الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة من ملك ذا رحم محرم منه

جزء التالي صفحة
السابق

1669 - مسألة : ومن ملك ذا رحم محرمة فهو حر ساعة يملكه ، فإن ملك بعضه [ ص: 187 ] لم يعتق عليه ، إلا الوالدين خاصة ، والأجداد والجدات فقط ، فإنهم يعتقون عليه كلهم - إن كان له مال يحمل قيمتهم فإن لم يكن له مال يحمل قيمتهم استسعوا .

وهم كل من : ولده من جهة أم أو جدة أو جد أو أب .

وكل من : ولده هو من جهة ولد أو ابنة ، والأعمام ، والعمات - وإن علوا كيف كانوا لأم أو لأب ، والأخوات والإخوة كذلك .

ومن نالته ولادة أخ أو أخت بأي جهة كانت .

ومن كان له مال وله أب أو أم أو جد أو جدة أجبر على ابتياعهم بأغلى قيمتهم وعتقهم إذا أراد سيدهم بيعهم ، فإن أبى لم يجبر السيد على البيع

وإن ملك ذا رحم غير محرمة أو ملك ذا محرم بغير رحم - لكن بصهر أو وطء أب أو ابن - لم يلزمه عتقهم وله بيعهم إن شاء .

وقالت طائفة : لا يعتق إلا من ولده ، من جهة أب أو أم ، أو من ولده هو كذلك ، أو أخ أو أخت فقط .

ولا يعتق العم ولا العمة ، ولا الخال ولا الخالة ، ولا من ولد الأخ أو الأخت - وهو قول مالك .

وصح عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، وروي عن ربيعة ، ومكحول ، ومجاهد ، ولم يصح عنهم ، ولا روي عنهم : أن من عدا هؤلاء لا يعتق .

وقالت طائفة : لا يعتق إلا من ولده من جهة أب أو أم ، ومن ولده هو كذلك ، ولا يعتق غير هؤلاء ، لا أخ وغيره - وهو قول الشافعي .

وقال أبو سليمان : لا يعتق أحد على أحد .

وقال الأوزاعي : يعتق كل ذي رحم محرمة كانت أو غير محرمة حتى ابن العم وابن الخال فإنهما يعتقان عليه ويستسعيهما .

قال أبو محمد : ما نعلم قول الشافعي عن أحد قبله ، فإن ذكروا : أنه روي عن إبراهيم أنه إذا ملك الوالد والولد عتق .

[ ص: 188 ] قلنا : نعم ، وقد صح عنه هذا أيضا في كل ذي رحم وليس في قوله " إذا ملك الوالد الولد عتق " أن غيرهما لا يعتق ، ولا نعلم له حجة إلا دعوى الإجماع على عتق من ذكرنا ، وهذه دعوى كاذبة فما يحفظ في هذه المسألة قول عن عشرين من صاحب وتابع - وهم ألوف - فأين الإجماع ؟ فإن قالوا : قال الله تعالى : { وبالوالدين إحسانا }

قلنا : أتموا الآية { وبذي القربى } فسقط هذا القول

واحتج المالكيون بقول الله تعالى في الوالدين : { واخفض لهما جناح الذل من الرحمة } .

قالوا : ولا يمكن خفض الجناح والذل لهما مع استرقاقهما .

قالوا : وأما الولد : فإن الله تعالى يقول : { وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا } .

قالوا : فوجب أن الرق ، والولادة لا يجتمعان .

قالوا : وأما الأخ : فقد قال تعالى عن موسى عليه الصلاة والسلام : { إني لا أملك إلا نفسي وأخي } .

قالوا : فكما لا يملك نفسه كذلك لا يملك أخاه .

وبما روينا من طريق زكريا بن يحيى الساجي نا أحمد بن محمد نا سليمان بن داود نا حفص بن سليمان - هو القارئ - عن محمد بن أبي ليلى عن عطاء عن ابن عباس { كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مولى يقال له صالح اشترى أخا له مملوكا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قد عتق حين ملكته } .

قال أبو محمد : وهذا أثر فاسد ; لأن حفص بن سليمان ساقط ، وابن أبي ليلى سيء الحفظ ، ولو صح لم يكن فيه إرقاق من عدا الأخ .

وأما احتجاجهم بقول الله تعالى : { إني لا أملك إلا نفسي وأخي } فتحريف للكلم عن مواضعه وتخليط سمج .

ولو كان هذا يحتج به من يرى أن الأخ يملك لكان أدخل في الشبهة ; لأن فيه [ ص: 189 ] إثبات الملك على الأخ والنفس ، ومن المحال أن يقع لأحد ملك رق على نفسه ، وليس محالا ملك أخيه وأبيه ، ولا يجوز قياس الأخ على النفس ; لأن الإنسان يصرف نفسه في الطاعة أو المعصية بقدر الله تعالى ويملك نفسه في ذلك ، كما قال موسى عليه الصلاة والسلام إنه يملك نفسه في الجهاد ، ولا يصرف أخاه كذلك ولا يطيعه ، ففسد هذا القياس البارد الذي لم يسمع قط بأسخف منه .

وأما قول الله تعالى : { وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا } فلا يجوز ألبتة أن يستدل من هذا على عتق الابن ولا على أنه لا يملك ; لأن الله تعالى لم يدل على ذلك بهذه الآية ، وليس فيها إلا الخبر عنهم بما هم عليه من أنهم عبيد لا أولاد ، ولو كان ما قالوه لوجب عتق الزوجة والشريك - إذا ملكا - لأن الله تعالى انتفى عن الولد سواء سواء ، وأخبر أن الكل عبيده ولا فرق فسقط احتجاجهم جملة ، وبالله تعالى التوفيق .

وأما من قال : لا يعتق أحد على أحد فإنهم ذكروا ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا يجزي ولد والدا إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه } .

قال أبو محمد : هذا حجة عليهم ; لأن الله تعالى يقول : { أن اشكر لي ولوالديك } فافترض عز وجل شكر الأبوين وجزاؤهما هو من شكرهما ، فجزاؤهما فرض ، فإذ هو فرض ، وجزاؤهما لا يكون إلا بالعتق فعتقهما فرض ، وما نعلم لهم حجة غير ما ذكرنا .

ثم نظرنا : فيما احتج به الأوزاعي فوجدنا من حجته قول الله تعالى { وبالوالدين إحسانا وبذي القربى } .

قال علي : وهذا لا يوجب العتق ; لأن الإحسان فرض إلى العبيد ، ولا يقتضي ذلك عتقهم فرضا ، ولو وجب ذلك في ابن العم ، وابن الخال لوجب في كل مملوك ; لأن الناس يجتمعون في أب بعد أب إلى آدم عليه السلام ، ولا يجوز أن يخص بهذا ابن العم ، وابن الخال : دون ابن ابن العم وابن ابن الخال ، وهكذا صعدا ، فبطل هذا القول بيقين .

ثم نظرنا في قولنا فوجدنا ما روينا من طريق أحمد بن شعيب نا [ ص: 190 ] عيسى بن محمد - هو أبو عمير الرملي - وعيسى بن يونس الفاخوري عن ضمرة بن سعيد عن سفيان الثوري عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { من ملك ذا رحم محرم عتق } فهذا خبر صحيح كل رواته ثقات تقوم به الحجة - وقد تعلل فيه الطوائف المذكورة بأن ضمرة انفرد به وأخطأ فيه .

فقلنا : فكان ماذا إذا انفرد به ؟ ومتى لحقتم بالمعتزلة في أن لا تقبلوا ما رواه الواحد عن الواحد ، وكم خبر انفرد به راويه فقبلتموه ، وليتكم لا تقبلون ما انفرد به من لا خير فيه ، كابن لهيعة ، وجابر الجعفي ، وغيره .

فأما دعوى أنه أخطأ فيه فباطل ; لأنها دعوى بلا برهان وهذا موضع قبله الحنفيون وقالوا به ، ولم يروا انفراد ضمرة به علة ، ثم أتوا إلى ما رويناه من طريق ابن وهب عن الليث بن سعد عن عبيد الله بن أبي جعفر عن بكير بن الأشج عن نافع عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { من أعتق عبدا وله مال فماله له ، إلا أن يستثنيه السيد } فقالوا انفرد به عبيد الله بن أبي جعفر وأخطأ فيه ، فيا للمسلمين إذا رأى المالكيون ، والشافعيون هذا الخبر صحيحا وعملوا به ، ولم يروا انفراد عبيد الله بن أبي جعفر به وقول من قال : إنه خطأ فيه حجة في رده وتركه ، ورأى الحنفيون انفراد عبيد الله بن أبي جعفر بهذا الخبر وقول من قال : إنه أخطأ فيه حجة في تركه ورده ، ولم يروا انفراد ضمرة بذلك الخبر وقول من قال : إنه أخطأ فيه حجة في تركه ورده ، فهل من الدليل على التلاعب بالدين وقلة المراقبة لله تعالى أكثر من هذا ؟ ونعوذ بالله من الضلال باتباع الهوى .

وقد روينا هذا الخبر أيضا : من طريق حماد بن سلمة عن عاصم الأحول وقتادة عن الحسن البصري عن سمرة بن جندب " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { من ملك ذا رحم محرمة فهو حر } فصحح الحنفيون هذا الخبر ورأوه حجة وقالوا : لا يضره ما قيل : أن الحسن لم يسمع من سمرة ، والمنقطع تقوم به الحجة ، ثم أتوا إلى مرسل رويناه من طريق ابن أبي شيبة نا محمد بن بشر عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { عهدة الرقيق ثلاث } فقالوا : لم يصح سماع الحسن من سمرة ، وهو منقطع لا تقوم به حجة .

وقلب المالكيون هذا العمل فرأوا رواية الحسن عن سمرة في عهدة الرقيق حجة لا يضره ما قيل : من أن الحسن لم يسمع من سمرة ، والمنقطع تقوم به الحجة ، ولم يروا [ ص: 191 ] خبر عتق ذي الرحم المحرمة حجة ; لأن الحسن لم يسمع من سمرة شيئا ، والمنقطع لا تقوم به الحجة وفي هذا كفاية لمن عقل ونصح نفسه ؟ قال أبو محمد : فبطلت الأقوال إلا قولنا - ولله الحمد - وبه يقول جمهور السلف - : روينا من طريق الخشني نا محمد بن بشار نا أبو عاصم - هو الضحاك ابن مخلد - نا أبو عوانة عن الحكم بن عتيبة عن إبراهيم النخعي عن الأسود بن يزيد عن عمر بن الخطاب قال : من ملك ذا رحم محرم فهو حر .

وبه إلى بندار نا غندر نا شعبة ، وسفيان الثوري ، قال شعبة عن غيلان وقال سفيان عن سلمة بن كهيل ، كلاهما عن المستورد - هو ابن الأحنف - أن رجلا أتى عبد الله بن مسعود فقال له : إن عمي زوجني جارية له ، وإنه يريد أن يسترق ولدي ؟ فقال له ابن مسعود : ليس له ذلك .

ومن طريق عبد الرحمن بن مهدي عن حماد بن زيد عن ابن شبرمة عن الحارث العكلي عن إبراهيم النخعي قال : من ملك ذا رحم فهو حر - وهو قول ابن شبرمة .

ومن طريق عبد الرزاق نا معمر عن قتادة عن الحسن ، وجابر بن زيد قالا جميعا : من ملك ذا رحم عتق .

ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن إسماعيل بن أمية عن عطاء قال : إذا ملك الأخ ، والأخت ، والعمة ، والخالة عتقوا .

ومن طريق وكيع عن شعبة عن الحكم بن عتيبة ، وحماد بن أبي سليمان قالا جميعا : كل من ملك ذا رحم محرمة عتق .

وصح أيضا عن قتادة - وهو قول الزهري ، وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، والليث بن سعد ، وسفيان الثوري ، والحسن بن حي وأبي حنيفة ، وجميع أصحابه ، وعبد الله بن وهب وغيرهم .

وهذا مما خالف فيه المالكيون جمهور العلماء وصاحبين لا يعرف لهما من الصحابة مخالف ، وهم يشنعون بأقل من هذا إذا وافق تقليدهم .

[ ص: 192 ] وقد روينا من طريق الحسن ما رواه عبد الرزاق عن هشام بن حسان عن الحسن : من ملك أخاه من الرضاعة عتق .

ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن الأعمش عن إبراهيم النخعي عن علقمة : أن ابن مسعود مقت رجلا أراد أن يبيع جارية له أرضعت ولده .

قال أبو محمد : وما نعلم لهذا حجة إلا أن الحنفيين ، والمالكيين والشافعيين : أصحاب قياس بزعمهم ، فكان يلزمهم أن يقيسوا الأم من الرضاع ، والأب من الرضاع ، والولد من الرضاع ، والأخ من الرضاع : على كل ذلك من النسب ، لا سيما مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : { يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب } فهذا أصح من كل قياس قالوا به .

قال أبو محمد : ثم استدركنا فرأينا من حجتهم أن قالوا : إن السنة توجب أن يعتق ذوو المحارم من الرضاع أيضا ولا بد : لما روينا من طريق مسلم نا محمد بن رمح نا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن عراك بن مالك عن عروة عن عائشة أم المؤمنين " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب } .

ومن طريق مسلم نا هداب بن خالد نا همام نا قتادة عن جابر بن يزيد عن ابن عباس " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { يحرم من الرضاعة ما يحرم من الرحم } " .

ووجدنا " يحرم من الرحم ، ومن النسب " تمادي ملك كل ذي رحم محرمة وذي نسب محرم ، فوجب ولا بد أن يحرم تمادي الملك فيمن يمت بالرضاعة كذلك ولا بد .

فنظرنا في هذا الاحتجاج فوجدناه شغبيا - : أول ذلك - أن ملك ذي الرحم المحرمة ليس حراما ، بل هو صحيح لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : { من ملك ذا رحم محرمة فهو حر } " فأوقع الملك عليه ثم ألزم العتق ، ولو لا صحة ملكه لم يصح عتقه .

[ ص: 193 ] ثم وجدنا قولهم : إن تمادي ملك ذي الرحم المحرمة يحرم خطأ ; لأنه لو لم يكن هاهنا إلا تحريم تمادي الملك لكان العتق لا يجب ولا بد ، بل كان له أن يهبه فيسقط ملكه عنه ، أو أن يتصدق به فيبطل بهذا ما قالوا من أن تمادي الملك يحرم ، وكان الحق أن يقولوا : إن العتق يجب عقيب الملك بلا فصل ولا مهلة ، ولم يقل عليه الصلاة والسلام : إنه يجب في الرضاع ما يجب في النسب ، وما يجب في الرحم ، ولو قال هذا لوجب العتق كما قالوا وإنما قال : { يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ومن الرحم } فصح أنه إنما يحرم النكاح والتلذذ فقط ، فهو حرام فيهما معا ، وأما من ملك بعض ذي الرحم المحرمة فلم يملك ذا رحم محرمة فليس عليه عتقه ، إذ لم يوجب النص ذلك .

وأما قولنا في الوالدين بخلاف ذلك ، فلما روينا من طريق مسلم نا أبو بكر بن أبي شيبة ، وزهير بن حرب ، قالا جميعا : نا جرير - هو ابن حازم - عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا يجزي ولد والدا إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه } قال أبو بكر في روايته " والده " واتفقا في غير ذلك .

ومن طريق محمد بن المثنى نا مؤمل بن إسماعيل الحميري نا سفيان الثوري عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لا يجزي ولد والديه إلا أن يجدهما أو أحدهما مملوكا فيشتريه فيعتقه } .

واسم " الوالد " يقع على الجد والجدة ، ما لم يخصهما نص ، ويلزمه أن يشتريه بما يشتري به الرقبة الواجبة للعتق ، والحر والعبد سواء في كل ما ذكرنا ، لعموم قوله عليه الصلاة والسلام : { من ملك ذا رحم محرمة فهو حر } فولد العبد من أمته حر على أبيه .

روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج قلت لعطاء : اليتيم أمه محتاجة أن ينفق عليها من ماله ؟ قال : نعم ، قلت : فإن كانت أمه أمة أتعتق فيه ؟ قال : نعم ، يكره على إعتاقها إن لم يتمتعوا بها ويحتاجوه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث