الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب جامع التيمم والعذر فيه

[ ص: 262 ] باب جامع التيمم والعذر فيه

قال الشافعي : " وليس للمسافر أن يتيمم إلا بعد دخول وقت الصلاة وإعواز الماء بعد طلبه وللمسافر أن يتيمم " .

قال الماوردي : اعلم أن المقصود بهذا الباب بيان شروط التيمم التي لا يجوز إلا معها فالباب الأول بيان فرض التيمم التي لا يصح إلا بها .

فأما شروط التيمم فقد أباحه الله تعالى في حالين هما : السفر والمرض ، قال الله سبحانه : وإن كنتم مرضى أو على سفر [ المائدة : 6 ] إلى قوله : فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فأما السفر فلصحة التيمم فيه شرطان :

أحدهما : دخول وقت الصلاة التي يريد أن يتيمم لها .

والثاني : عدم الماء بعد طلبه .

فأما دخول الوقت فهو شرط في التيمم لصلاة الوقت ، فأما الصلاة الفائتة والنافلة فليس الوقت شرطا في التيمم لها ، وإنما إرادة فعلها شرط في التيمم ، فإذا أراد أن يتيمم لفرض مؤقت يؤديه لم يجز أن يتيمم في وقته قبل دخول الوقت فإن تيمم أعاد ، وقال أبو حنيفة : يجوز أن يتيمم للصلاة قبل دخول وقتها استدلالا بقوله تعالى : فلم تجدوا ماء فتيمموا [ المائدة : 6 ] فأمر بالتيمم قبل الوقت الذي هو مأمور باستعمال الماء فيه ، فما كان مستعملا قبل الوقت جاز أن يتيمم قبل الوقت وربما حرروا هذا الاستدلال من الآية قياسا فقالوا : كل وقت جاز فيه الوضوء جاز فيه التيمم قياسا على دخول الوقت ، قالوا : ولأنها طهارة يجوز فعلها بعد دخول الوقت فجاز فعلها قبل دخول الوقت كالوضوء ، قالوا : ولأن ما صح من التيمم بعد دخول الوقت صح قبل دخول الوقت كالمتيمم لفائتة والنفل .

ودليلنا قوله تعالى إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم [ المائدة : 6 ] إلى قوله فلم تجدوا ماء فتيمموا فاقتضى الظاهر المنع من الوضوء والتيمم إلا عند القيام [ ص: 263 ] إلى الصلاة ، والقيام إليها بعد دخول الوقت فلما خرج بالدليل جواز الوضوء قبل الوقت بقي التيمم على ظاهره ، ولأنها طهارة ضرورة فلم يجز تقديمها للفريضة قبل دخول وقت الفريضة قياسا على طهارة المستحاضة ، ولأنه تيمم في حال استغنائه عن التيمم فلم يجز كالتيمم مع وجود الماء ثم انقلب ، ولأن كل بدل لم يصح الإتيان به مع وجود الأصل لم يصح الإتيان به قبل لزوم الأصل قياسا على التكفير بالصيام قبل القتل والظهار ولأن التيمم يجوز في حالين في المرض والعذر ، فلما لم يجز تقديم التيمم قبل زمان المرض لم يجز تقديمه قبل زمان العذر ، وتحريره عليه أنه قدم التيمم على الحاجة إليه فأما الجواب عن الآية فهو ما مضى من وجه الاستدلال بها ، وأما قياسه على ما بعد الوقت فالمعنى فيه أنه تيمم عند الحاجة إليه وأما قياسه على الوضوء فالمعنى فيه جوازه مع الاستغناء عنه وأما قياسه على النوافل فالمعنى فيه جواز فعلها عقيب التيمم لها .

فصل : وأما الشرط الثاني : وهو طلب الماء فهو لازم لا يصح إلا به ، وقال أبو حنيفة : الطلب ليس بواجب ، فإذا فقد الماء جاز التيمم من غير طلب ، استدلالا بأن كل عبادة تعلق وجوبها بوجود شرط لم يلزم طلب ذلك الشرط كالمال لا يلزمه طلبه لوجوب الحج والزكاة ، فكذلك الماء لا يلزمه طلبه لوجوب التيمم ، قال : ولأنه تيمم عن عدم فصح تيممه كالعادة بعد الطلب .

ودليلنا قوله تعالى : فلم تجدوا ماء فتيمموا [ المائدة : 6 ] فأباح التيمم بعد الوجود والوجود هو الطلب : لأن اللسان يقتضيه وعرف الخطاب يوجبه ألا ترى لو أن رجلا قال لعبده اشتر لحما فإن لم تجد فشحما لم يجز أن يشتري الشحم قبل طلب اللحم .

فإن قيل : قد يكون الوجود بطلب وغير طلب ، قال الله تعالى : ووجدوا ما عملوا حاضرا [ الكهف : 49 ] . ومعلوم أنهم لم يطلبوا سيئات أعمالهم قبل الوجود لا يفتقر إلى طلب ، ومسألة التيمم إنما هي في عدم الوجود ، لا في الوجود ، وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال : " أنفذني رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلب الماء ثم تيمم : فدل على أن الطلب شرط [ ص: 264 ] في التيمم ، ولأن كل موضع لو تيقن وجود الماء فيه منع التيمم وجب إذا جوز وجود الماء فيه أن لا يجوز له التيمم قياسا على رحله ، ولأن كل بدل لا يصح الإتيان به إلا بعد طلب العجز عن مبدله لم يصح الإتيان به إلا بعد طلب مبدله كالصوم في الكفارة لا يجوز إلا بعد طلب الرقبة ، ولأنه تيمم مع وجود القدرة على الماء فوجب أن لا يصح تيممه .

أصله : إذا علم أن بئرا بقرية وشك هل يقدر على مائها برشائه لم يجز أن يتيمم إلا بعد إرسال رشائه ، ولأن الوضوء من شرائط الصلاة فلم تجز مفارقته إلا بعد طلبه بحسب العادة في مثله ، أصله جهة القبلة .

فأما الجواب عن قولهم : إن الشروط التي يتعلق بها وجوب العادات لا يلزم طلبها فهو إن ما كان شرطا في وجوب العبادة لم يلزم طلبه كالمال في الحج ، وما كان شرطا في [ ص: 265 ] الانتقال عن العبادة لزم طلبه كالرقبة ، وعدم الماء شرط في جواز الانتقال ، فلزم فيه الطلب .

فأما الجواب عن قياسهم على العبادة بعد الطلب ، فممنوع منه لافتراق حال من تيقن العجز ومن لم يتيقنه كما لا يستوي حال من جهل القبلة من غير طلب وبين من عجز عنها بعد الطلب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث