الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : فإذا أتى المزدلفة جمع مع الإمام المغرب والعشاء بإقامتين ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلاهما بها ، ولم يناد في واحدة منهما إلا بإقامة ، ولا يسبح بينهما ولا على إثر واحدة منهما " .

قال الماوردي : وهذا كما قال ، إذا أتى المزدلفة نزل بها ، وحدود مزدلفة من حيث يقضي من مأزمين عرفة ، وليس المأزمين منها إلى أن يأتي إلى قرب محسر ، وليس القرن منها ، وهكذا يمينا وشمالا من تلك المواطن والقوابل والظواهر والشعاب والسحاء والوادي كله ، وفي تسميتها مزدلفة قولان :

أحدهما : إنهم يقربون فيها من منى ، والازدلاف التقريب ، ومنه قوله تعالى : وأزلفت الجنة للمتقين [ الشعراء : 95 ] ، أي قربت .

والثاني : إن الناس يجتمعون بها ، والاجتماع الازدلاف ، ومنه قوله تعالى : وأزلفنا ثم الآخرين [ الشعراء : 64 ] ، أي جمعناهم ؛ ولذلك قيل لمزدلفة جمع ، فإذا نزل بمزدلفة جمع [ ص: 176 ] بين المغرب والعشاء ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخر صلاة المغرب حتى جمعها مع عشاء الآخرةبمزدلفة كما قدم العصر بعرفة ، حين صلاها مع الظهر ليتصل له الدعاء ، وقد روى أسامة بن زيد قال : لما أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة وأتى مزدلفة قلت : يا رسول الله : الصلاة ، فقال : " الصلاة أمامك ، فسار حتى جاء إلى صخر : في بطن المأزم بين الجبلين في مضيق المأزمين فأناخ راحلته ، وبال من وراء الصخرة ، وجئته بإداوة ماء فتوضأ وضوءا غير كامل ، ثم قام فقلت : يا رسول الله الصلاة ، فقال : " الصلاة أمامك إلى أن نزل جمعا " وفي قوله : وضوءا غير كامل تأويلان :

أحدهما : أنه ترك تكراره ثلاثا .

والثاني : أنه ترك مسنوناته من المضمضة والاستنشاق وتخليل الأصابع ، فإذا ثبت هذا فإن كان الإمام مسافرا قصر وجمع ، وإن كان مكيا مقيما أتم وجمع ، كما قلنا بعرفة ، فإذا أراد الجمع بينهما فقد قال أبو حنيفة : يجمع بينهما بإقامة واحدة استدلالا برواية عبد الله بن يزيد عن أبي أيوب ، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة بإقامة .

ومذهب الشافعي في القديم أنه يجمع بينهما بأذان وإقامتين ؛ لرواية جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة بأذان وإقامتين ، ولم يسبح بينهما ، واضطجع فبات بها إلى أن طلع الفجر .

ومذهبه في الجديد أنه يجمع بينهما بإقامتين من غير أذان لرواية ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين المغرب والعشاء بإقامتين ، ولم يصل بينهما سجدة ، وكلا الخبرين حجة على أبي حنيفة .

ورواية أبي أيوب أنه جمع بينهما بإقامة يعني لكل واحدة منهما ؛ ليعلم أنه لم يؤذن لهما

فلو صلاهما قبل مزدلفة جامعا بينهما أو مفردا لهما أجزأتاه ولا قضاء عليه ولا فدية ، وقال أبو حنيفة : إن جمع بينهما قبل مزدلفة لم يجزه ، وهو قول جابر بن عبد الله ، وهذا غير صحيح : لأن الجمع بين الظهر والعصر مسنون بعرفة ، كما أن الجمع بين المغرب والعشاء مسنون بمزدلفة ، ثم ثبت أن ترك الجمع بعرفة لا يمنع الإجزاء ، فوجب أن يكون ترك الجمع بمزدلفة لا يمنع الإجزاء ، وتحرير ذلك قياسا أنهما صلاتان سن الجمع بينهما في إحداهما فوجب أن لا يمنع جوازهما ترك الجمع بينهما بمكانهما كالجمع بعرفة ؛ ولأن ما كان وقتا لصلاة الفرض في غير النسك كان وقتا لها في النسك قياسا على سائر الأوقات .

فأما قول الشافعي : " ولا يسبح بينهما " يريد أن لا يتنقل بين صلاتي الجمع ؛ لأن التنقل بينهما يقطع الجمع ، ولا في إثر واحدة منهما أي لا يتنفل قبل المغرب ولا بعد العشاء : لأنه مأمور بالتأهب لمناسكه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث