الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة السعي سبعا بين الصفا والمروة ركن واجب في الحج والعمرة

مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " ثم يخرج من باب الصفا فيرقى عليها فيكبر ويهلل ويدعو الله فيما بين ذلك بما أحب من دين ودنيا ، ثم ينزل فيمشي حتى إذا كان دون الميل الأخضر المعلق في ركن المسجد بنحو من ستة أذرع سعى سعيا شديدا حتى يحاذي الميلين الأخضرين اللذين بفناء المسجد ودار العباس ثم يمشي حتى يرقى على المروة فيصنع عليها كما صنع على الصفا حتى يتم سبعا يبدأ بالصفا ويختم بالمروة " .

قال الماوردي : أما السعي سبعا بين الصفا والمروة فركن واجب في الحج والعمرة فإن ترك منه سعيا واحدا أو ذراعا من سعي واحد كان على إحرامه وإن عاد إلى بلده حتى يعود فيأتي به ، وهو في الصحابة قول عائشة ، وابن عمر ، وجابر ، وفي الفقهاء قول مالك وأحمد ، وقال ابن مسعود ، وأبي بن كعب وابن عباس : السعي ليس بواجب ، وقال أبو حنيفة : هو واجب لكن ينوب عنه الدم ، وتحقق مذهبه أنه غير واجب واستدلوا بقوله تعالى : إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما [ البقرة : 158 ] ، فأخبر برفع الحرج والجناح عمن يطوف بهما ، وذلك مستعمل فيما كان مباحا ، ولم يكن واجبا ، كما قال تعالى : فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة [ النساء : 101 ] ، فكان القصر مباحا ، ولم يكن واجبا ، ولأن ابن مسعود ، وأبيا ، وابن عباس يقرءون " فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما " وهذه قراءة ثلاثة من الصحابة ، فوجب رفع الجناح [ ص: 156 ] عن تارك السعي وذلك أوكد من خبر الواحد ، فكان العمل بها واجبا قالوا : ولأن السعي تبع للطواف ، لأنه لا يجوز إلا بعده ، وما كان تبعا لركن من أركان الحج لم يكن ركنا في الحج ، كالمبيت بمزدلفة لما كان تبعا للوقوف بعرفة لم يكن ركنا في الحج وكالمبيت بعرفة .

قالوا : ولأنه ركن يتكرر ليس من شرطه المسجد ، فوجب أن لا يكون ركنا كرمي الجمار .

والدلالة على صحة ما ذهبنا إليه رواية عطاء بن أبي رباح عن صفية بنت شيبة عن جدتها حبيبة قالت : دخلت مع نسوة من قريش دار آل أبي حسين ننظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يسعى بين الصفا والمروة ورأيته يسعى وإن مئزره لتدور من شدة السعي حتى إني لأرى ركبتيه ، وسمعته يقول : اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي .

فدل هذا الحديث على وجوب السعي ، وروى هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة قالت لعمر " والله ما أتم الله حج من لم يسع بين الصفا والمروة لأن " الله تعالى يقول : إن الصفا والمروة من شعائر الله ، [ البقرة : 158 ] ، وعائشة لا تقسم على ذلك وتقطع به إلا أن معنى الآية غير محتمل والتأويل فيها غير سائغ ، ولأن شعائر الله تعالى واجبة قال الله تعالى : لا تحلوا شعائر الله [ المائدة : 2 ] ، ولأنه مشي نسك ، يتنوع نوعين فوجب أن يكون ركنا كالطواف .

ومعنى قولنا : يتنوع هو أن يكون في بعضه ماشيا ، وفي بعضه ساعيا ، ولأنه نسك في الحج والعمرة ، فوجب أن يكون ركنا من شرائطها كالإحرام ، ولا يدخل عليه الحلق : لأنه ليس بنسك على أحد القولين .

فأما الجواب عن الآية فمن ثلاثة أوجه :

أحدها : أن ظاهر الآية متروك : لأنه يقتضي رفع الجناح عن ترك السعي وبالإجماع أنه إذا لم يسع كان حرجا آثما ، فلم يصح الاحتجاج بظاهرها .

والثاني : أن ما يقتضيه ظاهر الآية من السعي مباح وليس بواجب ، وهو السعي بالصفا والمروة والواجب إنما هو السعي بين الصفا والمروة ، وذاك أن قريشا في الجاهلية كان لها على الصفا صنم اسمه إساف ، وعلى المروة صنم اسمه نائلة ؛ ولذلك ذكر اسم الصفا بإساف ؛ لأن اسمه مذكر ، وأنثت المروة ؛ لأن اسمها مؤنث ، فكانوا يطوفون حول الصفا والمروة تقربا إلى الصنمين ، فكره المسلمون الطواف بهما ، فأباح الله تعالى ذلك ، لزوال سببه ، وإنه وإن شابه أفعال الجاهلية ، فإنه مخالف لها ؛ لأن هذا لله وذلك لغير الله .

والجواب الثالث : وهو جواب الزبيري هو أن قوله تعالى : إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما [ البقرة : 158 ] ، وهذا [ ص: 157 ] كلام تام ، أي فلا جناح عليه في تقديم الحج على العمرة ، أو العمرة على الحج : لأنهم كانوا يكرهون العمرة في أشهر الحج ، ثم قال : عليه أن يطوف بهما ، وهذا كلام مستأنف ، أي من حج أو اعتمر فعليه أن يطوف بين الصفا والمروة ، وأما قراءة الثلاثة " فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما " فالجواب عنه : أن لا صلة في الكلام إذا تقدمها حجة كما قال تعالى : ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك [ الأعراف : 12 ] ، معناه ما يمنعك أن تسجد إذ أمرتك ، وكما قال الشاعر :


ما كان يرضى رسول الله فعلهم والطيبان أبو بكر ولا عمر

وأما قولهم : إنه لما لم يجز إلا بعد الطواف ، كان تبعا للطواف فلم يجز أن يكون ركنا كالطواف .

قلنا : هذه عبرة فاسدة وحجة باطلة : لأن الطواف لا يجوز إلا بعد الوقوف ، وهو ركن كالوقوف .

وأما قياسهم على الرمي ، فالمعنى في الرمي أنه تابع للوقوف ، بدليل سقوطه عمن فاته الوقوف والسعي ليس بتابع للوقوف ، بدليل وجوبه على من فاته الوقوف ، فلما كان الرمي تابعا ، لم يكن ركنا ، ولما لم يكن السعي تابعا ، كان ركنا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث