكر ، وكتركه التضحية وهو غني ، وكصيام عائشة أيام التشريق ، وقولها : لا صيام لمن لم يبيته من الليل وغير ذلك كثير جدا .

وثالثها - أن هذا الخبر نفسه قد أوردناه بخلاف هذه القصة .

ورابعها - أن اللفظ الذي احتجوا به مخالف لقولهم جهارا بل فيه إجازة هبة جزء [ ص: 108 ] من المشاع لغنية ; لأنه نحلها جداد عشرين وسقا من ماله بالغابة .

ولا يخلو ذلك ضرورة من أحد وجهين - : إما أن يكون نحلها من تلك النخل ما تجد منها عشرين وسقا ، أو نحلها عشرين وسقا مجدودة ، فهي إما عدة بأن ينحلها ذلك - وهذا هو الأظهر ; وإما أنه نحلها وأمضى لها ذلك المقدار ، وهو مجهول القدر والعدد والعين في مشاع ، فرأياه معا بحضرة الصحابة جائزا ولا مخالف لهما منهم ، ولم يبطله أبو بكر لذلك .

فكذبوا في قولهم صراحا ، وإنما أبطله أبو بكر بنص قوله " لأنها لم تحزه " فقط ، ولو جددته وحازته لكان نافذا ، فعاد حجة عليهم ، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم { الحياء من الإيمان } .

فسقط كل ما موهوا به - ولله تعالى الحمد .

قال أبو محمد : فعدنا إلى قولنا فوجدنا الله تعالى قد حض على الصدقة وفعل الخير ، والفضل ، وكانت الهبة فعل خير ، وقد علم عز وجل أن في أموال المحضوضين على الهبة والصدقة مشاعا وغير مشاع ، فلو كان تعالى لم يبح لهم الصدقة والهبة في المشاع لبينه لهم ، ولما كتمه عنهم ، ومن حرم عن الله تعالى ، أو أوجب ما لم ينص الله عز وجل على تحريمه وإيجابه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم المأمور بالتبليغ ، والبيان - : فقد كذب على الله تعالى ، وافترى عليه ، وهذا عظيم جدا .

فصح يقينا : أن هبة المشاع والصدقة به ، وإجارته ورهنه - : جائز كل ذلك - فيما ينقسم وما لا ينقسم - للشريك ولغيره ، وللغني وللفقير { وما كان ربك نسيا } .

ومن طريق ابن أبي شيبة نا وكيع نا شريك عن إبراهيم بن المهاجر عن قيس بن أبي حازم " قال : { أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبة شعر من الغنيمة ، فقال : يا رسول الله هبها لي ، فإنا أهل بيت نعالج الشعر . فقال عليه الصلاة والسلام : نصيبي منها لك } وهم [ ص: 109 ] يحتجون بالمرسل ، وبرواية شريك ، وإبراهيم بن المهاجر فما صرفهم عن هذا الخبر ؟ وقد صح عن أسماء بنت أبي بكر الصديق أنها قالت للقاسم بن محمد بن أبي بكر ، ولعبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر : إني ورثت عن أختي عائشة مالا بالغابة ، وقد أعطاني معاوية بها مائة ألف ، فهو لكما ; لأنهما لم يرثا من أم المؤمنين شيئا إنما ورثا أسماء ، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر - فهذه هبة لغنيين مكثرين مشاعة ، وفعل أسماء رضي الله تعالى عنها بحضرة الصحابة رضي الله عنهم ، ولا يعرف لها منهم مخالف ، وصدقات الصحابة على بنيهم وبني بنيهم بغلة أوقافهم أشهر من الشمس صدقة أو هبة لأغنياء بمشاع .

وروينا من طريق محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فذكر قصة حنين وطلب هوازن عيالهم وأبناءهم { فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم فقال المهاجرون والأنصار : وما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم } وذكر الحديث .

فهذه هبة مشاع وهم يحتجون بهذه الطريق إذا وافقت تقليدهم .

والخبر الذي رويناه من طريق مسلم نا يحيى بن يحيى قال : أنا أبو خيثمة عن أبي الزبير عن جابر قال : { بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر علينا أبا عبيدة فتلقى عيرا لقريش وزودنا جرابا من تمر ، لم يجد لنا غيره ، فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة } فهذه عطية تمر مشاعة .

والحجة تقوم بما رويناه من طريق مسلم نا خلف بن هشام نا حماد بن زيد عن غيلان بن جرير عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري عن أبيه { أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في نفر من الأشعريين نستحمله فأمر لنا بثلاث ذود غر الذرى } وذكر الخبر - فهذه هبة مشاع لم ينقسم .

[ ص: 110 ] وأما من النظر : فليس إلا ملك صحيح ، ثم تصرف فيما صح الملك فيه ولا مزيد ، فتملك الموهوب له والمتصدق عليه بالجزء المشاع كما ملكه الواهب والمتصدق ، ولا فرق ألبتة - ويتصرف الموهوب له ، والمتصدق ; والمكتري ، كما يتصرف فيه الواهب ، والمتصدق ، والمكتري ، ووكلاؤهم ولا فرق ، وتكون يد المرتهن عليه كما هي عليه يد الراهن ووكيله ولا فرق - وهذا لا مخلص لهم منه أصلا - وبالله تعالى التوفيق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث