الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " فإذا رأى البيت قال : اللهم زد هذا البيت [ ص: 133 ] تشريفا ، وتعظيما ، ومهابة ، وتكريما ، وزد من عظمه وشرفه ، ممن حجه أو اعتمر تشريفا ، وتعظيما ومهابة ، وتكريما وتقول اللهم أنت السلام ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام " .

قال الماوردي : إذا دخل المحرم إلى مكة ، فرأى البيت قبل وصوله إليه ، فيستحب أن يقول ما حكاه الشافعي ، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول بعده : اللهم أنت السلام ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام فقد قالها سعيد بن المسيب ، وحكاه عن عمر ، ثم يصلي بعد ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم . قال الشافعي : وما قال من حسن أجزأه ، ويستحب أن يرفع يديه عند دعائه إذا رأى البيت ، وحكي عن جابر أنه كره رفع اليدين عند رؤية البيت ، وقال : ما أعرف ذلك إلا لليهود ، وقد سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يفعل ذلك . والدلالة عليه رواية مقسم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ترفع الأيدي في الصلاة وإذا رأيت البيت ، وعلى الصفا والمروة ، وعشية عرفة ، وبجمع ، وعند الجمرتين ، وعلى البيت . وروى حبيب عن طاوس قال : لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه فوقع زمام ناقته ، فأخذه بشماله ورفع يده اليمنى .

قال الشافعي : إذا دخل مكة لم يبدأ بشيء قبل دخول المسجد الحرام ويختار أن يكون دخوله من الباب الأعظم الذي يلي المعلاة والردم ، وهو باب بني عبد شمس ، الذي يعرف اليوم ببني شيبة : لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم من تلك الجهة قصد ، ولأنه يكون محاذيا لوجه الكعبة ، وبابها والمنبر ، والمقام والركن ، وقد قال تعالى : وأتوا البيوت من أبوابها [ البقرة : 189 ] . ولأن كل مقصود فسبيله أن يؤتى من قبل وجهه ، لا من ظهره ، وليكون من قوله عند دخوله ، ما رواه أبو حميد الساعدي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا دخل أحدكم المسجد فليصل على النبي صلى الله عليه وسلم ، وليقل : اللهم إني أسألك من فضلك " وروى الأوزاعي قال : لما دخل عمر بن عبد العزيز المسجد الحرام قال : اللهم إنك قلت في كتابنا : " ومن دخله كان آمنا " اللهم فاجعل أماننا عندك ، وأن تكفينا مؤنة الدنيا ، وكل هول دون الجنة . فإذا دخل المسجد لم يبدأ بشيء غير الطواف ، فيطوف بالبيت سبعا . لرواية جابر بن عبد الله قال : " دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حال ارتفاع الضحى ، فلما أتى باب المسجد ، أناخ راحلته ، ثم دخل المسجد ، فبدأ بالحجر فاستلمه ، وفاضت عيناه من البكاء ، ثم رمل حتى انتهى إلى الركن الآخر فاستلمه ورمل ثلاثا ومشى أربعا ، فلما فرغ قبل الحجر ووضع يديه عليه ، ثم مسح بهما وجهه " . وروى عبد الله بن عمر قال : كان أحب الأعمال إلى النبي صلى الله عليه وسلم إذا قدم مكة ، الطواف بالبيت . ولأن طواف القدوم تحية البيت ، كما أن الركعتين تحية المسجد ، ثم كان قاصد المسجد مأمورا بتحيته ، فكذلك قاصد البيت مأمور بتحيته .

[ ص: 134 ] فإن قيل : هلا كانت تحية البيت صلاة ركعتين كسائر المساجد .

قيل : لما كان البيت أفضل من سائر المساجد ، وجب أن تكون تحيته أفضل من تحية سائر المساجد ، والطواف أفضل من الصلاة ، لرواية عطاء عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل الله تعالى على هذا البيت في كل يوم عشرين ومائة رحمة ، ستون منها للطائفين ، وأربعون للمصلين ، وعشرون للناظرين فيجعل للطائف أكثر من أجر المصلي " . فدل على أن الطواف أفضل من الصلاة . وروى أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أكرم سكان أهل السماء على الله ، الذين يطوفون حول عرشه ، وأكرم سكان أهل الأرض ، الذين يطوفون حول بيته " . وروى الحسن قال : سمعت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لو الملائكة صافحت أحدا ، لصافحت الغازي ، والطواف بالبيت خوض في الرحمة ، وإن الله تعالى ليباهي بالطائفين الملائكة . وهذا الطواف سمي طواف القدوم ، وطواف الورود ، وطواف التحية ، وليس بنسك ، فإن تركه تارك ، فحجه يجزئ ، ولا دم عليه . قال أبو ثور : هو نسك ، لحجة المحرم ، وعلى تاركه دم . قال مالك : إن تركه مرهقا ، أي مستعجلا ، فلا شيء عليه ، وإن تركه مطيقا ، فعليه دم . وهذا خطأ : لأن هذا الطواف تحية البيت ، وليس بنسك يتعلق بالحج ، ألا ترى أنه لو طاف بهم الوقت ، فتوجهوا إلى عرفة ، يسقط عنهم ، ولو كان نسكا ، لزمهم أن يقضوا إذا عادوا ، أو يفتدوا بدم ، فثبت أنه ليس بنسك .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث