الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما يجتنبه المحرم من الطيب ولبس الثياب

[ ص: 96 ] باب ما يجتنبه المحرم من الطيب ولبس الثياب

مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " ولا يلبس المحرم قميصا ولا عمامة ولا برنسا ولا خفين إلا أن لا يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما أسفل الكعبين وإن لم يجد إزارا لبس سراويل . لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم كله " .

قال الماوردي : والأصل في هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد الإحرام خالف معهوده في لبسه . فسئل عما يلبسه المحرم ، فروى الزهري عن سالم عن أبيه أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يلبسه المحرم فقال : " لا يلبس المحرم القميص ، ولا السراويل ، ولا العمامة ، ولا البرنس ، ولا الخفين ، إلا أن لا يجد النعلين ، فمن لم يجد النعلين ، فليلبس الخفين ويقطعهما ، حتى يكونا أسفل من الكعبين " . وروى نافع عن ابن عمر قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلبس المحرم القميص ، والأقبية ، والخفين ، والسراويلات ، أو يلبس ثوبا فيه ورس ، أو زعفران " .

فإن قيل : فلما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يلبس المحرم ؟ فأجاب بما لا يلبس ، وذلك لا يكون جوابا لسؤالهم .

قيل : عنه جوابان :

أحدهما : أن السائل أخطأ في سؤاله لأن أصل اللباس على الإباحة وإنما كان ينبغي أن يسأله عما لا يلبس : لأن الحظر طارئ ، فأجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم عما كان ينبغي أن يسأل عنه ليعلمه أنه قد أخطأ في سؤاله ، ويخبره حكم ما جهله .

والجواب الثاني : أن ما يجوز له لبسه أكثر فما حظر عليه ، وفي ذكر جميعه إطالة ، فذكر ما حظر عليه ، ليستدل به على إباحة ما سواه .

فإذا ثبت هذا ، فقد نص على القميص والقباء ونبه على الجبة ، والدراعة ، ونص على السراويل ، ونبه على التبان ، ونص على البرنس ، ونبه على العمامة ، وجملة ذلك أنه لا يجوز أن يلبس في رأسه مخيطا ، ولا غيره من عمامة ، أو منديل ، ولا ثوب ، ولا رداء ، ولا يجوز أن يلبس في بدنه ما يلبس مخيطا ، كالقميص ، والجبة ، والقباء ، والصدرة ، [ ص: 97 ] والسراويل ، والتبان ، ويجوز أن يلبس في بدنه ما يلبس غير مخيط ، كالمئزر والرداء والإزار والكساء لأن المخيط يحفظ نفسه فمنع منه ، وغير المخيط لا يحفظ نفسه فلم يمنع منه .

فإن قيل فلم يمنع من لبس ما يحفظ نفسه من المخيط ولم يمنع من لبس ما لا يحفظ نفسه من غير المخيط .

قيل : لأن ما لا يحفظ نفسه يبعثه على مراعاته ، فيتذكر بذلك ما هو عليه من إحرامه ، فيتجنب ما أمر باجتنابه ، فعلى هذا لو ارتدى بالقميص ، واتزر بالسراويل ، جاز : لأنه لا يحفظ نفسه ، وكذا الطيلسان ، له أن يلبسه ما لم يزره ، لأنه لا يحفظ نفسه ، فإن زره عليه لم يجز أن يلبسه لأنه يحفظ نفسه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث