الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة لا يدخل مكة إلا بإحرام في حج أو عمرة

مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " ولا يدخل مكة إلا بإحرام في حج أو عمرة لمباينتها جميع البلدان ، إلا أن من أصابنا من رخص للحطابين ومن يدخله لمنافع أهله أو كسب نفسه ، - ( قال الشافعي ) : ولعل حطابيهم عبيد ومن دخلها بغير إحرام - فلا قضاء عليه .

قال الماوردي : وهذا كما قال ليس يخلو حال الداخل إلى مكة لغير حج أو عمرة من ثلاثة أضرب :

أحدها : أن يدخلها مقاتلا إما قتالا واجبا أو مباحا من غير قتال معصية ، كأهل البغي إذا لجئوا إليها فأراد الإمام قتالهم ، فيجوز لمن دخلها على هذه الحالة مقاتلا أن يدخلها حلالا بغير إحرام ، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة عام الفتح سنة ثمان حلالا وعلى رأسه مغفر ، وقال : أحلت لي ساعة ، ولم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي دخلتها وعلى رأسي مغفر ، قال أهل العلم : المراد بقوله " ولا تحل لأحد بعدي " إلا لمن كان في مثل حالي ؛ لأن الشرع إذا ثبت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثبت لغيره أمته إلا أن تقوم الدلالة على تخصيصه ؛ ولأن في تكليف المحارب الإحرام لدخولها مع ما هو عليه من حال القتال مشقة غالبة ، إذ لا يأمن رجعة عدوه وهو بإحرامه ، قد تجرد فلا يمكنه الدفع عن نفسه فاستباح لأجل ذلك ترك الإحرام والدخول إليها حلالا .

والضرب الثاني : أن يدخلها لمنافع أهلها أو كسب نفسه ، كالذين يكثرون الدخول إليها في كل يوم كالحطابين والساقين والجلابين وأصحاب المبرة ، فيجوز لهؤلاء دخول مكة بغير إحرام ؛ لأنه كالإجماع لإقرار السلف لهم على ذلك ؛ ولأن في أمرهم بالإحرام مع كثرة دخولهم انقطاعا عن مكاسبهم ، ومشقة غالبة في تجديد الإحرام مع ترادف دخولهم ، فعذروا بترك الإحرام ، قال الشافعي في الإملاء : أرخص للحطابين أن يدخلوا بغير إحرام إذا دخلوا في السنة مرة بإحرام فكان أمرهم أن يحرموا في السنة مرة ؛ لأنه لا مشقة عليهم في ذلك ، وليس هذا منه على الإيجاب ، وإنما قاله استحبابا وفي معنى الحطابين من خرج من مكة مسافرا ، ثم ذكر أنه نسي شيئا فرجع لأخذه ، جاز أن يرجع محلا ، نص عليه الشافعي في الإملاء .

والضرب الثالث : أن يدخل مكة لغير هذين الأمرين ، إما متوطنا أو قادما إلى وطن أو تاجرا أو زائرا فهل يلزمه الإحرام لدخولها بنسك من حج أو عمرة أم لا ؟ على قولين :

أحدهما : قاله في الإملاء أنه استحباب وليس بواجب ، وبه قال مالك لقوله صلى الله عليه وسلم للأقرع بن حابس حين قال : أحجتنا هذه لعامنا أم للأبد ؟ فقال : لا بل للأبد فدل على أن ما [ ص: 241 ] سوى حجة الإسلام وعمرته لا يلزم بالشرع ؛ لما روي عن ابن عمر أنه دخلها حلالا بغير إحرام ؛ ولأنه ممن أسقط فرض نسكه ، فجاز أن يدخلها حلالا كالحطابين .

والقول الثاني : وهو الصحيح قاله في الأم ومختصر الحج ، أن الإحرام لدخولها واجب لقوله تعالى : لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام [ المائدة : 2 ] ، يعني : قاصدين ، فمنع من العدول عن قصد البيت لمن دخل الحرم ، وحظر تحليل ذلك بتركه ، وقال تعالى : وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا [ البقرة : 125 ] . والمثابة والرجوع إليه بالنسك قال ورقة بن نوفل :


مثاب لأفناء القبائل كلها تخب إليه اليعملات الذوامل

وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن أبي إبراهيم حرم مكة فلا يدخلها أحد إلا محرما وقال صلى الله عليه وسلم حين دخلها حلالا : أحلت لي ساعة ، ولم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي " فدل على اختصاصه عن غيره في الإحلال ؛ ولأنه لو نذر دخول مكة أو المشي إلى البيت لزمه الإحرام لدخولها بأحد النسكين ، فلو جاز دخولها بغير إحرام لأحد النسكين لم يلزمه إذا نذر دخولها أن يحرم بأحد النسكين ، وفي إجماعهم على ذلك في النذر دليل على وجوبه في الدخول ؛ ولأن مكة لما اختصت بالنسكين والقبلة تشريفا لها ، وحرم قتل صيدها ، وقطع شجرها لعظم حرمتها ، اختصت بالإحرام لدخولها مباينة لغيرها ، وعلى كلا القولين يستوي حكم القادم إليها من دون المواقيت أو من ورائها .

وقال أبو حنيفة : إن قدم من دون المواقيت لم يلزمه الإحرام ، وإن قدم من ورائها لزمه ، وليس بصحيح : لأن الإحرام تحية لتعظيم البقعة ، فاقتضى أن يستوي حكم القادم من دون الميقات وورائها في وجوبها واستحبابها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث