الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 136 ] العارية 1651 - مسألة : والعارية جائزة ، وفعل حسن ، وهي فرض في بعض المواضع ، وهي إباحة منافع بعض الشيء ، كالدابة للركوب ، والثوب للباس ، والفأس للقطع ، والقدر للطبخ ، والمقلى للقلو ، والدلو ، والحبل ، والرحى للطحن ، والإبرة للخياطة ، وسائر ما ينتفع به - ولا يحل شيء من ذلك إلى أجل مسمى ، لكن يأخذ ما أعار متى شاء ، ومن سألها إياه محتاجا : ففرض عليه إعارته إياه إذا وثق بوفائه ، فإن لم يأمنه على إضاعة ما يستعير أو على جحده فلا يعره شيئا . أما كونها فرضا كما ذكرنا ، فلقول الله تعالى : { فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراءون ويمنعون الماعون } فتوعد عز وجل من منع الماعون بالويل - : روينا من طريق إسماعيل بن إسحاق القاضي نا حجاج بن المنهال نا حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن ابن مسعود في قوله تعالى : { ويمنعون الماعون } قال : هو العواري : القدر ، والدلو ، والميزان

ومن طريق ابن أبي شيبة نا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن الحارث بن سويد عن ابن مسعود قال : الماعون ما تعاوره الناس بينهم : الفأس ، والقدر ، وأشباهه .

ومن طريق يحيى بن سعيد القطان عن جابر بن صبح حدثتني أم شراحيل قالت : [ ص: 137 ] قالت أم عطية : اذهبي إلى فلانة فأقرئيها السلام وقولي لها : إن أم عطية توصيك بتقوى الله عز وجل ولا تمنعي الماعون قالت : فقلت : ما الماعون ؟ فقالت لي : هبلت ، هي المهنة يتعاطاها الناس بينهم

ومن طريق يحيى بن سعيد أيضا ، وعبد الرحمن بن مهدي ، قال ابن مهدي : عن سفيان الثوري ، وقال يحيى : عن شعبة ، ثم اتفقا عن أبي إسحاق السبيعي عن سعيد بن عياض عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : الماعون منع القدر والفأس ، والدلو .

ومن طريق ابن علية ، وسفيان الثوري ، كلاهما عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس في تفسير { الماعون } المذكور في الآية قال ابن عطية في روايته : متاع البيت ، وقال سفيان في روايته : هي العارية - والمعنى واحد .

ورويناه أيضا : عن علي بن أبي طالب من طريق ابن أبي شيبة عن ابن علية عن ليث عن أبي إسحاق ، وهؤلاء كلهم حجة في اللغة .

وروينا عن ابن عمر : هو المال يمنع حقه - وهو موافق لما ذكرنا - وهو قول عكرمة ، وإبراهيم وغيرهما ، وما نعلم عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم خلافا لهذا

فإن قيل : قد روي عن علي رضي الله عنه أنها الزكاة قلنا : نعم ، ولم يقل ليست العارية - ثم قد جاء عنه ، أنها العارية .

فوجب جمع قوليه .

فإن قيل : قد روي عن ابن عباس " لم يأت أهلها بعد " من طريق ليث عن مجاهد .

قلنا : نعم ، وهذا غير مخالف لما صح عنه من طريق مجاهد ; لأن معنى قوله " لم يأت أهلها بعد " أي إن الناس اليوم يتباذلون ولا يمنعون وسيأتي زمان يمنعونه ، ولا يحتمل ألبتة قول ابن عباس إلا هذا الوجه - وبالله تعالى التوفيق . وأما منع ذلك لمدة مسماة ; فلأنه شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل .

وكذلك من أعار أرضا للبناء فيها ، أو حائطا للبناء عليه ، فله أخذه بهدم بنائه متى أحب بلا تكليف عوض لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام } وأن من أضاع ما يستعير أو جحده ولم يؤمن ذلك منه فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن إضاعة المال ونهى الله تعالى عن التعاون على الإثم والعدوان ، فلا يجوز عونه على ذلك - وبالله تعالى التوفيق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث