الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 244 ] باب الصبي إذا بلغ ، والعبد إذا عتق ، والذمي إذا أسلم وقد أحرموا

مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : وإذا بلغ غلام أو أعتق عبد أو أسلم ذمي ، وقد أحرموا ، ثم وافوا عرفة قبل طلوع الفجر من يوم النحر ، فقد أدركوا الحج وعليهم دم ، قال في موضع آخر : إنه لا يبين له أن الغلام والعبد عليهما في ذلك دم ، وأوجبه على الكافر ؛ لأن إحرامه قبل عرفة وهو كافر ليس بإحرام ( قال المزني ) فإذا لم يبن عنده أن على العبد والصبي دما وهما مسلمان ، فالكافر أحق أن لا يكون عليه دم ؛ لأن إحرامه مع الكفر ليس بإحرام والإسلام يجب ما كان قبله ، وإنما وجب عليه الحج مع الإسلام بعرفات ، فكأنها منزله أو كرجل صار إلى عرفة ولا يريد حجا ثم أحرم ، أو كمن جاوز الميقات لا يريد حجا ، ثم أحرم فلا دم عليه وكذلك نقول .

قال الماوردي : وهذه المسألة تشتمل على صبي أحرم بالحج ثم بلغ ، وعبد أحرم بالحج ثم أعتق ، وكافر أحرم بالحج ثم أسلم فبدأ بالكلام في الصبي والعبد لبداية الشافعي بهما واشتراك حكمهما ، قد ذكرنا فيما تقدم أن الحج يصح من الصبي والعبد وذكرنا خلاف أبي حنيفة في الصبي .

ودليلنا عليه فإذا ثبت صحة حجهما فبلغ الصبي وأعتق العبد بعد حجهما لم تجزهما عن حجة الإسلام ، وكان فرض الحج إن وجب عليهما باقيا في ذمتهما ؛ لراوية أبي الزبير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لو حج الصبي عشر حجج كان عليه حجة بعد أن يكبر ، ولو حج العبد عشر حجج ، كان عليه حجة بعد أن يعتق " فأما إذا بلغ الصبي وأعتق العبد بعد الإحرام وقبل الإحلال فلذلك ضربان :

أحدهما : أن يكون البلوغ والعتق قبل الوقوف بعرفة .

والضرب الثاني : أن يكون بعد الوقوف بعرفة فإن كان ذلك قبل الوقوف بعرفة أو في عرفة فهما سواء ، والحكم فيهما واحد فيجزئها عن حجة الإسلام ويسقط ذلك فرض الحج عنهما .

وقال أبو حنيفة : لا يجزئهما عن حجة الإسلام ، ويكون حج الصبي باطلا إلا أن يستأنف الإحرام بعد البلوغ بناء على أصله في أن حج الصبي لا يصح ، ويكون حج العبد [ ص: 245 ] تطوعا بناء على أصله في أن من عليه فرض الحج يصح منه التطوع بالحج ، ونحن نبني ذلك على أصلنا في أن الصبي يصح منه الحج ، وأن من عليه فرض الحج لا يصح منه التطوع بالحج وقد مضى الكلام على هذين الأصلين ، ثم من الحجاج في غير المسألة أن قال : كيف يجزئ الصبي والعبد عن فرضهما حج ابتداء تطوعا وليس مثل من يحرم بالتطوع وعليه فرض ؛ لأن إحرام من أحرم بالتطوع وعليه فرض لم يعقد على تطوع ، وإنما انعقد على فرض ، وإحرام هذين انعقد على تطوع فلا ينقلب إلى فرض .

والدلالة عليه حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة وأتاه ناس من أرض نجد ، فقالوا : يا رسول الله كيف الحج ؟ قال : الحج عرفة فمن جاء قبل طلوع الفجر من ليلة جمع فقد تم حجه . فكان على عمومه ولأنه وقوف مكلف تعقب إحراما صادف حرية وإسلاما ، فوجب أن يسقط به الفرض قياسا على من كان بهذه الأوصاف فابتدأ الإحرام بالحج .

فأما الجواب عن قوله : إن إحرام هذين قد انعقد تطوعا فلم يصر فرضا ، وخالف من أحرم بالتطوع وعليه الفرض ؛ لأنه لم ينعقد بالتطوع ، وإنما انعقد بالفرض أن يقال له : لا فرق بينهما به لما امتنع بما تقدم من الحجاج أن يبتدئ بالتطوع وعليه الفرض ، وقد يتحرر ذلك قياسا فنقول : كل من لزمه فرض الحج لم يصح منه التطوع بالحج كالمبتدئ .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث