الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 406 ] ( باب ) الذكاة قطع مميز يناكح تمام الحلقوم [ ص: 407 ] والودجين من المقدم بلا رفع قبل التمام ، [ ص: 408 ] وفي النحر طعن بلبة ، [ ص: 409 ] وشهر أيضا الاكتفاء بنصف الحلقوم ، والودجين [ ص: 410 - 411 ] وإن سامريا ، أو مجوسيا تنصر .

[ ص: 406 ]

التالي السابق


[ ص: 406 ] باب الذكاة ) لغة التتميم يقال ذكيت الذبيحة أتممت ذبحها والنار أتممت إيقادها وإنسان ذكي تام الفهم . وشرعا السبب لإباحة أكل لحم حيوان غير محرم وأقسامها : أربعة ذبح ونحر وعقر وما يموت به نحر الجراد فالذبح .

( قطع ) جنس خرج عنه الخنق والنهش وإضافته لشخص ( مميز ) بضم ففتح فكسر مثقلا أي : مدرك بحيث يفهم الخطاب ويحسن رد الجواب ، فصل مخرج قطع غير المميز لصغر أو عته أو جنون أو إغماء أو نوم أو سكر أو نحوها ( يناكح ) بضم المثناة وفتح الكاف أي : يجوز للمسلم وطء الأنثى المتدينة بدينه بنكاح أو ملك ، فصل ثان مخرج قطع مميز مجوسي أو مرتد فالمفاعلة على غير بابها ، والنكاح بمعنى الوطء فشمل قطع مميز مسلم أو كتابي حرا كان أو رقا ذكرا كان أو أنثى . ومفعول قطع قوله ( تمام ) أي : جميع ( الحلقوم ) بضم الحاء المهملة وسكون اللام ، أي : القصبة البارزة أمام الرقبة التي يجري فيها النفس ، فصل ثالث مخرج قطع مميز يجوز وطء أنثاه ما فوق الحلقوم من اللحم الذي وصل الحلقوم بالرأس وقطعه بعض الحلقوم فلا بد أن ينحاز إلى الرأس دائرة من الحلقوم ولو رقيقة . فإن انحاز كله إلى البدن فلا يؤكل وهو مغلصم بضم الميم وفتح الغين المعجمة والصاد المهملة ، هذا قول الإمام مالك وابن القاسم رضي الله تعالى عنهما وهو المذهب وقال ابن وهب يؤكل . ابن ناجي وبه الفتوى عندنا بتونس منذ مائة عام مع البيان عند البيع بعض القرويين يأكلها الفقير دون الغني ، وبه أفتى ابن عبد السلام وليس بسديد [ ص: 407 ] و ) قطع مميز توطأ أنثاه جميع ( الودجين ) بفتح الواو والدال المهملة والجيم أي : العرقين اللذين في جانبي العنق يتصل بهما أكثر عروق البدن ويتصلان بالدماغ ، فصل رابع مخرج قطع أحدهما أو بعضهما . وفهم من اقتصاره على الثلاثة أنه لا يطلب قطع غيرها كالمريء بهمز آخره كأمير أو بشد الياء وهو عرق أحمر بين الحلقوم والرقبة متصل بالفم ورأس المعدة يجري منه الطعام والشراب ، ويسمى البلعوم أيضا . هذا مذهب المدونة وهو المشهور .

وصلة قطع ( من المقدم ) بضم الميم وفتح القاف والدال المهملة مشددة فصل خامس مخرج قطع ما ذكر من القفا أو من أحد جانبي العنق ; لأنه قطع للنخاع وهو مقتل قبل الذبح سواء فعله عمدا أو غلبة في ضوء أو ظلام ، ومخرج أيضا قطعهما من جهة الرقبة إلى خارج . سحنون لو قطع الحلقوم ولم تساعده السكين في مرها على الودجين لكونها غير حادة فأدخلها بين الرقبة والودجين وجعل حدها إليهما وقطع الودجين بها من داخل إلى خارج ، فإنها لا تؤكل نقله المواق زاد الشاذلي على المذهب وكذا لو أدخل السكين قبل قطع الحلقوم بين الرقبة والحلقوم والودجين وقطعها بها من داخل إلى خارج فلا تؤكل على المشهور لمخالفة كيفية الذبح المروية عن الشارع ، قال ناظم مقدمة ابن رشد :

والقطع من فوق العروق بته وإن يكن من تحتها فميته

قال شارحها أي : صفة القطع أن يكون من فوق العروق ، فإن كان من تحتها بأن أدخل السكين من تحت العروق وقطعها فهي ميتة فلا تؤكل . ا هـ . وبه بطل قول عج قوله من المقدم ولو حكما ليدخل قطعها وفوق الرقبة بإدخال السكين بينهما والقطع بها إلى خارج فتؤكل لعدم قطع النخاع قبل الذبح أفاده عب .

وصلة قطع أيضا ( بلا رفع ) للسكين عن الحلقوم والودجين ( قبل التمام ) لقطعها ، فصل سادس مخرج قطع مميز توطأ أنثاه جميع الحلقوم والودجين من المقدم مع الرفع قبل التمام وفيه تفصيل ، فإن رفع قبل إنفاذ المقتل بحيث لو تركت لعاشت ثم ذبح فإنها [ ص: 408 ] تؤكل سواء عاد عن قرب أو بعد رفع اضطرارا أو اختيارا عاد الأول أو غيره ; لأن الثانية ذكاة مستقلة . وإن كانت لو تركت لا تعيش لإنفاذ مقتلها فإن عاد عن قرب أكلت سواء رفع اضطرارا أو اختيارا ، وما يأتي من أن منفوذ المقتل لا تعمل الذكاة فيه فهو في منفوذه بغير ذكاة أو بها مع البعد ، وإن عاد عن بعد فلا تؤكل رفع اضطرارا أو اختيارا والظاهر أن القرب معتبر بالعرف ، كالقرب فيمن سلم قبل إكمال الصلاة ساهيا كما يفيده كلام ابن سراج ونصه : والذي يترجح قول ابن حبيب إن رجع في فور الذبح وأجهز صحت الذكاة كمن سلم ساهيا ورجع بالقرب وأصلح ، فالأقسام ثمانية تؤكل في ستة منها دون اثنين ولا فرق بين كون الراجح هو الأول أو غيره ، ولا بد من النية والتسمية إن عاد عن بعد أو قرب ، وكان الثاني غير الأول وإلا لم يحتج لذلك .

واستفيد من هذا أنه لا يشترط في الذابح الاتحاد فيجوز وضع شخصين آلتين على الحلقوم والودجين وذبحهما معا بنية وتسمية من كل منهما ، وكذا وضع شخص آلة على ودج وآخر آلة على الودج الآخر وقطعهما معا الودجين والحلقوم ، وما تقدم في الرفع اختيارا مقيد بعدم تكراره وإلا فلا تؤكل لتلاعبه ، ومثل الرفع إبقاء السكين في المحل بلا قطع بها ويجري تفصيل الرفع في النحر والعقر أيضا ، وقد يشير له في العقر بقوله بلا ظهور ترك وهذا قول ابن حبيب ورجحه ابن سراج ، فلذا حملنا عليه كلام المصنف . وقال سحنون لا تؤكل مطلقا وهو ظاهر المصنف واقتصر عليه الحط ، وقيل تكره ، وقيل إن رفع معتقد التمام فلا تؤكل وإن رفع مختبرا فتؤكل خامسها عكسه . ( و ) الذكاة ( في النحر طعن ) من مميز توطأ أنثاه ( بلبة ) بفتح اللام وشد الموحدة أي : ترقوة ابن رشد ; لأنه محل تصل الآلة للقلب منه فيموت بسرعة ولو لم يقطع شيئا من الحلقوم والودجين . ابن غازي اختلف هل يقتصر في النحر على اللبة دون ما عداها كما قال المصنف أم لا ، ويصح النحر فيما بين اللبة والمذبح والأول هو مذهب أكثر الشيوخ الباجي وابن رشد وغيرهما والثاني مذهب ابن لبابة واللخمي [ ص: 409 ] واحتج بقول مالك رضي الله تعالى عنه ما بين اللبة والمذبح مذبح ومنحر فإن ذبح فيه جائز ، وإن نحر فيه فجائز فأخذ منه أن النحر لا يختص باللبة .

وقال ابن رشد معناه عند الضرورة كالواقع في مهواة إذا لم يقدر أن ينحره إلا في محل ذبحه نحره فيه ، وكذلك إن لم يقدر أن يذبحه إلا في موضع النحر ذبحه فيه ، وهو بين من قول المدونة . وصححه ابن عبد السلام واللبة محل القلادة من الصدر من كل شيء . اللخمي لم يشترطوا في النحر قطع الحلقوم والودجين . ثم أشار بعد إلى أنه لا بد من قطع الودجين جميعا ، وظاهر ابن عبد السلام أنه اختلاف من قوله . وقال ابن عرفة إنما أراد اللخمي التفصيل ، فإن كان بين اللبة والمذبح كفى قطع ودج واحد وإن كان في اللبة قطعهما معا ; لأنها تجمعهما . ( وشهر ) بضم فكسر مثقلا تشهيرا لا يساوي تشهير اشتراط قطع جميع الحلقوم والودجين المتقدم ( أيضا ) أي : كما شهر قولنا تمام الحلقوم والودجين ( الاكتفاء ) في الذبح ( ب ) قطع ( نصف الحلقوم و ) جميع ( الودجين ) فالودجين عطف على نصف لا على الحلقوم ، والمراد الاكتفاء بنصف الحلقوم مع قطع جميع الودجين . ابن حبيب إن قطع الودجين ونصف الحلقوم أكلت ، وإن قطع منه أقل فلا تؤكل ، وفي العتبية عن ابن القاسم في الدجاجة أو العصفور إذا أجهز على ودجيه ونصف حلقه أو ثلثيه فلا بأس بأكله .

وقال سحنون لا يحل حتى يجهز على جميع الحلقوم والأوداج . ابن عبد السلام فابن القاسم وابن حبيب متفقان على اغتفار بقاء النصف وسحنون لم يغتفر بقاء شيء منه ألبتة وإلا كان المعنى ونصف الودجين ، وهذا إن كان قولا في المذهب إلا أنه لم يشهر كتشهير قطع نصف الحلقوم وجميع الودجين وإن كان ضعيفا أيضا والمعتمد ما صدر به بقوله تمام الحلقوم والودجين فلو قطع أقل من نصف الحلقوم مع قطع جميع الودجين لم يكف على هذا أيضا ، وقوله بنصف الحلقوم أي : أو أكثر ولم يبلغ التمام فما زاد على [ ص: 410 ] النصف ولم يبلغ التمام لا يكفي على القول الأول الذي هو المشهور ، ولانحطاط تشهير الثاني عن تشهير الأول بل قال بعضهم لم أر من شهر هذا أي : غير قول ابن عبد السلام الأقرب اغتفار ذلك لقوله عليه الصلاة والسلام { ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكله } لم يقل خلاف ، على أن بعضهم قال لا يلزم ابن القاسم الذي يغتفر بقاء نصف الحلقوم من الطير أن يقول مثله في غير الطير لما علم عادة من صعوبة استئصال قطع الحلقوم من الطير وسهولته من غيره أفاد عب .

البناني تبع ابن غازي في جعل الكلام مسألة واحدة ونقله عن المصنف أنه قال في توضيحه وهو المشهور ، وتبعه في هذا أيضا طفي وغيره مع أن الحطاب اعترض عزوه للمصنف بأنه لم يقل هذا في هذا القول ، وإنما قاله فيما اقتضاه كلام الرسالة الذي صدر به المصنف ، ويظهر ذلك لمن تأمله ا هـ .

ونص التوضيح بعد أن ذكر صورة نصف الحلقوم وصورة أحد الودجين وصورة بعض كل منهما ، قال ومقتضى الرسالة عدم الأكل في هذه المسائل كلها لقوله والذكاة قطع الحلقوم والأوداج لا يجزئ أقل من ذلك ، قيل وهو المشهور ا هـ فكلامه لا يفيد التشهير الذي ذكره هنا كما زعمه ابن غازي ومن تبعه نعم التشهير المذكور ذكره ابن بزيزة في شرح التلقين ، ونصه إذا قلنا باشتراط الحلقوم والودجين فقط فلا يخلو من ثلاث صور ، إما أن يقطعها الذابح كلها أو أكثرها أو لا يقطع منها شيئا . فإن قطع جميعها فلا خلاف في المذهب أنها تؤكل ، وإن لم يقطع شيئا منها أو قطع أقلها فلا خلاف أنها لا تؤكل

وإن قطع نصفها أو أكثرها فهل تؤكل أم لا قولان في المذهب . والمشهور أن قطع الكل لا يشترط ، ويكفي في ذلك قطع النصف فأكثر ، ومثله لصاحب المعين في شرح التلقين ، ونصه وإن قطع بعض الحلقوم وبعض الودجين فإن كان أقل من النصف فلا تؤكل ، وإن كان النصف فما فوق فقولان المشهور أنها تؤكل . ا هـ . وهو يفيد التشهير في ثلاث صور في نصف الحلقوم فقط ، وفي نصف كل ودج وفي نصف كل من الثلاثة . وأما قطع أحد الودجين دون الآخر فلا يشملها كلامه وبه تعلم أن تقرير الشارح [ ص: 411 ] هو الصواب في جعله كلام المصنف مسألتين كما في الحط ، فقوله بنصف الحلقوم مسألة يعني مع تمام الودجين . وقوله والودجين مسألة أخرى أي نصف الودجين يعني مع تمام الحلقوم ، وجعل في الكبير والوسط هذه محتملة لمعنيين أحدهما أن يقطع نصف كل ودج وفيها قولان الإجزاء لابن محرز وعدمه لعبد الوهاب . والثاني أن يقطع واحدا منهما دون الآخر وفيها روايتان ، قال الشارح تبعا للتوضيح والأقرب عدم الأكل لعدم إنهار الدم إلا أن الصورة الأخيرة تقدم أن التشهير لم يتناولها فلا ينبغي إدخالها في كلام المصنف فتعين الاحتمال الأول في كلام الشارح والله الموفق ، ويصح ذبح ونحر مميز توطأ أنثاه إن لم يكن سامريا ولا مجوسيا تنصر . بل ( وإن ) كان يهوديا ( سامريا ) وهم قوم من بني يعقوب عليه السلام أنكروا نبوة ما عدا موسى وهارون ويوشع بن نون من أنبياء بني إسرائيل ، ويزعمون أن بيدهم توراة فيها أمور بدلها أحبار اليهود ولا يرون لبيت المقدس ، حرمة كاليهود ، ويحرمون الخروج من جبال نابلس ، وينكرون الميعاد الجسماني قاله تت ، ومبالغته على السامري فقط تفيد أن الصابئي لا تصح تذكيته حتى يتنصر .

فإن قلت السامري أخذ بعض اليهودية والصابئي ببعض النصرانية فما وجه الفرق بينهما . قلت هو أن مخالفة الصابئي للنصرانية أشد من مخالفة السامري لليهودية ، وذكره أبو إسحاق التونسي فلذا اشترط في الصابئي تنصره .

( أو ) كان ( مجوسيا ) وهم قوم يعبدون النيران ، وقالوا إن للعالم إلهين نورا وظلمة فالنور إله الخير ، والظلمة إله الشر واعتقدوا تأثير النجوم وأنها فعالة ( تنصر ) بفتحات . مثقلا أي : انتقل المجوسي إلى دين النصرانية يعني أو تهود فيصح ذبحه ونحره لصيرورته . كتابيا توطأ أنثاه .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث