الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة لا يجزئ الطواف إلا بما تجزئ به الصلاة من الطهارة من الحدث وغسل النجس

مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " ولا يجزئ الطواف إلا بما تجزئ به الصلاة من الطهارة من الحدث وغسل النجس " .

قال الماوردي : وهذا كما قال : الطهارة في الطواف واجبة ، وهي شرط في صحة طهارة الأحداث وإزالة الأنجاس ، فإن طاف محدثا أو نجسا ، لم يجزه ، وبه قال مالك وأكثر الفقهاء . وقال أبو حنيفة : طهارة الحدث وإزالة النجس واجبة في الطواف ، وليست شرطا في صحته ، فإن طاف محدثا أو جنبا أو نجسا فإن كان بمكة أعاد طوافه ، وإن رجع إلى بلده أجزأ عن فرضه ، ولزمه دم لجبرانه ، وربما ارتاب أصحابه أن الطهارة ليست بواجبة ، ليسوغ لهم الاستدلال تعلقا بقوله تعالى : وليطوفوا بالبيت العتيق [ الحج : 29 ] ، واسم الطواف يتناوله وإن كان محدثا ، فوجب أن يتناول الاسم له محرما ، ولأنه ركن من أركان الحج ، فوجب أن لا تكون الطهارة من شرطه ، كالسعي والوقوف ، ولأنها عبادة ليس ترك الكلام [ ص: 145 ] شرطا فيها ، فوجب أن لا تكون الطهارة شرطا فيها كالصوم طردا ، والصلاة عكسا ، ولأن للحج أركانا ومناسك ، وليست الطهارة واجبة في واحد منهما ، فوجب أن يكون الطواف لاحقا بأحدهما .

والدلالة على صحة ما ذهبنا إليه : رواية عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يطوف توضأ ثم طاف . وفعله في الحج بيان تؤخذ منه المناسك والأركان ، لقوله - صلى الله عليه وسلم خذوا عني مناسككم وروى طاوس عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله تعالى قد أحل فيه النطق فمن نطق فلا ينطق إلا بالخير " . والدلالة فيه من وجهين :

أحدهما : أنه سمى الطواف صلاة ، وهو لا يضع الأسماء اللغوية ، وإنما يكسبها أحكاما شرعية ، وإذا ثبت أنها في الشرع صلاة ، لم تجز إلا بطهارة ، لقوله صلى الله عليه وسلم : " لا صلاة إلا بطهور " .

والثاني : أنه جعل الطواف صلاة ، واستثنى من أحكامها الكلام ، فلو كان الطواف صلاة في معنى دون معنى لم يكن للاستثناء حكم واحد من جملة أحكامها معنى ، ولأنها عبادة تجب فيها الطهارة ، فوجب أن لا يسقط فرضها بغير طهارة ، كالصلاة ، ولأن كل من لا يصح منه فعل الصلاة ، لا يصح منه فعل الطواف ، كالمحدث إذا كان مقيما بمكة ، ولأنه طهارة واجبة ، فوجب أن لا تجبر بدم ، كالطهارة للصلاة ، فأما الآية فلا يصح الاستدلال بها : لأن الطواف بغير طهارة مكروه ، والأمر لا يجوز أن يتناول المكروه ، على أنها مجملة أخذ بيانها من فعله صلى الله عليه وسلم ، وهو لم يطف إلا بطهارة وأما قياسهم على السعي والوقوف ، فالمعنى فيه أن الطهارة لما لم تكن واجبة في السعي والوقوف ، لم تكن شرطا في صحة السعي والوقوف ، ولما كانت الطهارة واجبة في الطواف ، كانت شرطا في صحة الطواف ، وبمثله يكون الجواب من قياسهم على الصيام في الطرد .

وأما قولهم : إن الطواف لا يخلو أن يكون لاحقا بالأركان أو بالمناسك .

قلنا : ليس بلاحق بواحد منهما ، لأن الطهارة تجب له ولا تجب لواحد منهما .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث