الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة يفعل الصبي في كل أمره ما يفعل الكبير

مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " ويفعل الصبي في كل أمره ما يفعل الكبير " .

قال الماوردي : أما إحرام الصبي فصحيح ، فإن كان مراهقا صح إحرامه بنفسه ، وإن كان طفلا أحرم عنه وليه ، وكان إحرامه للصبي شرعيا ، وإن فعل الصبي ما يوجب الفدية لزمته الفدية ، وقال أبو حنيفة : إحرام الصبي غير منعقد ، ولا فدية عليه فيما يفعله من المحظورات تعلقا بقوله صلى الله عليه وسلم : رفع القلم عن ثلاث ، عن الصبي حتى يبلغ " ولأن كل من لم يلزم الحج بقوله لم يلزمه بفعله كالمجنون ؛ ولأنها عبارة عن البدن ، فوجب أن لا ينوب الكبير فيها عن الصغير كالصوم والصلاة .

ودليلنا رواية الشافعي عن مالك عن إبراهيم بن عقبة عن كريب مولى ابن عباس ، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بامرأة وهي في محفلتها فقيل لها : هذا رسول الله ، فأخذت بعضد صبي كان معها وقالت : ألهذا حج ؟ قال : " نعم ، ولك أجر " .

وروى الأعمش عن أبي ظبيان ، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أيما صبي حج ثم بلغ فعليه أن يحج حجة الإسلام " فإذا ثبت للصبي حج فوجب أن يكون حجا شرعيا ، وروى أبو الزبير عن جابر قال : " حججنا مع رسول الله ومعنا النساء والصبيان فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم " ولأن كل من منع مما يمنع منه المحرم كان محرما ، كالبالغ إذا أحرم عاقلا ثم جن ؛ ولأنها عبادة تجب ابتداء بالشرع عند وجود مال فوجب أن ينوب الولي فيها عن الصغير كصدقة الفطر ، فأما تعلقهم بقوله صلى الله عليه وسلم رفع القلم عن ثلاث .

[ ص: 207 ] فالجواب : أن القلم عنه مرفوع ؛ لأن الحج لا يجب عليه ؛ وإنما يصح منه ، فكان القلم له ولم يكن عليه .

وأما قياسهم على المجنون بعلة أنه ممن لا يلزمه الحج بقوله فوجب أن لا يلزمه بفعله بموجب هذه العلة ، وأن الحج لا يلزمه بفعله كما لا يلزمه بقوله ، وإنما يلزمه بإذن وليه ، ثم المعنى في المجنون أن إفاقته مرجوة في كل يوم فلم يجز أن يحرم عنه وليه لجواز أن يفيق فيحرم بنفسه ، وبلوغ الطفل غير مرجو إلا في وقته ، فجاز أن يحرم عنه وليه إذا ليس يرجى أن يبلغ في هذا الوقت فيحرم بنفسه ، هذا مع ما يفترقان فيه من الأحكام فيجوز إذن الصبي في دخول الدار وقبول الهدية منه إذا كان رسولا فيها ، ولا يجوز ذلك من المجنون .

وأما قياسهم على الصلاة بعلة أنها عبادة عن البدن فوجب أن لا ينوب الكبير فيها عن الصغير ، فالمعنى في الصلاة أنه لا يصح فيها النيابة بحال ، فلذلك لم يجز للولي أن يحرم بالصلاة عن الطفل ، ولما كان الحج مما يصح فيه النيابة جاز للولي أن يحرم بالحج عن الطفل .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث