الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة العتق بشرط أو بمال

جزء التالي صفحة
السابق

1663 - مسألة : ولا يجوز عتق بشرط أصلا ، ولا بإعطاء مال إلا في " الكتابة " فقط ، ولا بشرط خدمة ، ولا بغير ذلك ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : { كل شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل } " .

فإن ذكر ذاكر ما روينا من طريق حماد بن سلمة نا سعيد بن جمهان نا سفينة أبو عبد الرحمن مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : " قالت لي أم سلمة : أريد أن أعتقك وأشترط عليك أن تخدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما عشت قلت : إن لم تشترطي علي لم أفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أموت ، قال : فأعتقتني واشترطت علي أن أخدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما عاش " .

ورويناه أيضا من طريق عبد الوارث بن سعيد عن سعيد بن جمهان عن سفينة ، فسعيد بن جمهان غير مشهور بالعدالة ، بل مذكور أنه لا يقوم حديثه - ثم لو صح [ ص: 165 ] فليس فيه : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عرف ذلك فأقره ، والحنفيون ، والمالكيون ، والشافعيون : لا يجيزون العتق بشرط أن يخدم فلانا ما عاش - فقد خالفوا هذا الخبر .

روينا من طريق ابن وهب عن عبد الله بن عمر عن أبي بكر عن سالم بن عبد الله بن عمر قال : أعتق عمر بن الخطاب كل من صلى سجدتين من رقيق الإمارة ، واشترط على بعضهم خدمة من بعده إن أحب سنتين أو ثلاثا .

ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني أيوب بن موسى أخبرني نافع عن عبد الله بن عمر قال : إن عمر بن الخطاب أعتق كل من صلى من سبي العرب ، فبت عتقهم ، وشرط عليهم : أنكم تخدمون الخليفة بعدي ثلاث سنوات ، وشرط لهم : أنه يصحبكم بمثل ما كنت أصحبكم به - فابتاع الخيار خدمته تلك الثلاث سنوات من عثمان بأبي فروة وخلى سبيل الخيار ، وقبض أبا فروة .

وبه إلى ابن جريج عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر أنه أعتق غلاما له وشرط عليه أن له عمله سنتين ، فعمل له بعض سنة ، ثم قال له : قد تركت لك الذي اشترطت عليك فأنت حر ، وليس عليك عمل .

ومن طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال : كان علي بن أبي طالب تصدق بعد موته بأرض له ، وأعتق بعض رقيقه ، وشرط عليهم أن يعملوا فيها خمس سنين .

ومن طريق ابن أبي شيبة نا عباد عن حجاج عن القاسم بن عبد الرحمن عن المغيرة بن سعد بن الأخرم عن أبيه أن رجلا أتى ابن مسعود فقال : إني أعتقت أمتي هذه واشترطت عليها أن تلي مني ما تلي الأمة من سيدها إلا الفرج ، فلما غلظت رقبتها قالت : إني حرة فقال ابن مسعود : ليس ذلك لها ، خذ برقبتها فانطلق بها فلك ما اشترطت عليها .

قال أبو محمد : الحنفيون ، والمالكيون ، والشافعيون : مخالفون لجميع هذه الآثار ; لأن في جميعها العتق بشرط الخدمة بعد العتق ، وإلى غير أجل - وهم لا يجيزون هذا ; ولا يعرف لهم من الصحابة مخالف ، وهم يعظمون مثل هذا إذا وافق [ ص: 166 ] رأيهم ، وأما نحن فلا حجة عندنا في قول أحد دون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

وروينا عن سعيد بن المسيب : من أعتق عبده واشترط خدمته عتق وبطل شرطه - : رويناه من طريق ابن أبي شيبة عن أبي خالد الأحمر عن يحيى بن سعيد عن ابن المسيب .

ومن طريق ابن أبي شيبة عن عباد بن العوام عن يحيى بن سعيد التيمي عن أبيه عن شريح مثله .

وأجازوا العتق على إعطاء مال ، ولا يحفظ هذا فيما نعلمه عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم في غير الكتابة .

فإن قالوا : قسنا ذلك على الكتابة .

قلنا : ناقضتم ، لأنكم لا تجيزون في الكتابة الضمان ولا الأداء بعد العتق ، وتجيزون كل ذلك في العتق على مال .

ولا تجيزون في الكتابة أن يكون أمد أداء المال مجهولا ، وتجيزون ذلك في العتق على مال - فقد أبطلتم قياسكم ، فكيف والقياس كله باطل ؟ .

ثم لهم في هذا غرائب - : فأما أبو حنيفة فإنه قال : من قال لعبده : أنت حر على أن تخدمني أربع سنين ، فقبل العبد ذلك فعتق ثم مات من ساعته .

فمرة قال : في ماله قيمة خدمته أربع سنين - وهو قول الشافعي - ثم رجع فقال : في ماله قيمة رقبته .

قال : ومن قال لعبده : أنت حر على ألف درهم ، أو على أن عليك ألف درهم ، فالخيار للعبد في قبول ذلك أو رده ، فإن قبل ذلك في المجلس فهو حر ، والمال دين عليه ، وإن لم يقبل فلا عتق له ولا مال عليه .

قال : فإن قال له : إذا أديت إلي ألف درهم فأنت حر ، فله بيعه ما لم يؤدها ، فإذا أداها فهو حر .

وقال مالك : من قال لعبده : أنت حر على أن عليك ألف درهم : لم يلزم العبد أداؤها ولا حرية له إلا بأدائها ، فإذا أداها فهو حر .

قال : فلو قال : إن جئتني بألف درهم فأنت حر ، ومتى ما جئتني بألف درهم فأنت [ ص: 167 ] حر - : فليس له أن يبيعه حتى يتلوم له السلطان ولا ينجم عليه ، فإن عجز عجزه السلطان وكان لسيده بيعه .

قال : فلو قال لعبده : أنت حر الساعة وعليك ألف درهم : فهو حر والمال عليه - قال ابن القاسم صاحبه : هو حر ولا شيء عليه .

قال أبو محمد : وهذا هو الصحيح ; لأنه لم يعلق الحرية بالغرم ، بل أمضاها بتلة بغير شرط ، ثم ألزمه ما لا يلزمه ، فهو باطل .

ولكن ليت شعري كم يتلوم له السلطان ، أساعة أم ساعتين أم يوما أم يومين أم جمعة أم جمعتين أم حولا أم حولين ؟ وكل حد في هذا فهو باطل بيقين ; لأنه دعوى بلا برهان - والقول في هذا : أنه إن أخرج كلامه مخرج العتق بالصفة فهو لازم ; لأنه ملكه فمتى ما جاءه بما قال فهو حر له ذلك ما بقي عنده ، وللسيد بيعه قبل أن يستحق العتق ; لأنه عبده - وهذه أقوال لا تحفظ عمن قبلهم ، وجعل خيارا للعبد حيث لا دليل على أن له الخيار - وبالله تعالى التوفيق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث