الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل : طواف الماشي أولى وأفضل من طواف الراكب وهذا مما لا يعرف خلاف فيه : لأن النبي طاف في عمرة كله ماشيا ، وطاف في حجه طواف [ القدوم ماشيا ، وإنما طاف مرة في عمرة ] طواف الإفاضة راكبا ؛ ولأنه يؤذي الناس بزحام مركوبه ، ولا يؤمن تنجيس المسجد بإرسال بوله ، فإن طاف راكبا أجزأه معذورا كان أو غير معذور ، ولا دم عليه بحال ، وقال أبو حنيفة : يجزئه الطواف وعليه دم إن كان غير معذور ، ولأن سعيد بن جبير روى أن رسول صلى الله عليه وسلم طاف راكبا من شكوى .

[ ص: 152 ] روى عروة عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أشتكي فقال : طوفي من وراء الناس وأنت راكبة ، قالت : فطفت ورسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ يصلي إلى جنب البيت وهو يقرأ : والطور وكتاب مسطور [ الطور : 1 ] قال : فإذا طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم راكبا لشكوى وأذن لأم سلمة رضي الله عنها أن تطوف راكبة لشكوى دل ذلك على حظر الطواف راكبا من غير شكوى ، ومن فعل في الحج محظورا لزمه الجبران .

وهذا الذي قاله غير صحيح .

والدلالة على أنه طاف بغير شكوى رواية سفيان عن أبي طاوس عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يتجزوا بالإفاضة ، وأفاض بنسائه ليلا ، فطاف على راحلته يستلم الركن بمحجنه أحسبه قال : ويقبل طرف المحجن ، وروي عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما ركب ليراه الناس ، وفي هذا دلالة على أنه لم يركب من شكوى .

قال الشافعي : ولا أعلمه في تلك الحجة اشتكى ، ولأنه ركن لو أداه ماشيا لم يجبره بدم ، فوجب إذا أداه راكبا أن لا يجبره بدم كالوقوف وغيره ، ولأنه طاف راكبا فوجب أن لا يلزمه لجبرانه دم كالمريض ، فأما ما استدل به فغير دال له ، لأنه يقتضي أن لا يجوز طواف الراكب لغير عذر ، وقد أجمعنا على جواز طوافه ، وإنما اختلفنا في وجوب الدم لجبرانه ، وليس في ذلك دليل عليه ، فإذا ثبت أن ذلك مجزئ ، ولا دم فيه فهو مكروه لغير المعذور : لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما فعل ذلك مرة واحدة : لأنه أحب أن يشرف للناس ليسألوه وليس لأحد في هذا الموضع مثله .

فكذا لو طاف محمولا على أكتاف الرجال لغير عذر وكرهناه ، فإن كان معذورا بمانع من مرض أو زمانة ، فالأولى أن يطوف محمولا ولا يطوف راكبا ، فإن طاف راكبا كان أيسر حالا من ركوب غير المعذور وركوب الإبل أيسر حالا من ركوب البغال والحمير ، فإن طاف محمولا وكل واحد منهما محرم ، عليه طواف قد نواه عن نفسه ففيه قولان :

أحدهما : أن يكون الطواف عن الحامل دون المحمول ، لأنه أصل والمحمول تبع .

والقول الثاني : يكون الطواف عن المحمول دون الحامل : لأن الحامل قد صرف عمله إلى معونة المحمول .

وقال أبو حنيفة : يكون الطواف عن الحامل والمحمول جميعا ؟ استدلالا بأنه لو حمله بعرفة أجزأهما عن وقوفهما فكذلك في الطواف يجزئهما عن طوافهما .

[ ص: 153 ] ودليلنا هو أن طواف الحامل والمحمول فعل واحد ، فلم يجز أن يؤدى بالفعل الواحد فرض طوافين ، فوجب استحقاق فعلين وخالف الوقوف بعرفة : لأن الوقوف لبث لا يتضمن فعلا ، وكذلك لو وقف نائما أجزأ ، والطواف فعل مستحق وهو من أحدهما فلم يجز عنهما ، ثم إذا طاف راكبا أو محمولا فإنه يضطبع ، فأما الرمل فعلى قولين :

أحدهما : وهو قوله في القديم لا رمل عليه : لأنه مسنون في الماشي ليستدل به على نشاطه وصحته وهذا معدوم في المحمول والراكب .

والقول الثاني : وهو قوله في الجديد يرمل به إن كان محمولا ويخبب بيديه إن كان راكبا ؛ لأن كل من كان مسنونا في طواف الماشي كان مسنونا في طواف المحمول والراكب كالاضطباع .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث