الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 291 ] الطلاق 1933 - مسألة ومن خير امرأته فاختارت نفسها ، أو اختارت الطلاق ، أو اختارت زوجها ، أو لم تختر شيئا ، فكل ذلك لا شيء ، وكل ذلك سواء ، ولا تطلق بذلك ، ولا تحرم عليه ، ولا لشيء من ذلك حكم ، ولو كرر التخيير وكررت هي اختيار نفسها ، أو اختيار الطلاق ألف مرة .

وكذلك إن ملكها أمر نفسها ، أو جعل أمرها بيدها ولا فرق .

فصح عن عمر بن الخطاب ، وابن مسعود فيمن جعل أمر امرأته بيدها فطلقت نفسها ثلاثا ، أو طلقته ثلاثا : أنها طلقة واحدة رجعية .

وصح أيضا - عن زيد بن ثابت ، وعن مجاهد ، وعمر بن عبد العزيز .

وقول آخر - وهو أن القضاء ما قضت : صح ذلك عن عثمان بن عفان .

ومن طريق سعيد بن منصور عن ابن عمر - ومن طريق غيره عن عبد الله بن الزبير .

وروي عن علي ، وابن عمر منقطعا عنهما - وصح عن عبد الله بن الحارث بن أبي ربيعة ، وعمر بن عبد العزيز ، وسعيد بن المسيب .

وصح عن أم سلمة ، وعائشة : أمي المؤمنين ، وقريبة - أخت أم سلمة - وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق : إن جعل أمرها بيدها فردته إلى زوجها فهي امرأته كما كانت .

وقول ثالث - إن اختارت الفراق أو نفسها : فهي واحدة بائنة ، وإن ردته إلى زوجها [ ص: 292 ] فاختارته ، فهي طلقة رجعية - صح عن علي ، وزيد بن ثابت ، ورجال من الصحابة ، وعن الحسن البصري .

وقول رابع - أن القضاء ما قضت ، وله أن يناكرها ، فيحلف ويقضى له بما حلف أنه نواه ، وتكون طلقة رجعية : روي عن عمر بن الخطاب - ولم يصح - وصح عن ابن عمر ، وصح عن القاسم بن محمد ، ومروان .

وقول خامس - وهو ثلاث بكل حال - صح عن الحسن ، وعن رجال من الصحابة رضي الله عنهم - وفيه أثر مسند .

وقول سادس - من جعل أمر امرأته بيد آخر فطلقها فليس بشيء ، روي عن ابن مسعود .

وقول سابع - من قال لامرأته : أمرك بيدك ؟ فقال : قد حرمت عليك ، قد حرمت عليك : فهي واحدة - رويناه من طريق سعيد بن منصور عن القاسم بن محمد - وليس يصح عنه .

وروينا من طريق ابن أبي ليلى عن الشعبي : أن أمرك بيدك ، واختاري نفسك سواء ، في قول زيد ، وابن مسعود ، وعلي - وصح عن الشعبي : أنه قوله ، وعن النخعي .

وأما المتأخرون - فإن أبا حنيفة قال : أمرك بيدك ، والتمليك ، والتخيير سواء ، فإذا ملكها أمرها ، أو قال : اختاري ، أو قال : أمرك بيدك ، ثم قال : لم أنو طلاقا ; فإن كان في غضب فيه ذكر طلاق ، أو ليس فيه ذكر طلاق : لم يصدق ، وإن كان في رضا لم يلزمه شيء مما تقضي به هي ، فإن كان في غضب فردت إليه أمرها فلا شيء وهي امرأته - فلو كان في غضب فطلقت نفسها لم يلتفت لما قالت ، لكن هو يسأل عن نيته ؟ فإن قال : نويت الثلاث ، فهي طالق ثلاثا ، إلا في اختاري ، فإنها لا تكون إلا واحدة بائنة - سواء نوى ذلك أو أقل - أو نوى طلاقا رجعيا أو لم ينوه - وإن قال : نويت اثنتين ، أو قال : نويت الطلاق بلا عدد ، أو قال : نويت واحدة بائنة ، أو قال : نويت واحدة رجعية ، أو قال : لم أنو طلاقا أصلا فكل هذا سواء ، ولا يلزمه في كل ذلك إلا واحدة بائنة ولا بد ؟ فاعلموا أن كل ما موه به عن الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم - فباطل ، وأنه [ ص: 293 ] في قوله هذا لم يوافق أحدا منهم وهو قول ما سبق إليه ، ولم يعرف عن أحد قبله ، ولا دليل له على شيء منه ، لا من نص ، ولا من قياس ، ولا من قول يعقل .

وأما مالك فقال : أمرك بيدك والتمليك سواء .

قال : ومن قال : لامرأته أمرك بيدك فقالت : قد قبلت ; فقد طلقت ، إلا أن تقول هي : لم أرد طلاقا - قال : فلو جعل أمر امرأته بيد امرأة له أخرى فطلقتها ثلاثا ، فهي طالق ثلاثا ، وله أن يناكرها فيقول : لم أرد إلا واحدة ، أو يقول : لم أرد إلا اثنتين ، فالقول قوله مع يمينه ، وتكون واحدة بائنة .

قال : فلو قال لامرأته : قد وليتك أمرك إن شاء الله ؟ فقالت هي : قد فارقتك إن شاء الله ، فهو طلاق - فلو قال لها : ما كنت إلا لاعبا ، أو قالت هي : ما كنت إلا لاعبة ما أردنا طلاقا ، فالقول قول الرجل مع يمينه .

قال : فلو قال لها : أمرك بيدك فأخذت شقة ومضت إلى أهلها وخرج هو إلى سفر ولم يكن غير هذا ، قالوا : قد طلقت .

فلو قال : أمرك بيدك ، أو ملكها ؟ فطلقت نفسها واحدة ، فقال هو : لم أنو إلا ثلاثا ، لم يلزمه إلا واحدة ؟

فاعلموا أن هذا القول أيضا غير موافق لقول أحد من الصحابة ، ولا من التابعين إلا رواية عن عمر لم تصح : رويناها من طريق عبد الرزاق عن محمد بن راشد عن عبد الكريم أبي أمية أن رجلا جعل أمر امرأته بيدها في زمان عمر بن الخطاب فطلقت نفسها ثلاثا ، فقال هو : والله ما جعلت أمرها إلا واحدة ؟ فترافعا إلى عمر ، فاستحلفه عمر " بالله الذي لا إله إلا هو ما جعلت أمرها بيدها إلا واحدة فحلف فردها عمر عليه .

محمد بن راشد متكلم فيه ، وعبد الكريم أبو أمية غير ثقة ولم يدرك عمر - والصحيح عن عمر خلاف ذلك كما ذكرنا من أقواله والأسانيد في ذلك قد ذكرناها في " كتاب الإيصال " وإنما قصدنا هاهنا الاختصار - وأما سائر تقاسيمه فلا سلف له فيها . [ ص: 294 ] وأيضا - فإن هذه الرواية عن عمر خالفه فيها ، لأن عمر جعلها رجعية ، وجعلها مالك بائنة ، فخرج عن قول جميعهم .

وكذلك أيضا جعلها مروان ، والقاسم بن محمد رجعية .

وقد روينا ذلك أيضا - من طريق ثابتة عن ابن عمر - يعني المناكرة - من طريق سعيد بن منصور ، فصح أنه رأي مجرد لا دليل عليه ، لا من نص ، ولا من قول متقدم ، ولا من قياس ، ولا من رأي يعقل .

وقال سفيان الثوري ، والشافعي : هو ما نوى ، فإن قال : لم أنو طلاقا فهو كما قال - وكذلك إن ردت الأمر إليه ؟ فإن طلقت نفسها ، أو اختارت نفسها فأي شيء قالت لم يلزمه إلا طلقة واحدة رجعية فقط - وهكذا قالا في التخيير ، والتمليك .

قال أبو محمد : وكل هذه الأقاويل آراء لا دليل على صحة شيء منها - وقد تقصينا من روي عنه من الصحابة - رضي الله عنهم - أنه يقع به طلاق ، فلم يكونوا بين من صح عنه ومن لم يصح عنه إلا سبعة ، ثم قد اختلفوا كما ترى ، وليس قول بعضهم أولى من قول بعض ، ولا أثر في شيء منها إلا أثرا - : رويناه من طريق أحمد بن شعيب أرنا علي بن نصر الجهضمي نا سليمان بن حرب نا حماد بن زيد قال : قلت لأيوب السختياني : هل علمت أحدا قال في أمرك بيدك أنها ثلاث غير الحسن ؟ قال : لا ، اللهم غفرا إلا ما حدثني قتادة عن كثير - مولى ابن سمرة - عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم { قال : ثلاث } ، قال أيوب : فلقيت كثيرا - مولى ابن سمرة - فسألته ، فلم يعرفه ، فرجعت إلى قتادة فأخبرته ، فقال : نسي .

قال أبو محمد : كثير - مولى ابن سمرة مجهول - ولو كان مشهورا بالثقة والحفظ لما خالفنا هذا الخبر ، وقد أوقفه بعض رواته على أبي هريرة . والذي نقول به هو قول أبي سليمان وأصحابنا ، فهو - : ما رويناه من طريق أبي عبيد نا أبو بكر بن عياش نا حبيب بن أبي ثابت " أن رجلا قال لامرأة له : إن أدخلت هذا العدل البيت فأمر صاحبتك بيدك ، فأدخلته ، ثم قالت : هي طالق ، فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب فأبانها منه ، فمروا بعبد الله بن مسعود فأخبروه ؟ فذهب بهم إلى عمر فقال : يا أمير المؤمنين إن الله تعالى جعل الرجال قوامين على النساء ، ولم يجعل النساء [ ص: 295 ] قوامات على الرجال ؟ فقال عمر : فما ترى ؟ قال : أراها امرأته ، قال عمر : وأنا أرى ذلك ، فجعلها واحدة " .

قال أبو محمد : قد يمكن أن يكون عمر أمضى حكمه وإلا فقد رجع إلى قول ابن مسعود في أن لا ينفذ طلاق من جعل الزوج أمر امرأته بيده .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث