الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " ولا ينكح المحرم ولا ينكح : لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك وقال فإن نكح أو أنكح فالنكاح فاسد " .

قال الماوردي : اختلف الناس في نكاح المحرم وإنكاحه ، فمذهب الشافعي أن نكاحه وإنكاحه باطل .

وقال أبو حنيفة وصاحباه : جائز استدلالا ، بعموم قوله تعالى : فانكحوا ما طاب لكم من النساء [ النساء : 3 ] ، وقوله وأحل لكم ما وراء ذلكم [ النساء : 24 ] ، وبراوية عكرمة عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم نكح ميمونة وهو محرم . ولأنه قول يستباح به البضع ، فوجب أن لا يمنع منه الإحرام كالرجعة ، ولأنه عقد يملك به البضع ، فوجب أن لا يمنع من الإحرام ، كشراء الإماء ولأنه لو منع الإحرام من ابتداء النكاح ، منع من استدامته كاللباس ، فلما جاز استدامته ، جاز ابتداؤه . ولأن ما منع منه الإحرام ، تعلقت به الفدية ، كسائر النواهي ، فلما لم تجب الفدية فيه لم يمنع الإحرام منه .

والدلالة على صحة ما ذهبنا إليه رواية الشافعي عن مالك عن نافع عن نبيه بن وهب أن عبد الله أراد تزويج ابنته طلحة بنت بن جبير ، فبعث إلى أبان بن عثمان وكان أمير الحاج وكانا محرمين فأنكر ذلك عليه أبان وقال : سمعت عثمان بن عفان يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لا ينكح المحرم ولا ينكح " .

فإن قيل : نبيه بن وهب ضعيف قيل : قد روى عنه مالك بن أنس ، وأيوب السختياني ، وحسبك بهما ، ثم روى عنه أحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، من بعدهما على أن القصة مشهورة ، قد حكاها عن أبان سعيد بن المسيب وغيره .

[ ص: 124 ] فإن قيل : يحمل نهيه على الوطء دون العقد .

قيل : غير صحيح من وجهين :

أحدهما : أن أبان بن عثمان ومن حضره قد عقلوا معناه ، وأن المراد به العقد .

والثاني : أنه قال : " لا ينكح ولا ينكح " فلم يصح حمله على الوطء : لأن الإنسان لا يوطئ غيره ، على أنه لو جاز ما قالوا ، لكان حمله على العقد أولى من وجهين :

أحدهما : أنه أعم لأنه يتناول الأمرين .

الثاني : أنه يعلم به حكم فيستفاد ، لأن تحريم الوطء مستفاد من قوله تعالى : فمن فرض فيهن الحج فلا رفث [ البقرة : 197 ] ، وروى عكرمة سألت ابن عمر امرأة تتزوج وهي خارجة من مكة : يعني أنها أحرمت وخرجت إلى منى فقال : " لا يعقل فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه وهنا نص في العقد ، وروى أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يتزوج المحرم ولا يزوج . وهذا نص أيضا ، ولأنه إجماع من الصحابة رضي الله عنهم ، وروي ذلك عن عمر ، وعثمان ، وعلي ، وابن عمر ، وزيد بن زياد ، وليس يعرف لهم من الصحابة مخالف ، ولأنه معنى يثبت به الفراش ، فوجب أن يمنع منه الإحرام ، كالوطء ، ولأنه معنى يثبت به تحريم المصاهرة ، فوجب أن يمنع منه الإحرام ، كالوطء ، ولا ينتقض بالرضاع ، ولأنه يثبت تحريم النسب دون المصاهرة ، ولأن الإحرام معنى يمنع من الوطء ودواعيه ، فوجب أن يمنع من النكاح ، كالعدة ، ولأن النكاح من دواعي الجماع ، فوجب أن يكون الإحرام مانعا منه ، كالطيب ، ولأنه عقد نكاح على من لا يستبيح الاستمتاع بها مع القدرة ، فوجب أن يكون باطلا كذات المحرم والمرتد .

فأما استدلالهم بعموم الآيتين ، فمخصوص بما ذكرنا ، وأما استدلالهم بحديث عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم نكح ميمونة وهو محرم " ففيه جوابان : أحدهما : وهو قول أبي الطيب بن سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم مخصوص بجواز النكاح في الإحرام لما كان مخصوصا بغيره في المناكح .

والجواب الثاني : أن النبي صلى الله عليه وسلم وغيره في النكاح في الإحرام سواء ، لكن خبر ابن عباس واه : لأنه من طريق عكرمة وهو ضعيف ، وقد روي من ثلاث طرق ، أن النبي صلى الله عليه وسلم نكح ميمونة وهو حلال .

[ ص: 125 ] فأحدهما : ما رواه أيوب عن ميمون بن مهران قال : كتب إلى عمر بن عبد العزيز وميمون يومئذ على الجزيرة إذ سأل يزيد بن الأصم ، وكان ابن أخت ميمونة كيف تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة بنت الحارث ، فقال تزوجها حلالا وبنى بها بسرف حلالا وماتت بسرف فهو ذاك قبرها بسرف تحت السقيفة أو تحت العقبة .

والطريق الثاني : ما رواه سليمان بن يسار أن النبي صلى الله عليه وسلم أنفذ أبا رافع ورجلا من الأنصار ، وقيل جعفر بن أبي طالب وهو بالمدينة إلى ميمونة فتزوجها ، وكانت جعلت أمرها إلى العباس بن عبد المطلب ، وهو زوج أختها أم الفضل ، فزوجها ، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج معتمرا في ذي القعدة سنة سبع عشرة العصيبة ، فأخذها بمكة وبنى بها بسرف .

والطريق الثالث : ما روى ميمون بن مهران قال كنت جالسا إلى عطاء بن أبي رباح ، فسمعته يخبر رجلا أن النبي صلى الله صلى الله عليه وسلم خطب وهو حرام وملكها وهو حرام . فلما تصدع من عنده وحوله ، حدثه حديث يزيد بن الأصم قال : فانطلق بنا إلى صفية بنت شيبة ، فانطلقنا حتى دخلنا عليها فإذا عجوز كبير ، فسألها عطاء عن ذلك فقالت : خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حلال أو نكحها وهو حلال ودخل بها وهو حلال . فكانت هذه الأحاديث أولى من حديث ابن عباس لأن يزيد بن الأصم ابن أختها ، وسليمان بن يسار عتيقها ، وابن عباس إذ ذاك طفل لا يضبط ما شاهد ، ولا يعي ما سمع ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات ولابن عباس تسع سنين ، وكان تزويج ميمونة قبل موته بثلاث سنين ، على أن ابن عباس كان يرى أن من قل هديه أو أشعر صار محرما فيجوز أن تكون بروايته أنه نكحها وهو محرم بعد تقليد هديه وإشعاره ، وقيل عقد الإحرام على نفسه .

وأما قياسهم على الرجعة ، فلا يصح على أصلهم ، لأنهم قالوا : استباحة بضع ، والرجعة غير محرمة عندهم على أن الرجعة أخف حالا من ابتداء العقد : لأنه استصلاح خلل في العقد ، ألا تراه لا يفتقر إلى ولي ولا إلى إيجاب وقبول وأما قياسهم على شراء الإماء ، فليس المقصود منه ، الاستمتاع ، وإنما المقصود منه التجارة وطلب الربح أو الاستخدام فلذلك جاز شراء من لا يحل له من أخواته وعماته ، فلذلك لم يمنع منه الإحرام : لأنه لا يمنع من مقصوده وعقد النكاح مقصوده الاستمتاع فمنع منه الإحرام لأنه يمنع من مقصوده ، وأما قولهم : إن ما منع الإحرام من ابتدائه منع من استدامته ، فباطل بالطيب : لأن الإحرام يمنع من ابتدائه ولا يمنع عندنا وعند أبي حنيفة من استدامته .

وأما قولهم : إن ما منع منه الإحرام تعلق به الفدية ، فباطل بالصيد : لأنه يمنع من قتله [ ص: 126 ] ومن تملكه ولو تملكه لم يفتد على أن الفدية إنما تجب في الحج ، إما بإتلاف أو ترفيه ، والنكاح ليس بثابت ، فيحصل فيه إتلاف أو ترفيه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث