الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة إذا أحرم العبد بالحج ثم وطئ فيه فمذهب الشافعي أنه كالحر قد فسد حجه ولزمه إتمامه وقضاؤه

مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : ولو أفسد العبد حجه قبل عرفة ثم أعتق ، والمراهق بوطء قبل عرفة ، ثم احتلم أثما ، ولم تجزئ عنهما من حجة الإسلام ؛ لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن امرأة رفعت إليه من محفتها صبيا فقالت : يا رسول الله ألهذا حج قال : " نعم ولك أجر " ( قال ) : وإذا جعل له حجا فالحاج إذا جامع أفسد حجه ( قال المزني ) : وكذلك في معناه عندي يعيد ويهدي " .

قال الماوردي : إذا أحرم العبد بالحج ثم وطئ فيه فمذهب الشافعي أنه كالحر قد فسد حجه ، ولزمه إتمامه وقضاؤه ، وقال بعض أصحابنا : لا قضاء عليه تخريجا من أحد القولين في الصبي : لأن العبد ممن لا يلزمه فرض الحج ، وهذا خطأ : لأن العبد ممن يلزمه الحج بالدخول فيه ، وإن لم يلزمه حجة الإسلام ، فإذا ثبت أن القضاء عليه واجب فهل يقضي في حال رقه أو بعد عتقه ؟ على وجهين :

أحدهما : بعد عتقه فإن قضاه في حال رقه لم يجزه ؛ لأن القضاء فرض ، والعبد ممن لا يصح منه فرض الحج .

والوجه الثاني : وهو منصوص الشافعي يجوز أن يقضيه في حال رقه : لأنه لما لم يكن الرق مانعا من وجوب القضاء عليه لم يكن مانعا من إسقاط فرض القضاء عنه فعلى هذا إن [ ص: 249 ] كان قد أحرم بالحج الذي أفسده بغير إذن سيده لم يكن له أن يحرم بحجة القضاء إلا بإذن سيده ؛ لأن القضاء إنما لزمه باختياره ، والسيد منع عبده مما وجب عليه باختياره كما يمنعه من صلاة النذر وصيام النذر ، فإن منعه من القضاء مدة رقه كان له إذا أعتقه ، فأما القضاء فلم يتناوله لأنه قد صار قضاء حينئذ ، وإن كان العبد قد أحرم بالحجة التي أفسدها بإذن سيده ، فهل للسيد منعه من القضاء أم لا ؟ على وجهين :

أحدهما : ليس له منعه ؛ لأن إذنه بالحج إذن به وبموجبه ، والقضاء من موجبه فلم يكن له منعه .

والوجه الثاني : له منعه منه وليس له القضاء إلا بإذنه ؛ لأن الإذن الأول إنما يتناول الحج الأول وموجبه الذي لا يعرى منه ، فأما القصد فلم يتناوله ؛ لأنه قد يعرى منه ، فعلى هذا له أن يمنعه من القضاء مدة رقه ، وإن مكنه من القضاء في رقه فقضاه ، سقط عنه القضاء ولم يجزه عن حجة الإسلام ، وإن منعه من القضاء حتى أعتق فقد لزمه حجتان : القضاء وحجة الإسلام ، وعليه أن يقدم حجة الإسلام على القضاء ؛ لأن حجة الإسلام لا يجوز أن يقدم عليها غيرها ، فإن قدم القضاء على حجة الإسلام ، انصرف إحرامه إلى حجة الإسلام دون القضاء ، ولزمه أن يحرم فيما بعد لحجة القضاء هذا إن كان العبد على رقه إلى أن أحل من حجة الفساد ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث