الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى : ( ثم يركع وهو فرض من فروض الصلاة لقوله عز وجل : { اركعوا واسجدوا ، } والمستحب : أن يكبر للركوع لما روى أبو هريرة : رضي الله عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم وحين يركع ثم يقول : سمع الله لمن حمده حين يرفع رأسه ، ثم يكبر حين يسجد ، ثم يكبر حين يرفع رأسه ، يفعل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها } ; ولأن الهوي إلى الركوع فعل فلا يخلو من ذكر كسائر الأفعال ) .

التالي السابق


( الشرح ) حديث أبي هريرة رضي الله عنه رواه البخاري ومسلم والركوع في اللغة : الانحناء ، كذا قاله أهل اللغة وأصحابنا ، وقال صاحب الحاوي وبعضهم : هو الخضوع وأنشدوا فيه البيت المشهور :

علك أن تركع يوما والدهر قد رفعه

وقوله : ولأن الهوي هو بضم الهاء وتشديد الياء ، وهو السقوط والانخفاض ، وقاله الجوهري وآخرون بفتح الهاء ، وقال صاحب المطالع : الهوي بالفتح النزول والسقوط ، والهوي بالضم الصعود قال : وقال [ ص: 364 ] الخليل : هما لغتان بمعنى ، وأجمع العلماء على وجوب الركوع ، ودليله مع الآية الكريمة والإجماع حديث " المسيء صلاته " مع قوله : صلى الله عليه وسلم { صلوا كما رأيتموني أصلي } ، ويسن أن يكبر للركوع ، بلا خلاف عندنا .

قال أصحابنا : ولا يصل تكبيرة الركوع بالقراءة ، بل يفصل بينهما بسكتة لطيفة كما سبق قالوا : ويبتدئ بالتكبير قائما ويرفع يديه ، ويكون ابتداء رفع يديه وهو قائم مع ابتداء التكبير ، فإذا حاذى كفاه منكبيه انحنى ويمد التكبير إلى أن يصل إلى حد الركعتين ، هذا هو المذهب ، ونص عليه في الأم وقطع به العراقيون وغيرهم .

وحكى جماعة من الخراسانيين قولين . ( أحدهما ) : هذا هو الجديد ( والثاني ) : وهو القديم . لا يمد التكبير بل يشرع به ، قالوا : والقولان جاريان في جميع تكبيرات الانتقالات ، وهل تحذف أم تمد ، حتى يصل إلى الذكر الذي بعدها ؟ الصحيح : المد ، ولو ترك التكبير عمدا أو سهوا حتى ركع لم يأت به لفوات محله .

( فرع ) في مذاهب العلماء في تكبيرات الانتقالات ( اعلم ) : أن الصلاة الرباعية يشرع فيها اثنتان وعشرون تكبيرة ، منها خمس تكبيرات في كل ركعة أربع للسجدتين والرفعين منها ، والخامسة للركوع فهذه عشرون ، وتكبيرة الإحرام وتكبيرة القيام من التشهد الأول ، وأما الثلاثية فيشرع فيها سبع عشرة سقط منها تكبيرات ركعة وهن خمس وأما الثنائية : فيشرع فيها إحدى عشرة للركعتين وتكبيرة الإحرام ، وهذه كلها عندنا سنة إلا تكبيرة الإحرام فهي فرض ، هذا مذهبنا ومذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم .

قال ابن المنذر : وبهذا قال أبو بكر الصديق وعمر وابن مسعود وابن عمر وابن جابر وقيس بن عباد وشعيب والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وعوام أهل العلم .

ونقل أصحابنا عن سعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز والحسن البصري أنهم قالوا : لا يشرع إلا تكبيرة الإحرام فقط ، ولا يكبر غيرها ، ونقله ابن المنذر أيضا عن القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، ونقله أبو الحسن بن بطال في شرح البخاري عن جماعات من السلف منهم [ ص: 365 ] معاوية بن أبي سفيان وابن سيرين والقاسم بن محمد وسالم وسعيد بن جبير ، وأما قول البغوي في شرح السنة : اتفقت الأمة على هذه التكبيرات ، فليس كما قال ، ولعله لم يبلغه ما نقلناه ، أو أراد اتفاق العلماء بعد التابعين على مذهب من يقول : الإجماع بعد الخلاف يرفع الخلاف ، وهو المختار عند متأخري الأصوليين وبه قال من أصحابنا أبو علي بن خيران والقفال والشاشي وغيرهما .

وقال أحمد بن حنبل : جميع التكبيرات واجبة ، واحتج لأحمد بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { صلوا كما رأيتموني أصلي } وثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان يكبرهن ، واحتج لمن أسقطهن غير تكبير الإحرام بحديث عن الحسن بن عمران عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه : رضي الله عنه { أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان لا يتم التكبير } رواه أبو داود والبيهقي وغيرهما هكذا . وفي رواية الإمام أحمد بن حنبل في مسنده زيادة " لا يتم التكبير يعني إذا خفض وإذا رفع " ودليلنا على أحمد حديث " المسيء صلاته " فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره بتكبيرات الانتقالات وأمره بتكبيرة الإحرام ، وأما فعله صلى الله عليه وسلم فمحمول على الاستحباب جمعا بين الأدلة .

ودليلنا على الآخرين حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال { : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم ثم يكبر حين يركع ثم يقول : سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع ، ثم يقول وهو قائم : ربنا ولك الحمد ثم يكبر حين يهوي ساجدا ثم يكبر حين يرفع رأسه ثم يكبر حين يسجد ثم يكبر حين يرفع رأسه ، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس } ، رواه البخاري ومسلم ولفظه لمسلم وعن مطرف قال : { صليت أنا وعمران بن حصين خلف علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه فكان إذا سجد كبر ، وإذا رفع رأسه كبر وإذا نهض من [ ص: 366 ] الركعتين كبر ، فلما انصرفنا أخذ عمران بيدي ثم قال : لقد صلى بنا هذا صلاة محمد ، صلى الله عليه وسلم أو لقد ذكرني هذا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم } رواه البخاري ومسلم . وعن عكرمة قال : { صليت خلف شيخ بمكة فكبر ثنتين وعشرين تكبيرة فقلت لابن عباس : إنه أحمق : فقال : ثكلتك أمك سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم } رواه البخاري . وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر في كل خفض ورفع وقيام وقعود ، وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما } رواه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح ، وفي المسألة أحاديث كثيرة في الصحيح ، وفيما ذكرناه كفاية .

والجواب عن حديث ابن أبزى من أوجه :

( أحدها ) : أنه ضعيف ; لأن راويه الحسن بن عمران ليس [ معروفا ] .

( والثاني ) : أنه محمول على أنه لم يسمع التكبير ، وقد سمعه غيره ممن ذكرنا فقدمت رواية المثبت .

( والثالث ) : لعله ترك التكبيرات أو نحوها لبيان الجواز ، وهذان الجوابان ذكرهما البيهقي والجواب الأول : جواب محمد بن جرير الطبري وغيره .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث